الروائية وداد أبراهيم تقدم سردية تحقيق صحفي في رواية زوارق الأرض المنسية

الكتابة الجيدة ليست هي الكتابة الطريفة الخفيفة بل الكتابة الدقيقة الرصينة ، حتى لو كانت الثيمة مؤلمة ، نحن امام رواية تتحدث عن جرائم الارهاب في العراق، والجريمة في هذه المرة تحدث وضح النهار وبهذا الحجم لتكون موضوعا لرواية لا تحتاج ادانة التي لا يختلف عليها اثنان مهما امتلكوا من مبررات وحجج ، ومهما كان انتماؤه الديني او المذهبي ، بل تحتاج الى استيعاب انساني لهؤلاء الضحايا ! جريمة سبايكر عام 2014 التي راح ضحيتها 1700 انسان بريء من شباب العراق تبقى نقطة سوداء في تاريخ العراق ويتحمل مسؤوليتها الجميع! وقد تم تناول هذا الجريمة اخباريا واعلاميا بوسائل الاعلام لكن لأول مرة نرى رواية تتحدث عن هذه الجريمة.
رواية (زوارق الأرض المنسية) للروائية “وداد أبراهيم” الصادرة من دار أمل الجديدة – دمشق سنة 2018 والتي تقع في 121 صفحة وتحتوي على 12 مقطع استطاعت الكاتبة ان تقترب كثيرا من هذه المعاناة خلال تسليط الضوء على من تم انقاذهم من هذه المذبحة (57) جندي بواسطة امرأة شجاعة اكتسبت لقب (طوعة) الاسم من اعماق التاريخ ويذكرنا بمأساة الحسين وابن عمه المرسل للكوفة مسلم بن عقيل عندما تخلى عنه الجميع واحتضنته امرأة تدعى (طوعة) !
من دون نظارات
انصح من يقرأ هذه الرواية ان يرمي نظارته  الطبية بعيدا فهو لا يمكن ان يرتدي النظارات وعيونه تسيل منها الدموع! وكما هي الكاتبة التي لم تمسك دموعها وهي تسمع الحكاية من البطلة (علية خلف الجبوري) التي استطاعت ان تنقذ مجموعة تقدر بالعشرات من هؤلاء المغدورين وكانت تتمنى لو تمكنت من انقاذ الجميع ، تقول الروائية (وداد إبراهيم) “ولا أعرف لماذا كانت دموعي تسبق أي سؤال اسأله لها، وقفت معها لالتقاط صورة للذكرى من خلال كاميرة الهاتف فوجدت وجهي وقد تورم من البكاء على ما سردت لي من إحداث لا يمكن لأي عراقي ان يسمعها دون ان يبكي “ص 17
امرأة لكل العصور
الروائية تتحدث في بداية الرواية عن مصدر المعلومات التي حصلت عليها لكتابة الرواية ” حين شاهدتها من على شاشة التلفاز وهي تقف بثقة وقوة بين عشر نساء من العالم لتحصد جائزة أفضل امرأة لعام 2018 …أمرأة عراقية من نوع خاص، لا تشبه النساء..أمرأة غيرت موازين وأفكارا، غيرت شرائع ودستورا وضعته ثلة من الرجال من أجل أن يكون العراق على كف عفريت تنهشه الطائفية المقيته..فكانت لي معها حكاية من زمن عراقي صعب، وفي نهار عراقي صعب، قصة علية خلف الجبوري امرأة لكل العصور.”ص8 كما ان الروائية التقت بأحد الجنود الناجين من المذبحة (مهند)”قبل ان تنهي حكايتها طلبت منها ان اضع في الحكاية حديثا لأحد الناجين فأعطتني رقم هاتف الجندي مهند ليكون له دور كبير في احداث الرواية…والذي سرد لي الاحداث التي حدثت في بيتها كما سردتها بالضبط”ص18
*من هو سبايكر
قاعدة سبايكر، تنسب الى اسم الطيار الامريكي (سكوت سبايكر) الذي سقطت طيارته قبل اكثر من عشرين عاما في حرب الخليج الثانية، وهذه القاعدة العسكرية الامريكية تقع ضمن صحراء محافظة صلاح الدين، حاولت الكاتبة ان تنقل الجو المرعب سنة 2014 بعد سقوط الموصل بيد عصابات داعش وما رافقها من ارتباكات وفوضى وانعدام السيطرة”سواتر ترابية وصمت يلف المكان الموحش، ويبعث على الخوف والرعب، وكأن المشهد كله في انتظار ان يخرج من القاعدة وحش..جنود في فرقة الطوارئ والتي وصلت الى هذا المكان لتعمل ساترا حول قاعدة سبايكر بعد ان وردتهم معلومات عن دخول الدواعش الى مدينة صلاح الدين. يومان والفرقة في انتظار المجهول، الساعات القادمة هي الاصعب والاشد، ليل موحش ونهار اكثر وحشة”ص47 ، جنود هذه الفرقة هم من يتعرضون الى المذبحة على ايدي الدواعش.
*تغيير الاسلوب
نرى الكاتبة تقدم بتنويع السرد، فعندما تتكلم عن الجنود والقاعدة العسكرية يكون الاسلوب مخيف ويمهد للترقب والتوقع، بينما حينما تنتقل الى بيت (أم قصي) في ناحية العلم في الجهة الاخرى من النهر، فيكون الاسلوب والكلمات متدفقة تحمل الروح الوطنية والانسانية وحنان الام، خاصة وان ام قصي قد قتل الدواعش زوجها وابتها الكبير (قصي) “كلهم ولدي، روحي، وجمارة قلبي. ترتقي السلم بسرعة، ولم تكن ساقاها هما اللذان يرتقيان السلم بل روحها المعذبة، وكأنها تتسابق مع جراحاتها للوصول الى مصدر الصوت، تعيد حديث الروح (لن ادعهم يعيدون قتل ابني في مذبحهم الجديد… بينما هي وأولادها وزوجاتهم يسارعون في انتشال الجنود الفارين من المذبحة ، كان هناك صراخا لجنود يذبحون في الجانب الاخر من النهر “الجنود الفارون من قاعدة سبايكر كما العصافير التي تتساقط من أعشاشها لا تعرف كيف تهرب، يتسلقون يزحفون على ضفة النهر … الدواعش يجرونهم كما تجر المواشي وينحرونهم كما الشاة، صرخات وصيحات تأتي من الجانب الآخر لدجلة وتتعالى، أماه أن كان لنا في الحياة خير علينا ان ننقذ هؤلاء الأبرياء”ص 32 . احداث الرواية على الرغم من واقعيتها المؤلمة لكن الكاتبة استطاعت بخيالها ان تخلق بؤرة تنفذ من خلالها لتصوير كل الجوانب التي تمثل الشر، وكل المواقف التي تمثل الخير.
تحقيق صحفي يتحول الى رواية
تمسكت كثيرا الروائية “وداد أبراهيم” بتفاصيل القصة الحقيقية للسيدة (علية خلف الجبوري) بل اعتبرتها (حكاية مقدسة) لا تقبل التأويل والاضافة وحتى المعالجات الفنية الحديثة وما بعد الحداثة للسرد الروائي، فجاءت الرواية اشبه بالتحقيق الصحفي المعد بأسلوب أدبي جميل، لكن هل احتوت السردية على مواصفات الرواية والعناصر الواجب توفرها في الرواية هذا ما لا نعتقده.
ليس من السهل ان يتم تحويل تحقيق صحفي حتى لو كان استقصائيا الى رواية من دون أجراء مجموعة من التغييرات الفنية على الشخصيات واسلوب وتنوع وتعدد اساليب السرد وتفعيل الزمان وعدم تأطيره بمدة الحدث (17 يوما) والاهتمام بالوصف للمكان لأهميته بالرواية ، لقد اعترفت الروائية بإن الموضوع يستحق اكثر من النشر السريع، فقرار تحويل المادة من السهل الى الاصعب تحتاج الى اسلوب جديد في المعالجة الفنية، تقول الروائية (وداد أبراهيم) عن روايتها “زوارق الأرض المنسية” أن الأحداث لا تصلح لموضوع صحفي أضعه على الصحيفة ويقرأ لمرة واحدة، فقررت ان أكتب الاحداث التي سردتها هذه العراقية في رواية”ص17، هنا الرؤية الصحفية التي تلتزم بالامانة المهنية التي تستوجب (الكشف عن الحقيقة) هي التي تسيطر على رؤية الصحفي، اما رؤية الروائي فهي تتنوع فيها زوايا النظر فهناك (الرؤيا من الداخل والرؤية من الخارج) وهناك (الرؤية من الخلف والرؤية مع) ونحن نعتقد بإن الروائية استخدمت الرؤية من الخارج (والسارد وفق هذه الرؤية يعرف أقل مما تعرفه أية شخصية في الرواية) وبذلك انحصرت مهمة الروائية في وصف ما سمعته من الشخصية الرئيسة في الرواية (أم قصي) ، كان بودنا ان يكون عنصر الخيال موازي لعنصر الواقع في كتابة هذه الرواية، لقد اجهدت الروائية نفسها لأثبات ان كلما سمعته كان دقيقا ويمثل الحقيقة المطلقة وهي كما قلنا مهمة الصحفي، فالروائية عندما اتصلت بإحد الجنود الناجين من المذبحة، وهو يبدو اكثرهم صلابة ووعيا واسمه (مهند) كانت هذه فرصة ذهبية، ان تلتقي به الكاتبة ومن خلال الحوار المباشر  معه وليس الاتصال الهاتفي فقط ، كان يمكن ان تخلق منه شخصية روائية تغني السرد! لكنها تقول “سرد لي الاحداث التي حدثت في بيتها- تقصد بيت ام قصي- كما سردتها بالضبط”ص18 نحن لسنا بصدد البحث عن دقة الاحداث وواقعيتها، فالقصة نشرت بالصحف والاعلام والتلفزيون، واصبحت معروفة للجميع، وهنا يأتي دور الروائية لتقدم تلك القصة بقالب جديد، وعليها ان تتوقف امام شخصيات الرواية مثل (الاستاذ الجامعي الذي كان يصدر هويات مزورة تحمل اسماء اولاد ام قصي لكي يستخدمها الجنود عند خروجهم من محافظة صلاح الدين للوصول الى كركوك،وقد تعرض الى التصفية من قبل داعش ” انا شقيق الاستاذ الجامعي الذي انجز لك الهويات وقد قتل في بيته صباح اليوم وكان أمس قد طلب مني أن أحذرك لأن الدواعش يبحثون عنك بعد ان عرفوا منه تفاصيل الهويات التي أنجزها لك، أهربي الان”ص111 ، الا تستحق مثل هذه الشخصية ان يكون لها حصة في الرواية ؟  كذلك شخصية حمد الذي انقذ مجموعة من الجنود عند تهريبهم بزورق لعبور النهر مات هو وانقذهم، ولا يكفي فقط الاشارة اليه من قبل (جعفر) و(مهند) “جالسون في صف واحد، صمت لا كلام الا الحزن وصورة حمد تعود ماثلة امام الجميع فيحكي مهدي جعفر عن حمد وبطولاته وحكايته مع الموت وكيف كان يردد امامهم: انا اموت امامكم ، ولن أدع احد يقتلكم، ويستعيد مهند صوت حمد المثقل بالهموم وهو يقول لهم: انتم اخواني، اشقائي، اصدقائي، كيف لي أن أترككم، سأرافقكم مهما بلغ الشر ذروته ومهما كانت الطرق مغلقة”ص66 كما ان الرواية زمنيا لم تتجاوز 17 يوما وهي المدة التي مكث فيها الجنود في بيت (علية الجبوري) وكانت تستطيع  الروائية ان تستخدم الاسترجاع الزمني للشخصيات كما هي الاحداث حتى تتوقف على سبب احتلال الموصل من قبل داعش فالرواية التسجيلية لا يمكن ان تتوقف على (حادثة) من دون معرفة الاسباب!
*رواية شخصية
تصنف هذه الرواية على أنها تسجيلية ، لكن الاهتمام المطلق بشخصية البطلة تجعلها رواية شخصية، فأم قصي حينما تكون محور في جميع الاحداث ومع كل الشخصيات تصبح هي السارد الذي تختفي الروائية خلفها بالسرد “فسردت لي خلال ساعات أحداثا، وحكايات عن طفولتها عن يتمها وحياتها في بيت اخيها بعد ان فقدت الام والاب، ومشهد قتل ابنها وزوجها على يد الدواعش”ص17 واستخدمت الروائية عنصر التداعي والمنولوج الداخلي في الحوار مع النفس بعد ان كان حوارا بينها وبين البطلة ، فهي تعيد الصياغة في اكثر من مقطع حول ما يخص مقتل الاب ومن ثم الزوج والابن.
*الوصف في الرواية
الوصف في الرواية كان قليلا وغالبا ما يكون في بداية المشهد الجديد “صحراء قاحلة موحشة، ارض جرداء، وسماء ترسل رياحا حارة معبأة بالأتربة والغبار، عاصفة حارة وكأنها من موقد ناري قريب، تنبئ بان هناك من يوقد اكثر من نار”ص46 ، اما وصف الشخصيات فكانت الروائية موفقة في هذه الجزئية خاصة مع ام قصي”تلك السيدة التي لم تأت من حضن الراحة والدلال بل جاءت من رحم الحياة وقسوتها، أم لسبعة أولاد ..في الخمسين من عمرها طويلة القامة ووجهها يلوح دائما بأبتسامة اختفت خلف كوابيس الألم، حنطية اللون، ملامحها قوية توحي بأنها قد تصلبت وقويت بفعل الزمن”ص25
ما عملته السيدة (طوعة) هو بلا شك عمل بطولي يستحق تخليده برواية، وهي تعرض نفسها وعائلتها لخطر الموت من اجل انقاذ الاخرين تستحق التمجيد” وقفت السيارة خلف البيت فيما وقفت امام عائلتها كلها بما فيها بناتها وأبناء ولدها قصي وزوجات اولادها وكأنها تريد ان تلقي خطبة فيهم فقالت بصوت قوي وشديد :من يعتقد نفسه انه محب وشريف سيكون مع هؤلاء الجنود وكأنهم مع عوائلهم ومن لا يريد ان يرتقي العجلة برفقة هؤلاء فأنه بلا شرف بلا ضمير،لأن ما اريده هو ان اؤمن لهم الرحلة، والكل يعرف ان الرجل لوحده يكون محط انظار نقاط التفتيش ان كانت نقاطا وهمية او حقيقية، وما اريده ان تكون الرحلة موفقة حتى يصلوا الى كركوك”ص83
الخاتمة
الرواية قصيرة (112) صفحة ، بينما كان الموضوع  فيه تقميش لم تستغله الروائية احسن استغلال ، ومثل هذه الروايات يمكن ان تضاف اليها العديد من المحاور والخطوط  الدرامية تربط العام بالخاص لتكون الرواية وثيقة تاريخية لما جرى .
بغداد – حمدي العطار
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال