مثقف في عهد فيروس كورونا


يتوجس الناس عادة من لقب مثقف، خاصة إذا تبنى فكرا معينا، وينسجون قصصا عديدة لأشخاص حادوا عن الطريق الصحيح بسبب الكتب التي يقرؤونها والثقافة التي يحملونها، ولكن العديد أيضا حادوا عن الطريق القويم وهم ليسوا مثقفين ولا يقرؤون الكتب.. الكتب مثل كل شيء في الحياة، مختلفة ومتنوعة في مختلف الأصعدة، والشخص هو الذي يحدد ويقرر أي أنواع الكتب يتناولها، فهناك الكتب التوعوية والأسرية والدينية... الخ.
في المقابل، تجد كتبا تتحدث عن أفكار منحرفة عديدة، يبقى الوعي في القراءة وإعمال العقل في الثقافة التي بين يدي القارئ ضرورة ومسؤولية لمن يبيع الكتب وينشرها ومن يروج لها، فمثلا كتابان يتحدثان عن فيروس كورونا، كتاب يعرض حقائق علمية مبنية على دراسات وتجارب كتبت بيد علماء وأطباء مختصين، والآخر يتحدث عن وصفات عشبية ووسائل بدائية لمقاومة المرض كما أنه يذكر خزعبلات طرق بسيطة لمقاومة الفيروس، القارئ هو من يحدد أي الكتابين أصدق وأصح. بالتأكيد الكتاب المبني على دراسات ووسائل علمية بحتة هو من أتبنى أفكاره "كوجهة نظر".
في ظل فيروس كورونا الذي أثر على جميع مناحي الحياة وطبيعتها بقوة قد تستمر لسنوات عدة، هل سيؤثر على الكتب وطبيعتها، وهل سيترك أثره على المثقفين ويغير شكل الثقافة أيضاً
يأتي دور الأسرة في توجيه أبنائها منذ الصغر لنوعية من الكتب كجندي أول لمقاومة ثقافة الكتب "المنحرفة"، وإلا سيملأ القارئ الصغير نفسه بكتب من مختلف المجالات بغير وعي ولا مسؤولية، إذ إنه في عمر غض لا يدرك، ليس كل من يقرأ يستفيد، وليس كل قارئ واعياً. كتب أحدهم عن ابنة صديق له، يتباهى والدها بشدة نهمها في قراءة الروايات البوليسية، فطلب الرجل من الوالد إحضار ابنته، وسألها ماذا تستفيد من قراءة هذه الروايات، فبقيت صامتة، ثم سألها عن المعلومات التي تأتي بها وأيضاً كان الصمت حليفها، في النهاية قالت: أقرأها للتسلية وإمضاء الوقت، عندما نفكر في ملء وقت فراغ الأطفال علينا التفكير في القيمة إلى جانب التسلية، لأن شخصياتهم تكون في طور التشكل والتبلور، والكتب التي يقرؤونها سيصاحبهم محتواها طيلة حياتهم.
في بعض الأوقات قد ينقطع القارئ عن الكتب لانشغاله بعمل أو دراسة، وقد تكون استراحة محارب ليختار نوعاً من الكتب يتخصص به، أو لأخذ قسط من الراحة بين الفينة الأخرى، في النهاية على القارئ تحديد هدفه من القراءة ليستمتع بها أكثر ويصبر على جهد قراءتها، فمن الصعب وجود شخص مثقف في جميع مجالات الكتب، وعليه كذلك الموازنة بين الحياة الاجتماعية والكتب، فالكتب تعزلك عن من حولك وتحصرك في محتواها، تجد كثيرا من المثقفين يعانون صعوبة في التعامل مع الناس والصبر على تجارب الحياة، وإذا اعترضتهم مشكلة لا يجدون حلا، فبعض المثقفين ينأى بنفسه بعيدا عن المناسبات والواجبات الاجتماعية منعزلا في مكتبته، وإذا تعرض لموقف ما تجده أكثر تأثرا من غيره لرقة طبعه ومثالية أفكاره وإحساسه العالي عادة.
أخيرا يوجد نوع من الكتب أشبهه بالوجبات السريعة لها نفس أثرها، متعة عالية وضرر كبير، وهذه الكتب التي يكون هدف كاتبها وناشرها ربحا سريعا وعاليا بغض النظر عن محتواها، فليس المهم أن أقرأ، المهم ماذا أقرأ وكيف أقرأ.
في ظل فيروس كورونا الذي أثر على جميع مناحي الحياة وطبيعتها بقوة قد تستمر لسنوات عدة، هل سيؤثر على الكتب وطبيعتها، وهل سيترك أثره على المثقفين ويغير شكل الثقافة أيضا، في غضون الفترة المقبلة أعتقد أن فيروس كورونا سيكون حاضرا بقوة في المكتبات بين حقائق علمية وقصص وأيضا روايات، كتبت قصة مؤخرا لم يكن فيروس كورونا بعيدا عنها حيث تحدثت عن شكل الزفاف كيف أصبح في عهد كورونا حفلا بشروط صحية لم نعهدها قبلا، وقليل من "المعازيم" والصخب مستمدة من الواقع الأردني. باعتقادي، في معرض الكتاب المقبل سأجد كثيرا من الكتب بطلها كورونا.
إيناس عبد الفتاح - مدوّنة
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال