الفيلم الايطالي"الغريبة"… أول عمل أوروبي عن رواية العراقي يونس توفيق

يكتسب الفيلم الإيطالي»الغريبة» إنتاج 2009، أهمية استثنائية، لأنه استند إلى رواية مكتوبة باللغة الإيطالية صدرت عام 2000 للكاتب العراقي الأصل الإيطالي الجنسية يونس توفيق، مواليد الموصل شمال العراق 1957، الذي مضى على وجوده في مدينة تورينو عاصمة الشمال الإيطالي قرابة أربعين عاما، منذ أن وصلها لأجل دراسة الأدب عام 1979 فوقع في هوى هذه المدينة، ولم يستطع أن يقاوم انشداده إليها، فأكمل مشواره العلمي فيها، ونال شهادة الماجستير ثم الدكتوراه، وأصبح أستاذا جامعيا يدرِّس الأدب المقارن في جامعاتها.
جائزة أفضل رواية
في العام الذي صدرت فيه رواية «الغريبة» نالت جائزة أفضل عمل مكتوب باللغة الإيطالية على المستوى الأوروبي، لمؤلف من أصول أجنبية، فكان هذا التتويج الرفيع، تلويحة سعدٍ بالنسبة للمؤلف، فتحت أبواب الشهرة أمامه في الأوساط الثقافية الإيطالية على وجه خاص، وبات اسمه مؤطرا بالترحاب والاحترام، فكان من المنطقي أن يلتفت العاملون في الإنتاج السينمائي إلى روايته، بعد أن دخلت وبقوة ميدان التحليل من قبل نقاد الأدب في الصحف والمجلات، ومقدمي البرامج الثقافية في محطات التلفزيون، وتمت استضافته للحديث عن تجربته الخاصة في الكتابة باللغة الإيطالية، لكونه قادما من أصول عربية، وعلى أثر هذا الاهتمام الإعلامي، اتصل به اثنان من المخرجين لأجل الاتفاق على تحويلها إلى فيلم، لكنه لم يكن مقتنعا بهذه الخطوة، خشية أن تتعرض الرواية إلى التشويه، خاصة بعد أن وجد أن المُخرِجَين اللذين اتصلا به، كانا قد ذهبا في رؤيتهما الفنية إلى ضرورة إجراء تعديلات كبيرة عليها، حسب ما يقتضيه الفن السينمائي، إلا أن المخرج الإيطالي ماركو توركو، تمكن من إقناعه، حسبما صرح لنا توفيق في حديث أجريناه معه، من بعد أن طمأنه على أن نصه الأدبي لن يتعرض إلى التغيير، كما عبر توركوعن إعجابه الشديد بالرواية قائلا: «روايتك تشبه سيناريو جاهزا. وكأنك كنت تصور الأحداث. وهي من وجهة نظري جاهزة للتنفيذ. وأرى الأحداث مجسدة أمامي قبل أن أراها على الشاشة «وبناء على ذلك تم توقيع العقد مع الشركة المنتجة.
تجاذب وافتراق بين الرواية والفيلم
يقودنا الحديث عن الفيلم إلى تناول علاقة السينما بالرواية، وهناك العديد من الدراسات التي توقفت طويلا أمامها، وبدون شك فإن هذه العلاقة تحمل في تاريخها وجوها مختلفة، فبقدر ما فيها من تفاعل وإثراء، هناك تقاطع وافتراق، وأسباب ذلك، أن كل فن يمتلك لغته وتقنياته السردية، وسيكون أمرا لابد منه أن يتعرض أي عمل روائي إلى جملة تغييرات وتعديلات في مبناه السردي، إذا ما أصبح تحت سلطة كاتب سيناريو، لأن الصورة في السينما تخضع في بنائها إلى جملة مؤثرات مرئية وصوتية، وهذا يعني اختزال وشطب الكثير من عناصر الوصف في السرد الروائي، وينسحب ذلك أيضا على الشخصيات والأحداث، وبقدر ما فشلت بعض الأفلام في الوصول إلى المستوى الرفيع الذي كانت عليه الرواية التي استندت إليها إلا أن هناك أفلاما أخرى تفوقت على الرواية الأصلية، وهذا بطبيعة الحال مرتبط بظروف الإنتاج، ويكاد لا يختلف اثنان في أن السينما لعبت دورا كبيرا في إشهار العديد من الروايات، بعد أن نجح المخرجون في صنع شريط سينمائي على مستوى عال من البناء السردي، رغم بساطة النص الروائي الأصلي، مثل رواية «العرَّاب» لماريو بوزو، التي تحولت إلى فيلم عظيم في ثلاثة أجزاء من إخراج فرانسيس فورد كوبولا، والأمثلة كثيرة في هذا الخصوص.
بِنية الفيلم
نجح المخرج ماركو توركو في تقديم حبكة مشوقة، واتسمت لغته السردية بالبساطة مقارنة مع البنية المركبة، التي كانت عليها الرواية الأصلية، وحلت الصورة بغنى عناصرها السينوغرافية مكان الجملة في النص الروائي، ولا شك في أن لغة السينما تختلف عن لغة الأدب في آلياتها البنائية، ومن هنا سيكون الإقرار بأن عملية تحويل أي عمل روائي إلى فيلم سينمائي لن يكون نقلا حرفيا، فالسرد الأدبي تختلف تقنياته عن السرد البصري، خاصة أن الخيال في الأدب يبقى مفتوحا وغير قابل للتأطير، بينما يتحول الخيال في السينما إلى بنية صوريّة، بمقترحات واقعية تتمثل في شخوص وأمكنة.
حكاية الفيلم
رواية «الغريبة» تتحدث عن علاقة حب تنشأ بين مهندس مغربي يقيم في إيطاليا منذ ثلاثة عقود، وشابة مغربية مهاجرة لم يمض على وجودها سوى أشهر معدودة، تعيش وضعا مرتبكا بعد أن وقعت ضحية عمليات استغلال، فلم تتمكن من تسوية وجودها بشكل قانوني، فضاع حلمها بحياة أفضل في مهب الريح، وانتهى بها الحال إلى أن تصبح فتاة ليل تبيع جسدها لأجل أن تعيش. ما يجمع الشخصيتان صفة التمرد المبكر على البيئة الاجتماعية في بلدهما الأم المغرب، فقررا التنصل من الأعراف الاجتماعية والذهاب بعيدا إلى حيث ينتظرهما الحلم بحياة أخرى، إلاّ أن «أمينة» فشلت في العثور على الفردوس الأرضي وسقطت في جحيم الاستعباد الجنسي، بينما «نجيب» تمكن من أن يواصل رحلة تمرده وتحديه للقيود الاجتماعية، ونجح في تغيير نمط حياته، وأصبح في مركز اجتماعي مرموق.
رغم الملاحظات الصائبة للمؤلف توفيق على ما جرى من تغيير في سيناريو الفيلم، إلاَّ أن هذه التجربة تبقى علامة مهمة بالنسبة للأدب العربي على مستوى التسويق والانتشار، باعتبار الفيلم أفضل وسيلة جماهيرية لإيصال الرواية إلى مساحات أوسع من الاستقبال.
وتشاء الصدف أن يستأذنه زميله في العمل، ويطلب منه مفتاح الشقة التي يقيم فيها لكي يقضي وقتا من الزمن مع فتاة ليل، ولمّا يعود في ساعة متأخرة من الليل، يستأذنه صديقه بالمغادرة مسرعا لارتباطه بموعد مهم، ويترك أمينة معه، وقبل أن تغادر عائدة إلى مسكنها يدعوها لمرافقته إلى المطعم، الذي اعتاد أن يرتاده ليتناولا العشاء معا، وهنا يبدأ التعارف بينهما، وتنفتح أبواب الذاكرة المقفلة على تجاربهما الشخصية، التي كانت سببا في خروجهما من بلدهما، فتلتحم المشاعر والأحاسيس بينهما، كما لو أن كلا منهما قد عثر على الوطن الذي يبحث عنه في غربته، فالحب دائما ما يأتي في موعده، بدون سابق إنذار، مجتازا الفوارق والمسميات، لاغيا أي اعتبارات قد تفصل بين المحبين، فلم يعد نجيب يرى في «أمينة» مجرد فتاة ليل، بل وجد فيها المرأة التي تشعره بالاطمئنان، وارتفع موج المشاعر مع مرور الدقائق، وهما يتجاذبان الحديث في مطعم يرتاده علية القوم، وقد بدا عليهم علامات الاستهجان لوجود فتاة يعكس مظهرها رثاثة وضعها الاجتماعي، إلا أن نجيب لم يعر أهمية لما كان يدور حولهما من ردود أفعال، وبقي اهتمامه منصبا على المرأة التي تجلس أمامه، وبينما كل منهما كان يستذكر ماضيه البعيد في البلد الذي جاء منه، أخذت مشاعرهما تتعانق وتلتحم قبل أن يلتحما معا على السرير في ما بعد، إلاّ أن قصتهما لم يكتب لها أن تمضي في هذا المسار بعد أن يتم القبض على أمينة اثناء مطاردة الشرطة الايطالية لفتيات الليل، ويتم احتجازها في مركز كبير لإيواء وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فما كان من نجيب إلاَّ أن يبحث عنها في الأماكن التي عادة ما يسكنها المهاجرون المغاربة، وبعد أن يتأكد من وجودها في مركز تجميع المهاجرين، يحاول أن يخرجها بمعونة ضابطة الشرطة، التي سبق أن حققت معها، لكن جهوده تفضي إلى الفشل، فما كان منه إلا أن يحشر نفسه بين مجموعة مهاجرين مغاربة يتم القبض عليهم من قبل الشرطة في الحي الذي يتواجدون فيه على أمل أن يلتقي بها، لنصل في ختام الفيلم إلى ال، إلى ممارسة حريتها في الاستقلال الذاتي، كما في شخصية شقيقة نجيب، التي يلتقي بها بعد أن يعود لزيارة أهله، ولا تتردد شقيقته في إعلان تمردها ورفضها الخضوع لرغبة الأهل في تزويجها، كما يتناول الفيلم موضوع العنف والقسوة في أساليب التنشئة، من خلال ما واجهه نجيب أيام كان شابا يؤدي الخدمة العسكرية قبل أن يغادر المغرب.
في المجمل يقدم لنا الفيلم إلى جانب المتن الحكائي الرئيسي مجموعة حكايات وشخوص ثانوية نسجت تفاصيل البيئة الاجتماعية التي عاش فيها كل من نجيب وأمينة قبل أن يصلا إلى إيطاليا.
اعتراضات مؤلف الرواية على الفيلم
رغم أن شريط «الغريبة» كان على درجة عالية من الناحية الفنية، إلا أن يونس توفيق لم يكن راضيا عنه، لأن الفيلم انحرف كثيرا عن مبنى الرواية من قبل فريق كتابة السيناريو، الذي تكوَّن من مونيكا زابيللي وأندريا بوبوراتي، إضافة إلى المخرج ماركو توركو. فالبناء السردي للرواية، من وجهة نظر توفيق، لا يتفق مع الرؤية السينمائية في نقاط عديدة، مثلا مسار الأحداث في الرواية يصل إلى نهاية شاعرية رمزية، تنسجم تماما مع حقيقة الأوضاع التي يعيشها المهاجرون غير الشرعيين، خاصة بالنسبة لشخصية أمينة، بينما نهاية الفيلم كانت واقعية رومانسية انسجاما مع مزاج وتوقعات المتفرج، وجاء هذا الخيار الفني على حساب الإطاحة بخطاب الرواية. ويضيف توفيق في حديثنا معه بأن شخصية «أمينة»في الرواية بعد أن يبتعد عنها نجيب، تنجح في العثور على عمل شريف في مجزرة تعود لسيدة إيطالية تتعاطف معها وتدعمها، فتمضي حياتها هادئة ومستقرة لفترة ما، لكنها تصاب بمرض السرطان في رأسها، فتجرى لها عملية جراحية، وتحت الضغط النفسي بسبب العلاج، تهرب من المستشفى وهي تردد: «أريد أن أعود إلى داري» فتختفي عن الأنظار ولا أحد يعرف عنها أي معلومة، ويبدأ نجيب رحلته بحثا عنها إلى أن يعثر على المكان الذي كانت تعمل فيه، فتخبره السيدة الإيطالية بأن ليس لديها معرفة عن مكان تواجدها وأن أخبارها انقطعت عنها، وترجِّح بانها لربما ماتت.
وعند سؤالنا عن أبرز التغييرات التي لم يتفق معها، أشار يونس توفيق، إلى أن مجمل ما حصل من تغيير قد أحدث انحرافا في المبنى السردي للرواية، خاصة عندما تم استبدال علاقة التعاطف التي تجمع «أمينة» مع السيدة الإيطالية صاحبة المجزرة بعلاقة مع ضابطة شرطة (حامل) تتولى التحقيق مع أمينة بعد القبض عليها، وكان تبرير هذه العلاقة في السيناريو قائما على تضامن أنثوي، وربما الموقف الأكثر غرابة في هذه العلاقة عندما تبذل الضابطة جهدا لمساعدة نجيب حتى يعثرعليها متجاهلة القانون الذي ترعاه. والأهم من كل ذلك أن الشخصية الرئيسة في الرواية عراقي الجنسية، اضطر إلى مغادرة بلده في ظرف سياسي حرج وحساس كانت تعيشه البلاد، ولكن بسبب صعوبة التصوير في العراق أيام الحصار الدولي في تسعينيات القرن الماضي تم تغييره إلى مغربي.
رغم الملاحظات الصائبة للمؤلف توفيق على ما جرى من تغيير في سيناريو الفيلم، إلاَّ أن هذه التجربة تبقى علامة مهمة بالنسبة للأدب العربي على مستوى التسويق والانتشار، باعتبار الفيلم أفضل وسيلة جماهيرية لإيصال الرواية إلى مساحات أوسع من الاستقبال. كما أنها قد تفتح نافذة لتكرار مثل هذه الخطوة مع روايات عربية أخرى، وبدون شك ستضيف للمؤلف يونس توفيق خبرة عملية في ما يتعلق بأسرار العمل وراء الكاميرا وتقنيات السرد السينمائي، إضافة إلى أن هذه التجربة قد سجلت في تاريخ السينما الأوروبية أول فيلم سينمائي يستند إلى رواية لمؤلف عراقي، علما بأن النسخة العربية من الرواية بطبعتها الأولى ستصدر خلال الأشهر القريبة المقبلة من هذا العام 2020 .
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال