أمريكا وسيناريو الكساد العظيم

تكافح الولايات المتحدة في هذه الأيام من أجل تفادي شبح سيناريو مرعب يشبه صدمة “الكساد العظيم” في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، والذي استمر لنحو عقد من الزمان، وبلغت خسائر أمريكا وحدها حينئذ أكثر من 30 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم جداً في تلك الفترة يتجاوز ميزانيات عدة دول مجتمعة، ولأن المصائب لا تأتي فرادي، فقد أسهمت أزمة الثلاثينيات الميلادية في وصول أنظمة دكتاتورية إلى السلطة في بعض البلدان كالنازية في ألمانيا، وأغلقت أسواق كثيرة في وجه التجارة العالمية، وتوقفت حركة التبادل التجاري بين الدول، واتبعت بلداناً كثيرة سياسة الاكتفاء الذاتي كالنظامين الفاشي في إيطاليا، والنازي في ألمانيا.
ولمزيد من المقاربة بين أزمة 1929 وأزمة 2020، فإنه من اللافت أن العام الحالي هو الذي ستجرى فيه الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، حيث يحاول الرئيس دونالد ترامب الاستفادة من درس التاريخ وعدم تكرار أخطاء الرؤساء الجمهوريين السابقين، فقد ركزت حملة الانتخــابات الرئاسيـة لسنة 1932 على الأسباب والحلـول الممكنة للخروج من الكساد الكبير، وكان هربرت هوفر، الرئيس الأمريكي الجمهوري في ذلك الوقت سيء الحظ حيث حدثت كارثة الكساد الكبير بعد دخوله البيت الأبيض بحوالي ثمانية أشهر فقط، أما فرانكلين روزفلت المرشح الديموقراطي فقد هاجم الجمهوريين بشدة، وذكر أن هذه الكارثة حدثت بسبب سياسات الجمهوريين خلال العشرينات، وبعد أن أسفرت الانتخابات عن فوز ساحق لروزفلت الديموقراطي على هربرت هوفر الجمهوري، استعدت الولايات المتحدة للدخول في مرحلة جديدة من التغيير السياسي والاقتصادي.
هناك فارق كبير بين مصطلحي الركود والكساد، إذ يشير الركود إلى تعرض دولة ما إلى انكماش ناتجها المحلي الإجمالي لمدة ربعين متتاليين من النمو السلبي، ومنذ منتصف خمسينيات القرن العشرين مرت الولايات المتحدة بـ32 فترة ركود، بينما يشير الكساد إلى فترة طويلة من الركود الاقتصادي الحاد قد تصل إلى ثلاث أو أربع سنوات، حيث ينخفض خلاله الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من 10%، ومن اللطيف أن هذين المصطلحين كانا عنواناً بارزاً لمبارزة كلامية جرت خلال الانتخابات الأمريكية عام 1980، حينما وصف رونالد ريجان الانكماش الاقتصادي الذي عانت منه الولايات المتحدة في ذلك الوقت بأنه كساد، ليهاجمه منافسه الجالس في البيت الأبيض جيمي كارتر بسبب الاستخدام غير الدقيق، على حد وصفه، للمصطلح، ليرد عليه ريجان وقتها بسخرية قائلاً: “حسناً إذا كان ما يريده كارتر هو التعريف الدقيق للمصطلح، سأعطيه واحداً: الركود هو عندما يفقد جارك وظيفته أما الكساد فهو عندما تفقد أنت وظيفتك، بينما الانتعاش هو عندما يفقد كارتر وظيفته”.
رغم أنه أصبح من المؤكد دخول أكبر اقتصاد عالمي حالة من الركود هذا العام، إلا أن إجراءات البنك المركزي الأمريكي الأخيرة ربما تساعد في تجنب الضرر على المدى الطويل وتسريع العودة لقطار التعافي الاقتصادي، إذ يكمن الهدف المباشر للاحتياطي الفيدرالي في الحفاظ على تدفق الائتمان إلى الاقتصاد الحقيقي من خلال شراء كميات غير محدودة من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وإدخال تسهيلات جديدة وهائلة للتعامل مع هذه الصدمة الاقتصادية الفريدة بهدف تحقيق الاستقرار المالي.
من أجل توجيه دعم أكثر للقطاعات المهمة المتضررة جراء أزمة الإغلاق والتعطل بفعل مخاوف الفيروس القاتل، يعتزم الاحتياطي الفيدرالي تدشين أدوات جديدة ذات أغراض خاصة، والتي ستقدم قروضاً متوسطة الآجل موجهة إلى الشركات بشكل مباشر، مع شراء سندات الشركات عالية الجودة الحالية في الأسواق الثانوية، وتقديم قروض مقابل الأوراق المالية المدعومة بالأصول التي يحتفظ بها مجموعة من المستثمرين أوسع نطاقاً من البنوك والتجار السماسرة.
بشكل عام، فإن هذه البرامج التحفيزية جنباً إلى جنب مع الدعم المباشر الإضافي المتوقع من قبل الحكومة الفيدرالية في هيئة مدفوعات للأسر وائتمان للشركات صغيرة الحجم وعمليات إنقاذ مباشرة للصناعات التي تضررت بشكل خاص من عمليات إغلاق الأعمال ستقطع شوطاً طويلاً في مساعدة مجموعة واسعة من الأسواق والشركات الأمريكية التي بلغ إجمالي ديونها 6.6 تريليون دولار بنهاية عام 2019.
في المجمل، لا يمكن أن تكون هذه البرامج التحفيزية حلا سحرياً لمنع الركود الاقتصادي، إذ يعاني الاقتصاد الأمريكي حالياً من ثلاث صدمات اقتصادية، الأولى تعطل التجارة العالمية، والثانية إغلاق المصانع وتعرقل أنشطة الأعمال المحلية، والثالثة اضطرابات الإقراض المصرفية نتيجة ضغوط الأسواق المالية الشديدة، وهذه الصدمات مجتمعة ستسهم في حدوث انكماش كبير في الاقتصاد الأمريكي خلال الربع الثاني.
يتوقع أن تساعد السياسات الاقتصادية الأمريكية الراهنة على تجنب الوقوع في حالة من الكساد، فمن خلال تزويد الأسر والشركات بالتمويل اللازم لسد الخلل، يمكن أن يعود الاقتصاد الأمريكي إلى طبيعته بشكل أسرع بعد انحسار فيروس كورونا المستجد، كما يمكن تجنب الضرر الاقتصادي طويل المدى الذي قد ينجم عنه موجة من حالات الإفلاس وارتفاع فاحش في أعداد العاطلين عن العمل وهو ما يترجم في صورة أسوأ بيانات للبطالة في التاريخ، عبر فقدان حوالي 47 مليون وظيفة بحلول الربع الثاني، أي بمعدل بطالة يصل إلى 32.1 بالمائة، وستصل الوظائف المفقودة في العام بأكمله إلى 52.8 مليون وظيفة، بالرغم من أن الاقتصاد الأمريكي كان قد وصل بنهاية 2019 إلى حالة التوظيف الكامل.
د. خالد رمضان عبد اللطيف - كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال