أفلام.. "صراع الأبطال" و"اليوم السادس".. الأوبئة في السينما المصرية

حاصر فيروس كورونا العالم ويقيد الحركة في الكثير من الدول، وبدأت الحكومات والشعوب تبحث عن سيناريو محتمل للحياة خلال انتشار الوباء، هذا السيناريو نتابعه عادة في الروايات والأعمال الأدبية والفنية التي نقلت لنا قصصا شبيهة بما نعيشه اليوم، والأمثلة كثيرة إذا ما بحثنا في السينما العالمية، ولكنها شحيحة جدا على مستوى السينما العربية عامة والمصرية خصوصا، التي يبرز طوال تاريخها فيلمان وحيدان يتعرضان بشكل رئيسي للحياة خلال وجود وباء يفتك بحياة البشر. 
حيث نجد فيلمي صراع الأبطال في عام 1962 واليوم السادس في عام 1986، يتناولان حكايتين حول وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر في إحدى موجاته في عام 1947، وهو وباء اجتاح القاهرة والريف في الوقت نفسه، أثناء فترة الاحتلال البريطاني، ومات بسببه الآلاف. 
صراع الأبطال
الفيلم الذي عرض عام 1962، ويمثل إحدى أولى التجارب للمخرج المصري الموهوب توفيق صالح، ومن بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد، وتدور الحكاية حول طبيب شاب يدعى "شكري" يذهب لإحدى قرى مصر في نهاية الأربعينيات، حيث يصدم بموت مفاجئ لحالات متكررة من أهل القرية، ليتشكك فيها ويربطها بأكل الفقراء من أهل القرية لقمامة معسكر الجنود البريطانيين، ليتم تشخيص سبب الموت في النهاية على أنه وباء "الكوليرا". 
يمزج الفيلم في سرديته بين مجتمع إقطاعي يتحكم فيه الأغنياء بمصير الفقراء ويدفعهم حرفيا للأكل من القمامة، وبين وباء لا يرحم يجتاح مجتمعا فقيرا غير مجهز، لتكون النتيجة رفض من هذا المجتمع للاعتراف بالوباء، ثم تبدأ مرحلة حصد الأرواح ليحاول أهل القرية الهرب دون تفكير في عاقبة ذلك وأنهم سينشرون الموت في كل مكان سيذهبون إليه، وأخيرا تأتي المصيبة التي لا حل لها سوى بتكاتف الجميع، بدءاً من الأطباء مروراً بالأهالي وقوات الأمن، بيد أن الحل يأتي عادة متأخراً جداً وبعد وفاة الكثيرين. 
تظهر في الفيلم وبشكل واضح ملامح المرجعية اليسارية للمخرج توفيق صالح، حيث ينتهي الفيلم بالتأكيد أن الوباء الأول هو الفقر، وهو التربة الخصبة لكل الأوبئة الأخرى، كما يظهر أيضا النمط الواقعي لسينما توفيق صالح حيث التصوير في مواقع حقيقية خارج الإستوديوهات.  
اليوم السادس
ربما يكون فيلم "اليوم السادس" هو أشهر وأبرز الأفلام المصرية التي تحدثت عن الأوبئة، الفيلم من إنتاج عام 1986 للمخرج المصري الشهير يوسف شاهين عن رواية حملت الاسم نفسه للكاتبة والشاعرة أندريه شديد. 
الفيلم الذي قام ببطولته محسن محيي الدين في آخر تعاون له مع شاهين، إلى جانب المغنية العالمية داليدا، وتدور أحداثه عن وباء الكوليرا أيضا، لكن هذه المرة في إحدى أحياء مدينة القاهرة، حيث لاعب خفة يدعى "عوكة" يقع في حب امرأة فقدت كل أسرتها بسبب الوباء، ولم يبق إلا ابنها الذي تفصله ستة أيام عن الموت. 
هنا يقدم شاهين رؤية تختلط فيها الضحكات بالدموع عن مدينة على حافة الموت، موت يسكن في ملابس ضحايا الكوليرا، ثم ينتقل لكل من يرتديها عقب ذلك، هذه التفصيلة بشكل خاص تتوافق مع الأدلة التاريخية التي تتحدث عن وباء الكوليرا في مصر، حيث أهمل الناس التخلص من ملابس وأدوات الضحايا، وهو ما أدى لانتشار المرض بشكل أكثر شراسة. 
في "اليوم السادس" يصحبنا شاهين في رحلة يظن روادها أنهم سيجدون العلاج في الرحيل عن القاهرة المزدحمة والموبوءة إلى مدينة الإسكندرية على شاطئ البحر المتوسط، هنا يحاول الأبطال الهرب من موت أرواحهم بالقدر نفسه من محاولتهم الهرب من الموت الجسدي. 
يستخدم "شاهين" الألوان والظلال طوال أحداث الفيلم لسرد حكايته، فالحي القاهري الموبوء يظهر دائما بألوان داكنة وبالكثير من الظلال، في حين تظهر الرحلة النيلية إلى الإسكندرية مضيئة وبألوان ساطعة، وينتهي الفيلم بانتصار الوباء على الطفل وعلى قصة الحب الوليدة، لكن يبقى الأمل في تخطي مرارة الفراق. 
المثير للتأمل أن الفيلمين يتفقان في عنصر واحد، حيث يرجع يوسف شاهين وتوفيق صالح سبب تفشي الوباء إلى الفقر، الفقر هو ما يدفع الناس لإهمال صحتهم، وهو ما يدفع الناس لإنكار وجود الوباء، والفقر هو ما يؤدي لانتشار الوباء حتى يحصد أرواح الجميع.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال