كيف سيغيّرنا التواصل الاجتماعي على الإنترنت خلال جائحة كوفيد-19؟


خلال الفترة الحالية التي نحتمي فيها داخل منازلنا، نقضي جميعاً وقتاً أطول في التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت. يعني هذا قضاء وقت أطول في التواصل الاجتماعي والاختلاط عن طريق المنشورات على مواقع فيسبوك وتويتر وريديت، والمنصات الأخرى المعتمدة على التواصل النصي. تشكل هذه المنصات بدقة الطريقة التي نتفاعل بها مع بعضنا. فما الذي سيفعله ذلك لعلاقاتنا ومهاراتنا الاجتماعية على المدى الطويل؟
بادئ ذي بدء، تقدم مواقع التواصل الاجتماعي أنواعاً محددة للغاية من ردود الفعل. يمكنك مشاهدة خيار "تعبيرات الإعجاب" والتعليقات (أو الردود على التعليقات)، ولكن لا توجد تعبيرات غير لفظية دقيقة تخبرك بما إذا كان شخص ما متشككاً قليلاً، أو فضولياً بدرجة ما، أو متحيراً. فلا يمكنك معرفة ما إذا كان شخص ماً يتفق معك أو يتابع حديثك (من خلال الهمهمة مثلاً بقول "إمممم"، أو الإيماء)، ويعني ذلك أنك غير قادر على صياغة تعليقات تناسب جمهورك. في واقع الأمر، يتسم الاتصال عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدرجة كبيرة بأنه يخلو من السياق، إذ إن معظم التعليقات تكون عامة، أي أنها غير موجهة إلى شخص محدد، مع الأخذ في الحسبان الطريقة التي يمكن أن يؤولها بها ذلك الشخص المحدد. وبدلاً من ذلك، فإنك لا تحصل على رد فعل إلا عندما تجبر عتبة الاستجابة العاطفية شخصاً ما على النشر.
يتلخص الشكلان الأصليان للتواصل الاجتماعي في "النشر في الفراغ" و"الترصد": وهما وجهان لفشل في الاتصال، يمهد لهما الطريق الافتقارُ للمعلومات بشأن من تتواصل معهم. تتنافس أفكار الناس ومعتقداتهم وقصصهم مع فيديوهات القطط، ومحتوى ويكيبيديا، والمعلومات الترفيهية المثيرة. أظهرت بحوث العلوم الاجتماعية أن تنشيط العواطف التي على شاكلة الغضب الأخلاقي يمكنه اختراق حالة اللامبالاة هذه للحصول على استجابات وإعادة نشر. على سبيل المثال، قدّرت دراسة للباحث ويليام برادي وزملائه أن كل "كلمة سياسية أخلاقية" في رسالة بمواقع التواصل الاجتماعي زادت احتمالية مشاركتها في الشبكة بحوالي 20%. كانت هذه زيادة محتملة كبيرة، عند مقارنتها مع نشر مجرد معلومات أخلاقية.
علاوة على أننا نتوق إلى الاهتمام. توصلت دراسة للباحثة ناتاليا بازاروفا وزملائها إلى أن الأشخاص كانوا أكثر ارتياحاً مع منشوراتهم الشخصية والعاطفية على فيسبوك عندما يحصلون على مزيد من الردود، مما يؤكد أننا نكون أكثر سعادة بتجاربنا على مواقع التواصل الاجتماعي عندما نحصل على استجابات. لذا فإن الحقيقة التي تشير إلى أننا نريد الاهتمام، والحقيقة التي تقول إن الغضب والعواطف الشديدة الأخرى تمثل طريقة موثوقة للحصول على هذا الاهتمام، سوف يؤدي بنا إلى حلقة مفرغة من ردود الفعل التي تشكل السلوك. ومع مرور الوقت، سوف يميل الأشخاص بصورة طبيعية إلى نشر آراء سياسية قوية تَلقى صدى لدى مجموعة أصدقائهم.
وعلى المدى الطويل، يمكن أن تتغير علاقاتنا بفعل هذه الفترة من الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، لأن العلاقات تحمل تاريخاً في طياتها. وتتشكل عبر الوقت، ويمكن أن تتأذى أو تُقطع بسبب الخلافات. يمكن للمنشورات العاطفية والسياسية المتكررة أن تبعد عنا أصدقاءنا ذوي المعتقدات المختلفة. ويمكن أن يتغير توهج أو خفوت الضوء الذي يرانا به هؤلاء الأصدقاء، ولن يكون هناك فرص كثيرة لتعزيز العلاقات أو إصلاحها عبر محادثات وجهاً لوجه عما فعلته خلال عطلة الأسبوع.
إضافة إلى أنه ليس هناك آليات جيدة للتخفيف من حدة رأي أحد الأصدقاء بطريقة لطيفة. ففي أي محادثة، يمكن لعبوس بسيط أو اتخاذ قرار بتغيير الموضوع أن يجعل شخصاً ما يعرف أنك لا تتفق معه كلياً بدون التعرض لذلك في موضوع أساسي. أما على الإنترنت، فليس هناك تعبير دقيق عن الرفض: فإما تنفتح على موضوع ما -ويُنظر إليه في الغالب على أنه موضوع غير ودي- أو تتجاهله، وهو ما يمكن أن يُفسّر على أنه موافقة ضمنية. بدون رد الفعل هذا، قد لا نكون مدركين بدقة بأن أصدقاءنا أو زملاءنا منزعجون بسبب منشوراتنا أو أنهم يبتعدون عنا. ولعل آراءهم التي يحملونها تقول إن منشوراً مختصراً مع تعبير تعاطف ليس إلا شيئاً بسيطاً للغاية، وإنهم حتى إذا كانوا ربما يتفقون مع جوهر الفكرة التي تعبر عنها، فإنهم في الوقت ذاته لا يريدون التوقيع على الانضمام إلى الموقف المتطرف الذي يحمله المنشور. وقد تتغير آراؤهم فيك كذلك، بدون أن تلاحظ. لم يقولوا شيئاً قط، لكنهم رويداً رويداً يبدأون في النظر إليك على أنك مصدر معلومات أكثر انحيازاً وأقل موثوقية. ويمكن أن يؤثر ذلك فيما إذا كانوا يثقون في رأيك حول الموضوعات الأخرى.
أما عن التداعيات الأكثر إثارة للقلق في هذا الشأن، فهو أن كامل شبكاتنا الاجتماعية -أي جميع الاتصالات والعلاقات التي لدينا مع الأشخاص الآخرين على شبكة الإنترنت- سوف تتغير بمرور الوقت وتنجذب نحو الأشخاص الأكثر اتفاقاً معنا. نبدأ في نشر موضوعات محادثة "عادية"، لكننا نجد أنها لا تحظى برد فعل من "أصدقائنا"، ننشر مقالاً أو مقالين سياسيين يحملان بيانات تحذيرية مكتوبة جيداً حول شأن ما، لكنها مع ذلك متأثرة قليلاً باليمين أو اليسار، فتحظى هذه المقالات بمشاركة جيدة من الأشخاص الذين يتفقون معها. ولما نشاهد مزيداً من المشاركة واستجابات إيجابية في الغالب تجاه هذا المحتوى، فننشر مزيداً من المحتوى السياسي، مع مزيد من التحيز. ويتحول المزيد من المشاركة الإيجابية إلى حلقة مفرغة من ردود الفعل، وينتهي بنا الحال فيها رويداً رويداً بأن نصير محفزين لنشر المحتوى الحزبي الجهوري الذي يدعم هويتنا الجديدة على الشبكة الإلكترونية. يبتعد عنا حينئذ الأصدقاء الذين يختلفون معنا بدرجة ما، بينما ينجذب إلينا الأصدقاء الجدد الأكثر حزبية منا ويشجعوننا. فهذه عملية تحدث بالفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، والاستخدام المكثف لهذه الشبكات عن طريق كثير من الأشخاص، يمكن أن يسرع هذا الاتجاه.
فما الذي سيحدث إذاً بعد 6 أشهر من التواصل الاجتماعي الكثيف على شبكة الإنترنت؟ سوف نصير جميعاً أكثر قبولاً لنشر محتوى سياسي متطرف، وسوف يصير أصدقاؤنا أقل اختلافاً فيما بينهم. وسوف نفقد الإحساس بمن لا يشعر بحماسة تجاه موضوع ما، أو بالأشخاص الذين يريدون موقفاً وسطياً منطقياً. وحينها ينسى مجتمعنا أكثر من ذلك بقليل طريقة العمل معاً. 
الموضوع مترجم عن مجلة Psychology Today الأمريكية
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال