المغرب.. "20 فبراير" ما أَبعدنا عنكِ

خرج الشباب المغربي، في 20 فبراير/ شباط 2011، متأثّرا بموجة الربيع العربي، حاملًا آمالًا كبيرة في التّغيير، على الرغم من خذلان الأحزاب له، والإجراءات الأمنية المضادة؛ وحدث ما لم يكن متوقعًا، استجاب حاكم البلاد أيامًا معدودة بعد ذلك، وأعلن عن دستور جديد، وإجراءاتٍ جذريةٍ في ظاهرها، عائمة في جوهرها كما تبيّن لاحقًا. فوجئ الجميع، وعادوا إلى بيوتهم، وأُعيدت البقية القليلة رغمًا عنها، أو تم استقطابها أو معاقبتها. كانت بقية من الذين يؤمنون أن الطريق إلى التّغيير طويلة، وتستلزم إشراكهم، وعدا ذلك التفافٌ واحتواءٌ للحركة، حتى تمر العاصفة. 
هكذا أصبحت حركة 20 فبراير في خبر كان، وتحوّلت، بعد فترة، إلى تهمةٍ تُحيل على الفتنة والفوضى، وبدلا من منحها فضل ما وقع من تغيير "مؤقت"، استولت جهاتٌ أخرى على "الثورة"، واستفادت جهاتٌ أخرى من الوضع. وبعد شهور العسل الأولى، وتنفُّس المغاربة الصعداء، والتوجّه إلى مغربٍ جديدٍ وُعدوا به، وبعد تولّي الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الفائز بالانتخابات، عبد الإله بنكيران، حاملاً آمالا كبيرة، ظهرت الجدران والمتاريس التي تُحكم الوثاق حول "العهد القديم". فاضطرّ بنكيران "راغبا" إلى سياسة "العفو عما سلف"، ثم تحمّل كلّ ما عجزت الحكومات السابقة عن حمله: أقسى الإجراءات غير الاجتماعية، التي أملتها السياسات النيوليبرالية على البلاد، ما وضَعه تحت نيران الجميع. ومن دون أن يفقد قدرته على التحمّل، والمناورة والتمثيل والتنكيت، دخل بنكيران خط النهاية مع انتخابات 2016، بأمل تغيّر الحال بعدها، مع تجدّد ثقة الناخبين بحزبه، واكتساب نقاطٍ تمنحه هامشًا أكبر للحركة. لكن الدولة العميقة كان لها رأي مختلف، وتمّ الحرص على أن يخرج بنكيران من المعادلة، بعد أن أدّى دوره بإتقان كصمّام أمان، أمام رغبة المغاربة في التّغيير. وكان من أبرز من استفاد من حراك "20 فبراير"، على الرغم من أنّه أكثر من خذله.
أين وصلنا بعد تسع سنوات، من خروج حركة 20 فبراير إلى الشّارع؟ هل نحن أقرب إلى الدّيمقراطية؟ أو الملكية البرلمانية؟ أم أنّنا ندور عائدين إلى نقطة الصّفر التي انطلقت منها الحركة، من دون أيّ درسٍ على الإطلاق؟ بل ونعود أبعد من ذلك، إلى ما قبل 1999، تاريخ انطلاق "العهد الجديد" مع تولّي الملك محمد السادس مقاليد الحكم.
أصبحت حركة 20 فبراير في خبر كان، وتحوّلت، بعد فترة، إلى تهمةٍ تُحيل على الفتنة والفوضى!
ماذا يحدث الآن؟ ندخل العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين بحكومةٍ غير واضحة المعالم، ورئيس حكومة ضعيف في الإنجاز والتواصل، شبه تائه، يحاول إكمال مدّة حكومته بأقلّ الأضرار، منتظرًا رصاصة الرّحمة الأخيرة التي تُنهي لحظة الضّياع هذه، فيما تُحضّر حكومة الظل بدائل ممكنة للانتخابات المقبلة، تعوّض الخطة السابقة التي حملت حزب الأصالة والمعاصرة إلى الواجهة، بديلا يمكن أن يكون الورقة الرّابحة للدولة العميقة، عبر محاولة غير موفّقة في تمهيد الطريق، لشخصية أخرى لا تملك خبرة سياسية، هي رجل الأعمال، عزيز أخنوش، الذي فشل في اكتساب أنصار جُدد لحزبه الإداري (إذا كان هناك حزب غير إداري)، أو تقديم أداء مقنع له، كبديل محتمل عن قادة "العدالة والتنمية"؛ الذي فشلت توقّعات تراجعه في التحقّق، على الرغم من عجز الحزب عن تقديم سياسيين ذوي كاريزما، ولو ذات طابع "شعبوي"، مثل بنكيران الذي أرغم على التقاعد.
على المستوى الحقوقي، تطفو على السّطح اعتقالاتٌ بلا عدد لصحافيين مغاربة، وفي العمق يتمّ استئصال حرية التعبير مع دخول الخوف إلى المشهد، رقيبا لا ينام. وفي المجال الأوسع لحرية التّعبير، مُنعت تظاهرات عديدة لجمعيات حقوقية، بل وثقافية، ما جعلنا نطلّ على سنوات صعبة، تزداد سوداوية. وفي هذا السياق، وضعت منظمةُ مراسلون بلا حدود المغرب، في تقريرها السّنوي لعام 2019، حول حرّية الصحافة، في المنطقة "الحمراء"، حيث حصل في تصنيفها الجديد على المركز 135 من أصل 180 دولة، محافظًا على المركز نفسه الذي احتله سنة 2018، التي شهدت تراجعه بمركزيْن، مقارنة بسنة 2017. وسجّل تصنيف منظمة "مراسلون بلا حدود" أن السّلطات المغربية أعاقت، بشكل متعمّد، عمل وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية، علاوة على طرد مراسلين أجانب عديدين، وإدانة صحافيين في قضايا تتعلّق بالصّحافة والنشر.
على المستوى الاقتصادي، يحدث التراجع على الرغم من وعود النيوليبرالية بالازدهار، حيث تباطأت نسب النمو الاقتصادي، التي لم تتعدّ 2.7% سنة 2019، مقارنة بمعدل 3% سنة 2018، و4% سنة 2017. وازداد مؤشّر العجز الاقتصادي، وارتفعت معدّلات البطالة، ما جعل الملك محمد السادس يعلن عن فشل النموذج التنموي في آخر خطاب له، وعن تشكيل لجنة في نهاية عام 2019؛ كأنّه يحمّل حكومة سعد الدين العثماني هذا الفشل، في تحقيق الطموحات الاقتصادية والاجتماعية، ويتجاوزها في البحث عن حلول.
هل نحن أقرب إلى الدّيمقراطية؟ أو الملكية البرلمانية؟ أم أنّنا ندور عائدين إلى نقطة الصّفر
يعلّق المفكر المغربي عبد الله حمودي على فشل النموذج التنموي بأنّ "هناك من يقول إن  البرنامج فشل لأنّه "نيوليبرالي"، وهذا غير صحيح؛ بل فشل لأنه يُغيّب التشخيص الدقيق للمقولات المغربية، ولواقع الرّيع واقتران الاقتصاد بالامتيازات السياسية. طبعا النيوليبرالية أيضا فيها ريع ورشوة، لكن حينما تقول بها وكأنّها هي ما يعكس واقع الأمر في بلادنا، تُجانب الصّواب، لأنّ النيوليبرالية تغطي العالم، والمطلوب التحليل في بلادنا. والسّؤال المطروح يجب أن يكون عن القوى الصّالحة من مستثمرين أجانب وقوى وطنية، الذين يمكن أن يساهموا في تقدّم الاقتصاد، بشكل يخلق فرص الشّغل؛ وعمّن يفعل ماذا، في البلاد؟" هذا السؤال: من يفعل ماذا؟ هو أدقّ ما يمكن أن يصف هذه المرحلة العبثية في الارتجال.
على الصّعيد الاجتماعي، تطفو الأشكال الجديدة للاحتجاج على السّطح، للتّحايل على التضييق في الشّارع، وفي الفضاء الافتراضي الذي زُجّ بسببه مدوّنون عديدون في السجن، فقط للتلميح بموقف يجعل من صاحبه نموذجًا لمن يرتدع. مثلما حدث في مدرّجات مباريات كرة القدم، التي يرفع فيها الشّباب شعارات تُدين الظلم، وتشكو الإقصاء، وتلعن "الحكرة" التي يشعرون بها، كما في أغنية "في بلادي ظلموني".
كل هذا جعل محمد الساسي، الكاتب والسّياسي الذي حافظ على نظافة موقف وفكر نادرين، في السّاحة السياسية المغربية، في الكتاب الجماعي الذي صدر السنة الماضية "20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، يقول إنّه "مع انطلاق تجربة التناوب الثاني عام 2011، تم امتصاص الغضب، وخبا وهج حركة 20 فبراير، وأحسّ مغاربةٌ كثر بالأمل، في فتح طريق الإصلاح الجدّي بالبلاد. بيد أن مربع تحرّك الحكومة كان ضيًقا، ووفّر النظام لنفسه أدوات التحكّم في مسار التجربة، وساعده في ذلك حرصُ إسلاميي الحكومة على جعل التّطبيع مع القصر الملكي أولوية الأولويات، بحيث أفرطوا في اتخاذ القرارات الأشد إيلاما، لعموم المواطنين".
هذا ما يجعل ذكرى 20 فبراير تحلّ بكثير من الخيبة من المآل، وسوداوية الحال. وبدلا من عدّ المكاسب، لا نتوقّف عن عدّ الخسائر التي تتزايد، بشكلٍ تصبح معها الذّكرى القادمة شاهدًا رأى كلّ شيء، شاهدا يقدّم شهادته بحرص، وضمير لا ينام، أمام محكمة التاريخ. فيما أيدينا على قلوبنا، بما أنّها لا تقدر إلّا على الاستنكار.
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال