الحراك الجماهيري في العراق والشعبوية

دأب الأستاذ القدير طلال ابو غزالة ، عبر قناة " روسيا اليوم " الناطقة باللغة العربية ، من خلال برنامجه المهم " العالم الى أين؟ " الذي يعده ويقدمه استاذنا القديرنفسه على طرح القضايا التي تهم العالم. ومنها مايخص منطقتنا بطبيعة الحال.
وفي معرض تعريفها بالإستاذ ابو غزالة قامت " ويكيبيديا ".بالتعريف بالباحث وفق مايلي:
طلال ابو غزالة (22 ابريل –نيسان- 1938م): هو المؤسس والرئيس لمجموعة طلال ابو غزالة الدولية، وهي مجموعة شركات علمية تقدم الخدمة المهنية في مجالات المحاسبة،والإستشارات الإدارية ونقل التكنولوجيا، والتدريب والتعليم والملكية، وتم منحه لقب قائد المحاسبة العربية ، وتم الإعتراف بفضله في الترويج لأهمية الملكية الفكرية في المنطقة العربية.
في آخر برنامج له على نفس القناة أثار موضوعا هاما، يتعلق بالخطر الذي يواجه الديمقراطية ، من تنامي الشعبوية !
والشعبوية وكما جاء التعريف بها في "يكوبيديا " نفسها هي:
(( إنها يمكن تعريفهاكأيديولوجيا أو فلسفة سياسية، أو نوع من الخطاب السياسي الذي يستخدم الديماغوجيا وإثارة عواطف الجماهير" بالحجاج الجماهيري "، تحييد القوى العكسية )).
من خلال التعريف ، يمكن ملاحظة إن هدف الشعبوية ، هو الحصول على شرعية فكرة معينة أو هدف ما من خلال،تحشيد الناس وتأييدهم له أو لها، بغض النظر عن مدى صواب وصحة ذلك الهدف المعين.
وبالعكس من الشعبوية، "يكون تقديم المعلومات والبيانات والأرقام، لمخاطبة عقول الجماهيرلاعواطفهم." ، هذه الحالة ترتبط بجزء منها بالشعبوية ، من ناحية حشدها للجماهير، وإعتمادها عليهم، في خطابها السياسي، وتفترق عنها ، في إستعمال خطابها السياسي ،ليس لصالح منتفع واحد ، أو بضعة منتفعين لغرض تمرير، هدف من شأنه خدمة هذا المنتفع ، أو بضعة المنتفعين، وإنما لصالح الجمهور الواسع. وهنا تكمن صعوبة التمييز، ما بين ألأهداف العامة والأهداف الشخصية الأنانية التي تميز بها الشعبويين.

في الترويج للشعبوية الحديثة ، وما جاء عل لسان الباحث ابو غزالة ، الذي تحرر من ديماغوجية الفكرة ، وحذا حذوا علميا ،مؤكدا على الدور الكبير " لثورة المعرفة "، في خلق الآلية لتمكين الناس من إيصال آرائهم، ليس عن طريق النائب البرلماني وإنما عن طريق الشعب نفسه ،وتلعب في ذلك وسائل الإتصال الإجتماعي الدور الحاسم. فالشعبوية الآن ترى إن ثورة المعرفة خلقت الإمكانية لتمكين الناس من إيصال رأيهم ، دون الحاجة الى التنظيم الحزبي ، وليس كذلك عن طريق النائب البرلماني، وأنما عن طريق الشعب نفسه،في ذلك يختلف الكثيرون مع الشعبوية، الا إنهم في نفس الوقت يقرون،لها تأكيدها على دور الإنسان ،و في الترويج و إيصال الأفكار الإنسانية التي تهم الناس ، وبهذا الصد ذهب الباحث طلال ابو غزالة ، في مداخلته آنفة الذكر موضحا إن اهم إشكاليات الديمقراطية :تكمن في ان المؤسسات الدولية ، لا تتحدث عن المؤشرات الآنسانية،عند الحديث عن التطورات التي جرت في مجال القرارات الديمقراطية لصالح السياسة ، ولصالح المؤسسات المالية والإقتصادية دون تأثيراتها الملموسة على الناس.
ولذلك يرى ضرورة تشكيل فريق في الأمم المتحدة( تشكل حديثا بضغط من الشعبوية) ، لتناول الإجراءات الإقتصادية وتأثيراتها على الإنسان، ويرى ابو غزالة أهميةإنشاء معايير تبين هذه التأثيرات.
وعند الحديث عن الحراك الجماهيري العراقي ، والمد الواسع له خلال ثورة تشرين والتضحيات الكبيرة التي رافقتها ،وكذلك التلاحم الواسع ما بين شباب الثورة أنفسهم ، وتفننهم في مقارعة الفاسدين والمنحرفين ، والتفاف الجماهير حولهم ، ونزولها الى جانب الثوار في الساحات ، وكذلك تعاون أعداء الحراك ، وتنوع اساليب القمع من قبلهم ، والذي وصل حد الموت ،وتفنن الأعداء في تنفيذه بدم بارد ،وسعادة غامرة ، وخلق المبررات والمواقف التي يقنعون بها أنفسهم ، ناهيك عن فبركة التهم والنعوت ضد المناضلين الذي كانوا يتسابقون للتضحية والفداء ،والتفاف الجماهير حول الثورة ، وتزايد هذا الإلتفاف كما ونوعا مع إستمرارها.وتطورها.
استمر الحراك الجماهيري بمطاليبه التي وجدت صداها لدى جماهير الشعب العراقي ،وتركت تأثيرها على "السياسيين" العراقيين الذين لم يقدروا أن يتجاوزوها " وإن شكليا " . لأن شعارات مثل مكافحة الفساد والفاسدين ، ومثل العدالة ، والنزاهة، ....الخ من القيم الإيجابية التي نادت الجماهير بها ، لايمكن أن يكون هؤلاء " السياسيين " مجاهرين بالعداء لها.
مميزات الحراك الشعبي العراقي :
*: الطابع الجماهيري الواسع ،للحراك ، من الجانب الفعلي في المشاركة الواسعة والمتنوعة للجماهير المواضبة على الحضورالفاعل، والمتنوع كما ونوعا ، إإضافة الى التأثير المباشر للحراك ، على جماهير عراقية غفيرة، في التأييد والتأثر به ، ومساهمتها الفعالة في إسناد المنتفضين ، وإمدادهم بحاجاتهم اليومية من مأكل وملبس ، وصنع السياج الواقي حولهم.
*: إصرار الحراك على رفض اي شكل من التنظيم الحزبي ،أو الوصاية الحزبية ، بالرغم من إصرار الحكومة ، والقوى الأخرى على ضرورة ، إيجاد شكل من القيادة الممثلة له ، وحينما أصرت الحكومة على تقديم إناس من الحراك كقادة ، كان الجواب صاعقا ، حيث أصر الحراك بالقول " إن عليكم التفاوض مع شهداء الحراك " بعد أن قدموا قائمة بأسماء الشهداء كقادة للحراك .
*: لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دورا محوريا في بلورة آراء الحراك ، بمكوناته المختلفة، ولعب المطعم التركي نفس الدور في التعبير ، عما يريد الحراك .
*: مواصلة الحراك على المطالبة بإستقالة حكومة عبد المهدي ،ونجاحه في ذلك ، ورفضه لإي مرشح كبديل لرئاسة الوزارة، من قبل الكتل البرلمانية .
*: الإعلان عن وتطبيق سلمية الحراك ، والثبات على ذلك ، وعدم إنجراره، وراء الإستفزازات والإعتداءات المتواصلة عليه . وإستخدام القوة المفرطة والعنف ضده.
*: السمة الأخرى التي تكاد ان تنفرد بها ثورة تشرين الشبابية ،هي تنوع الإبتكار،في طرق التضحية والبسالة،ومواجهة المخاطر،التفنن في ايجاد وسائل مكافحة الإرهاب ، وتقسيم العمل بين الثوار في الواجبات والمواجهة ، فرأينا سواق التكتك يتفانون في حمل المصابين ونقلهم ال الفرق المسعفة الطبية، وفي إيصال المتضاهرين الى ساحات التضاهر، ورأينا كذلك فرق مكافحة قنابل الدخان وغيرها، ورجال الإعلام ، والمحاضرين ، و.... و..... ، وكل ذلك يتم بدون وجود قيادة ميدانية تنظظم العمل ! وغير ذلك من الممارسات والفعاليات التي لا تخطر على بال.
هذه الظواهر الثورية، جعلت الحراك الجماهيري ، يلتقي مع الشعبوية بمقدار ويفترق عنها بمقدار آخر، جرى لتطرق اليها في مقدمة المقال ، ولكن الذي يميزه،هو ذلك الإصرار الثوري على الإلتزام بقضية الإنتخابات البرلمانية المبكرة ، بما فيها إيجاد قانون جديد للإنتخابات ، ومفوضية جديدة لفنتخابات ، ومرشح لرئاسة الوزراء بمواصفات خاصة وضعها الحراك ، في مقدمتها إن هذا المرشح يجب أن يكون من خارج الطبقة السياسية، ولا يمت لها بصلة.
" إن جوهر عملية التغيير تتم من الأدوات البرلمانية ، وهذا إختلاف كبير عن
الشعبوية ولا يمت لها بصلة........."
(وأقترح ان تسمى الحالة التي هدفها الجماهيرومصلحتها العامة " الحالة الشعبية " )
فهذه الحالة تضع مصلحة الوطن والجماهيرفوق كل إعتبار وتهدف الى إقامة شكل من العدالة الإجتماعية ، وتمكين الدولة العراقية من إعادة هيبتها وتقوية مؤسساتها، العسكرية والمدنية، وفق الإجراءات الدستورية، ورفض كل الخروقات الفاضحة للقانون والدستور.
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال