الاستبداد بين المجد والتمجد

يُعد هذا فصلا عجيبا تميّز به عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد.."، وهو يُشَرح بنيته، ويتحدث عن أهم بنيات وأدوات تمكينه ودعمه وترسيخه. إنه الفصل الذي شرع يتحدث فيه عن المجد الحقيقي الذي ترتقي به الأمم والتمجد الزائف الذي يرتكن إليه المستبدّون، ويسعى إليه المتمجدون. ومن جملة مخازي الاستبداد وآثاره العفنة أن للاستبداد أفدح الآثار سوءا في كل حال من أحوال الاجتماع، وفي كل مجال من مجالات حركة الإنسان، وأخطرها على الإطلاق عملية الإفساد المتعمّد على الحال العقلية والأحوال الذهنية والفكرية والقيمية، وعلى عالم المفاهيم الرافعة الدافعة، مثل مفهوم المجد، المقترن بالفاعلية والترقي، فإذ ينقلب، في حال الاستبداد، بما يقوم به من عمليات اغتصاب مبرمجة وممنهجة، وعمليات انقلاب منظمة ضمن منظومة متدنية من الإحلال والاستبدال "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير". ومن جملة ما أشار إليه الكواكبي ذلك إحلال معاني التمجد الزائف بالمجد الحقيقي الفاضل؛ "من الحِكَم البالغة للمتأخرين قولهم: "الاستبداد أصلٌ لكلِّ داء"، ومبنى ذلك أنَّ الباحث المدقق في أحوال البشر وطبائع الاجتماع كشف أنَّ للاستبداد أثراً سيئاً في كلِّ واد، وقد سبق أنَّ الاستبداد يضغط على العقل فيفسده، وإني الآن أبحث في أنَّه كيف يُغالب الاستبداد المجد فيفسده، ويقيم مقامه التمجُّد. 
وأصل المجد الحقيقي كمطلب فطري طبيعي مقترنا بمعنى الكرامة الإنسانية وعزّتها وترقّيها في نهوضها وفعاليتها، حتى أن الطلب عليه قد يزاحم غريزة البقاء والحياة ذاتها، وكأن الطلب ليس لأي حياة، ولكنه طلب مخصوص لحياة مخصوصة مقصودة، تتعلق بنوعية الحياة ومقصودها في العيش الكريم والوجود العزيز، لا يشوبه علامة ذل أو استعباد "المجد هو إحراز المرء مقام حبٍّ واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف لكلِّ إنسان، لا يترفَّع عنه نبيٌّ أو زاهد، ولا ينحطُّ عنه دنيٌّ أو خامل. للمجد لذَّةٌ روحية تقارب لذَّة العبادة عند الفانين في الله تعالى،.. ولذا؛ يزاحم المجد في النفوس منزلة الحياة".
المتمجّدون أعداء للعدل أنصاراً للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة
وقد أشكَلَ على بعض الباحثين أيّ الحرصين أقوى؟ حرص الحياة أم حرص المجد؟ والحقيقة التي عوَّل عليها المتأخِّرون، ومُيَّزوا به، أنَّ المجد مفضَّل على الحياة عند الملوك والقُوَّاد وظيفةً، وعند النُّجباء والأحرار حميّةً، وأن هؤلاء معذورون في إلقاء أنفسهم في المهالك؛.. فحميّتهم جعلتهم يفضِّلون الموت كراماً على حياة ذل. المجد لا يُنال إلا بنوعٍ من البذل في سبيل الجماعة، وبتعبير الشرقيين في سبيل الله أو سبيل الدّين، وبتعبير الغربيين في سبيل المدنية أو سبيل الإنسانية، وهذا البذل إما بذل مال للنفع العام ويسمى مجد الكرم؛ وهو أضعف المجد، أو بذل العلم النّافع المفيد للجماعة؛ ويسمّى مجد الفضيلة، أو بذل النّفس بالتعرُّض للمشاقّ والأخطار في سبيل نصرة الحقِّ وحفظ النِّظام؛ ويُسمى مجد النّبالة، وهذا أعلى المجد؛ وهو المراد عند الإطلاق، وهو المجد الذي تتوق إليه النفوس الكبيرة، وتحنُّ إليه أعناق النبلاء. وكم له من عشاق تلذُّ لهم في حبه المصاعب والمخاطرات، وقيل لأحد الأباة: ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك؛ فقال: ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين؛.. والحاصل أنَّ المجد هو المجدُ محبَّبٌ للنفوس، لا تفتأ تسعى وراءه وترقى مراقيه، وهو ميسَّرٌ في عهد العدل لكلِّ إنسان على حسب استعداده وهمَّته، وينحصر تحصيله في زمن الاستبداد بمقاومة الظّلم على حسب الإمكان". إن خلق المجد وما يمثله من منظومة قيم إنما يشكل حالة رافعة دافعة راقية، تشكل عنوانا للفاعلية المرجوة في الدفاع عن الحق والكرامة والعدل، ومواجهة كل صنوف الاستعباد والذل والاستبداد والظلم.
إذا كان هذا هو المجد الذي يشكل حالة راقية في مجتمع العدل وإقامته، ومجتمع الظلم ومقاومته، فماذا عن التمجد الذي يشكل حالة مناقضة تسرق معاني المجد الشريفة، وتغتصب أخلاقه القويمة من خلال فعل الاستبداد والمستبدين وصناعة شبكة المتمجدين؛ ليعلن الكواكبي عن نحت لغوي مهم يعبر به عن حالة الزيف والتزييف لخلق المجد الأصيل، ليحل محله عمل التمجد الدخيل، "التمجد خاص بالإدارات المستبدَّة، وهو القربى من المستبدِّ بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالملقَّبين بنحو دوق وبارون، والمخاطبين بنحو ربِّ العزة وربّ الصولة، أو الموسومين بالنياشين، أو المطوَّقين بالحمائل، وبتعريفٍ آخر، التمجُّد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدِّ ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية؛.. وبوصفٍ أجلى: هو أن يتقلّد الرّجل سيفاً من قِبَل الجبارين يبرهن به على أنَّه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلِّق على صدره وساماً مشعراً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان، أو يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنّه صار مخنَّثاً أقرب إلى النساء منه إلى الرجال، وبعبارة أوضح وأخصر، هو أن يصير الإنسان مستبداً صغيراً في كنف المستبدِّ الأعظم".. يتعلق الأمر هنا بميزان التفاضل العدل والمعتدل والقيام على نقض أسسه ومعاييره من كفاءة وجدارة واستحقاق، كما هو في الأمم الحرّة المحكومة بالعدل والحرية إلى حال من التفاضل الزائف في خدمة الاستبداد والمستبدّين، فالتمجد جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها قيمة المساواة الإنسانية، أو هو سيف الجبارين، وجلاد في دولة الاستبداد والمستبد؛ إنه المستبد الصغير الحقير في كنف المستبد الأعظم الكبير.
التمجد جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها قيمة المساواة الإنسانية
المتمجدون مخادعون تابعون، ذيول أذلاء للمستبدين، فهم في الصورة الزائفة كبراء، ولكنهم في الحقيقة أذلاء حقراء، يصنعون صورة للمستبد على خلاف حاله الحقيقي، ويروّجون ذلك ما استطاعوا "المتمجِّدون يريدون أن يخدعوا العامة، وما يخدعون غير نسائهم اللاتي يتفحفحن بين عجائز الحي بأنهم كبار العقول؛ كبار النفوس؛ أحرار في شؤونهم، لا يُزاح لهم نقاب، ولا تُصفع منهم رقاب، فيحوجهم هذا المظهر الكاذب لتحمُّل الإساءات والإهانات التي تقع عليهم من قِبَل المستبدّ، بل تحوجهم للحرص على كتمها، بل على إظهار عكسها، بل على مقاومة من يدّعي خلافها، بل على تغليط أفكار النّاس في حقِّ المستبدِّ، وإبعادهم عن اعتقاد أنَّ من شأنه الظلم"، هم في حقيقة الأمر أبواقه الكاذبة، وحملة مباخره الخادعة، يقلبون الحق باطلا والباطل حقا، يبرّرون ظلمه فيجعلونه عدلا وحزما، وهم شبكة المستبد وبنيته التحتية التي يستند إليها، ويعتمد عليها، يسوّغون كل سياساته الظالمة الباطشة وعدوانه واعتداءه الفاجر، ويجعلون من إسرافه خدمة للوطن وحفاظا على هيبة السلطة، ويصنع هو وزبانيته أعداء متوهمين وأشرارا متربصين، ويجعلون من أحلامه ورغباته أوامر، ومن أهوائه ونزواته عين الحكمة والرشاد ومقتضى السياسة والكياسة والسداد".
وهكذا يكون المتمجّدون أعداء للعدل أنصاراً للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة، وهذا ما يقصده المستبدُّ من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغرِّر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها، فيسوقها مثلاً لحرب اقتضاها محض التجبُّر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنَّه يريد نصرة الدين، أو يُسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها، أو يتصرَّف في حقوق المملكة والأمة كما يشاء هواه باسم أنَّ ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة".
من هذا التمييز العبقري بين المجد والتمجد، بين الأصيل والزائف، بين المجتمعات والحكومات الحرّة والإدارات المستبدة، كان هذا مدخل الكواكبي إلى عدّ صنوف المتمجدين، وشبكاتهم وأدوارهم في مجتمع الاستبداد.
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال