لا عزاء للسيدات إلا بقانون مدني للأحوال الشخصية

أنا من ضمن الذين واللواتي يعتقدون أنّ تعديل قوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية، التي لم تُعدَّل فيها بعد هذه القوانين، هو شرط أساسي لانعتاق المرأة العربية من التشريعات وبالتالي الأفكار، التي تتعامل معها ككائن دوني وقاصر، والتي تتسبّب بتسميم العلاقة بينها وبين شريك حياتها، وباهتزاز علاقتهما معًا بأولادهما، وأنّ الجهود النسوية يفترض أن تنصبَّ على تعديل هذه القوانين وترهينها، وجعلها تتواءم مع التغيّرات الحاصلة على أرض الواقع، والأمثل استبدالها بقوانين أحوال شخصية مدنية قابلة للتعديل والتطوير، وخارج الجدل الفقهي، وهذا المطلب يتقدم حاليًا ولحسن الحظ سائر برامج المجموعات الثورية في لبنان، علمًا أنّ تحقيقه دونه مصاعب وسدود، ويحتاج إلى ميزان قوى تشريعي مختلف ولكن يكفي أن يحتلّ مطلب هذا القانون مساحة في الخطاب التغييري السائد حاليًا.
إنّ قانون الأحوال الشخصية هو مجموعة القواعد القانونية التي تُنظّم علاقة الأفراد فيما بينهم من حيث صلة النسب والزواج، وما ينشأ عنه من مصاهرة وولادة وولاية وحضانة وحقوق
وواجبات متبادلة، وما قد يعتريها من انحلال تترتب عنه حقوق في النفقة والحضانة والإرث والوصية.
تتّسم قوانين الأحوال الشخصية بأهمية كبرى كونها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفرد، إذ تتلازم وعضويته في الأسرة ثم في المجتمع، وتُميّزه عن سواه، اسمًا ونسبًا، قاصرًا أم راشدًا، عازبًا أم متزوجًا أم مطلقًا أم أرملاً، محدّدةً له دينًا أو مذهبًا... إلى غير ذلك من الحالات الطبيعية المتصلة به، والتي تجعلها تواكب الإنسان في كل محطات حياته وتلعب دورًا حاسمًا في صياغة حياته الخاصة التي لا تلبث أن تنعكس على حياته العامة.
إنّ الغاية من وضع قوانين للأحوال الشخصية هي تنظيم الحياة الأسرية، والأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع البشري، وفيها يتحدّد إطار حياة البشر الدائم، ونوعيتها.
إنّ التناقضات التي تحفّ بقوانين الأحوال الشخصية، والمآسي التي تنجم عنها، والتي لا تخفى على أحد، تُحوّل حياة الكثير من الأسر والأفراد إلى جحيم ومأساة يومية، كما أنّ الإشكاليات السياسية والاجتماعية التي تطرحها هذه القوانين والتي تجعلها عائقًا أمام الاندماج الوطني، وبناء المواطنية الحقة، تستحق اهتمامًا مجتمعيًا إضافيًا.
حين باشرتُ بتدبيج هذه المقالة الداعية إلى المطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية، وجدتُ نفسي على تماس مع مفاهيم علمية، وفكرية، وحقوقية، وأخلاقية، يوحي بها الواقع الموضوعي ومنظومة المفاهيم التي أقرّها الضمير العالمي، والتي تمثّلت بشرعة حقوق الإنسان سواء بسواء.
وازدحمت المفاهيم والمقولات التي تسوغ المطالبة بقانون بديل لقوانين الأحوال الشخصية أمام عيني وتراوحت بين مفهوم الكرامة الإنسانية، ومفهوم العدالة العائلية والقانونية والقضائية ومفهوم القوانين المدنية والدولة الحديثة، وإلى كون التشريع مهمة سيادية، فتداخلت عدة حقول إنسانية ومفاهيمية، لتجعل من مطلب قانون أحوال شخصية مدني مطلبًا تغييريًا، حقوقيًا وأخلاقيًا، وتنمويًا بالمعنى النفسي العقلي، بامتياز.
1- مفهوم الكرامة الإنسانية:
لأنّ مفهوم «الكرامة الإنسانية» يقوم على الاعتقاد بأنّ من حق الفرد أن يكون له قيمة وأن يُحترم لذاته، وأن يكون غايةً بحدّ ذاته، وليس وسيلةً لغايات تتخطاه، أكانت سياسية، أو دينية، أو اجتماعية ثقافية، أو اقتصادية طبقية، ومن ينتهك حقوق الإنسان يرمي إلى استخدام أشخاص آخرين كوسائل، لا بوصفهم كائنات عاقلة حرة، يجب أن تُقدَّر دائمًا كغايات، وفي وضعية قوانين الأحوال الشخصية الدينية، يتمّ التعامل مع النساء والرجال كوسائل لا كغايات.
ومن المسلَّم به أنّ القوانين تشيخ ثمّ تهرم، لذلك نرى أنّ الدول والمجتمعات المتقدمة حضاريًا والواعية مصالحَ شعوبها ومواطنيها، قد درجت على اعتماد مبدأ تحديث قوانينها، إما بواسطة إدخال تعديلات عليها، أو بواسطة وضع قوانين جديدة تحلّ محلّها دونما الاكتراث للمضامين والاعتبارات الدينية.
2- العدالة العائلية شرط التوازن والسعادة:
إنّ العدالة العائلية والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات الشرط الأولي لإقامة علاقات سوية بين الزوجين ولخلق جو أسري سليم، فلا يجوز لأي قانون أن يؤسّس للتمييز بين الزوجين.
إنّ مبدأ العدالة ينبثق من صفتنا البشرية والإنسانية أولاً، ولذلك كان لا بد من إقرار المساواة بين الرجل والمرأة، وإلا أنكرنا على أحدهما أو على كليهما صفة إنسان، وهذا التساوي مكرَّس في معظم الدساتير العربية كما في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء أكثر تحديدًا، ونص في المادة 16 منه على المساواة الصريحة بين الرجل والمرأة في إطار الزواج بالقول: «للرجل والمرأة متى أدركا سنّ البلوغ حق التزوّج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين وهما يتساويان في الحقوق لدى التزوّج وخلال قيام الزواج ولدى إنحلاله».
إنّ وظيفة قوانين الأحوال الشخصية هي تنظيم قضايا الأسرة التي هي الخلية الأساسية في المجتمع، وأهمّ جماعاته الأولية، المكلّفة واجب استقرار وتطور المجتمع، وهي تحتاج كبنية مجتمعية، إلى المشاركة والمساواة والاعتراف المتبادل بين أعضائها، والتعاون، لكي تتمكن من الاضطلاع بدورها، ولكن قوانين الأحوال الشخصية اللبنانية عاجزة بصيغتها الحالية عن القيام بهذا الدور.
إنّها تسير عكس مصلحة الأسرة، متسبّبةً بالشعور بالظلم، واللاعدالة، ما لم تؤدِّ إلى التنافر بين أفراد الأسرة الواحدة.
3- العدالة القانونية:
إنّ العدالة القانونية التي تقوم على مساواة كل المواطنين أمام القانون هي أساس كل المنظومة القانونية التي تقوم عليها شرعة حقوق الإنسان، وهي تصدّرت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أنّ الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، فالمساواة هي أساس الشرعية القانونية، وكرّس الإعلان العالمي مبدأ المساواة أمام القانون في المادة السابعة منه التي تنص على أنّ «كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتّع بحماية متكافئة منه دون أي تفرقة».
4- العدالة القضائية:
وجود محاكم دينية مذهبية للتقاضي، يتنافى مع مبدأ استقلال القضاء، الذي يقوم على تحييد السلطة القضائية عن أي اعتبارات سياسية، أو دينية، أو ثقافية، لأنّ لجميع المواطنين الحق بالحماية القانونية دون تمييز، وفق ما نصت عليه المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأكدت عليه المادة الثامنة منه بإشارتها إلى أنّ «الجميع لهم الحق بالانتصاف من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها الدستور أو القانون».
وفي إطار الميثاق الخاص باستقلالية السلطة القضائية الذي اعتمدته الأمم المتحدة عام 1985 تتبلور مبادئ المحاكمة العادلة للجميع ومن بينها خاصة:
- حياد السلطة القضائية، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو دينية.
- ضمانة حق السلطة القضائية بحرية التعبير والاجتهاد.
5- مفهوم الدولة الحديثة:
إنّ الدولة الحديثة تقوم على حقوق المواطنين الفردية وحاجاتهم لا على الحقوق الذاتية الجماعاتية المتخيّلة للجماعات وحاجاتها الافتراضية، وهذه الحقوق الفردية المتساوية التي تقابلها واجبات متساوية تؤسس لمفهوم المواطنة.
6- القوانين المدنية تُلبّي حاجات الأفراد لا الجماعات:
إنّ القوانين المدنية قابلة للتطور والتغيّر والتعديل، بينما القوانين الدينية، أو التي تستظل بالدين أو الفقه أو العادات والتقاليد الراسخة، هي قوانين جامدة، ثابتة، لا تاريخية.
إنّ القوانين الجامدة وضعت المجتمعات المعاصرة أمام مأزق معرفي، حقوقي، أخلاقي، جعلتها تلجأ إلى سن قوانين مدنية تواكب المتغيرات الاجتماعية، وتُحقّق صالح الأفراد والمجتمع، وتلبّي حاجات مواطنيها.
7- التشريع مهمة سيادية:
إنّ التشريع يقع على عاتق الدولة وهو من مهماتها السيادية، ومعظم الدول العربية تتنازل عن حق التشريع القانوني في مواضيع الأحوال الشخصية، وتُسلّمه إلى هيئات طائفية موظفة لديها، تملي على هذه الدولة وتسود عليها، ولا تملك هذه الأخيرة أية رقابة عليها.
إنّ تخلي الدولة عن حق التشريع للطوائف الدينية في ما يتعلّق بقضايا الأسرة والأحوال الشخصية عمومًا، يشكل تجاوزًا خطيرًا للسيادة الوطنية.
8- الازدواجية الهوياتية:
إنّ الازدواجية القانونية والقضائية تؤدي إلى ازدواجية هوياتية، جعلت الإنسان العربي مشطورًا بين هويته الوطنية العامة وهويته الشخصية.
9- لا عداء للأديان:
إنّ الدعوة إلى استقلال التشريع الخاص بحياة الناس الدنيوية، والذي يرتدّ على الحياة الوطنية، ليس معناه العداء لأي دين من الأديان، ولا لحرية الجماعات في ممارسة عباداتها وشعائرها وطقوسها، فالمعتقدات الدينية جديرة بالاحترام التام، والعبادات والشعائر والطقوس الدينية من عناصر التراث الفكري والوجداني والروحي في كل بلد، والقوانين المدنية التي تتأسس على العدالة تحترم مقاصد الأديان العليا.
هذه المسوغات وغيرها تجعل من مطلب قانون أحوال شخصية مدني مطلبًا نسويًا ووطنيًا رئيسيًا، وإذا جوبه المطلب بقداسة التشريعات الدينية، فالرد سيكون ليس فقط بنسبية قيمة هذه التشريعات، بل أيضًا باستعداد الدول التاريخي للتخلي عن العديد من التشريعات الدينية، لصالح قوانين مدنية عصرية كما في مجال العقوبات، والعقود التجارية، وغيرها، وما استنكاف الأنظمة السياسية الحالية عن تطوير قوانين الأحوال الشخصية على أسس مدنية، إلا دليل على إصرار هذه الأنظمة على المحافظة على بنية العلاقات الذكورية التراتبية، وتطويع النساء!
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال