لثم الوجه ... ولا تكميم الأفواه

كثر الحديث في الأشهر الأخيرة، عن" الكمامة" إن كان ذلك في الخطاب الصحيّ أو السياسي أو الإعلاميّ أو الاقتصادي، وتداول الناس خبر"أزمة الكمامات" و"صفقة الكمامات المشبوهة" و"فضيحة الكمامات" و كمامات النواب والوزراء والمشاهير... وانتشرت صفحات الإشهار التي تروّج لنماذج جديدة من الكمائم التي تتلاءم مع بداية الرجوع إلى العمل والدراسة والترفيه والتي تختلف باختلاف السنّ والجندر والطبقة والمذهب والفقر وغيرها. ولكن لم تمسّك التونسيون بالكمامة بدل اللثام مع أنّ تاريخ إفريقية يشير إلى انتشار اللثام لدى قبائل صنهاجة الأمازيغية وتحوّله مع الدولة المرابطية إلى علامة سياسية ليصبح مع الموحّدين محرّما وموضوع هجاء سياسي إذ نعت الخصوم ب الملثّمين ؟
تشير كتب اللغة إلى أنّ الكِمَامَةُ هي في الأصل، ما يُجعَلُ على أَنف الحمار أَو البعير لئلاَّ يؤذيَه الذُّبابُ وهي أيضا ما يشدّ أو يكمّ به فم الحيوان منعا له من العضّ أو الأكل. ثمّ ارتبطت بعد ذلك ببعض القطاعات فصارت دالة على ما يَضَعُهُ العَامِلُ أَوِ الجُنْدِيُّ عَلَى وَجْهِهِ اتِّقَاءَ الغَازَاتِ السَّامَّةِ. ولكن لجذر" ك م م" معاني أخرى منها: كمَّمَ فمَ الحيوان: سدَّه، تَكَمَّمَ بِثِيابِهِ : تَغَطَّى بِها ، وكمّ فمه أسكته ومنعه من الكلام .
أمّا تعريف اللثام : لَثَّمَ وَجْهَهُ : شَدَّ عَلَيْهِ اللِّثَامَ بِوَضْعِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَمَا حَوْلَهُ لئلاّ يدخل الغُبارُ إلى مجرى التَّنفُّس، ولثم خدّه قبّله. وجرت العادة أن يستعمل البدو اللثام وخصوصا الرجال منهم لحجب وجوههم حماية من الحرارة والرياح العاتية والتراب وخوفا من عمليات الأخذ بالثأر. والملاحظ أنّ الرجل عند الطوارق، هو من يرتدي اللثام، أي التَاگُلْمُوسْتْ، الذي يعتبر رمزا للرجولة بينما لا تغطّي المرأة وجهها.
يحيل ميل الحكومة إلى ترسيخ استعمال لفظة الكمامة منذ الأسبوع الأول من تفشي الوباء إلى أهميّة اللغة في فرض السلطة وقوانين الضبط باعتبارها مؤسسة سلطوية بالضرورة. فلئن لمسنا تشويشا مع تسمية ما حلّ بنا :الكورونا، الكوفيد19، الوباء، الجائحة فإنّ الإجماع قد حصل على تداول لفظة "الكمامة". فهل يرجع هذا الاختيار إلى تضمنّه المعنى القسري والعنف : سدّ، كمّ...؟ وهو ما يتلاءم مع مصالح النخب السياسية التي تريد أن تبقى حقيقة صفقات الفساد ، مَكْمُومَةً، أي مَسْتُورَةً، وتلحّ على جعل ما يجري داخل البرلمان، وفي اللجان المغلقة، وفي كواليس الوزاررات مخفيّا...وهو أمر قد يتخذ بعدا أخطر بعد أن لاحظنا ممارسات لتكميم الأفواه والحدّ من حرية التعبير،وتزوير الحقائق. وفي هذا السياق نبّهت مفوضة الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان ميشيل باشليه، مؤخّرا إلى أنّ “الحكومات لا يجب أن تستخدم الصلاحيات الاستثنائية سلاحا لإسكات المعارضة والسيطرة على الشعوب أو حتى البقاء في السلطة” وأضافت باشليه أنّ حجم الانتهاكات بحق أشخاص ينتمون إلى الطبقات الفقيرة والمحرومة في المجتمع قد تضاعف " .ويرجع قلق الأمم المتحدة،إلى أن التدابير والقوانين المطبقة في بعض الدول، تشير إلى "خروقات غير محدّدة".
ونظرا إلى أنّ المواطنين لا يحبون الاستحمار فإنّهم يذكّرون من يُفترض أنّهم في خدمة الشعب، وأصحاب المبادرات والتسميات والإجراءات التي تضرّ بمصالح البلاد والعباد ممن يستغّلون هذا السياق الّذي حدّ من حريّة الحركة بأنّهم ليسوا حميرا لتسدّوا أفواههم، وأنّهم لن يتوانوا عن مقاومة كلّ أشكال الحيف والنهب والجري وراء الامتيازات على حساب قوت الناس ...ولسان حال هؤلاء: فقد تَكَمَّأَنا تَصَرُّفَاتكم، أي َكَرهَناها مثلما كرهنا عالم الغنيمة الذي أسستموه وسنعمل من داخل فضاءتنا الخاصّة على إماطة اللثام وكشف الحقائق.
لقد اخترنا لبس اللثام لصلته بتاريخنا وقيم الحرية والاستقلالية التي يرمز إليها ...اخترناه عن طواعية بعد أن طلعت ريحتكم وارتأينا لثم تراب الوطن والانطلاق في الفعل في الواقع من أجل تغييره. أمّا الكمامة فلا محلّ لها في بلاد تحرّر أصحابها من عقدة الخوف. ونذهب إلى أنّ اللبنانيين لن يكونوا الوحيدين الذين قرّروا استئناف النضال...الطبقات المسحوقة وآلاف المعطلين والمهمّشين والمنسيّين سيكون لهم ردّ على اتّساع الفجوة بين الطبقات، وانعدام العدالة الاجتماعية وتفشيّ الفساد...فماذا أعددتم ليوم يستيقظ فيه الملثّمون؟
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال