مسرحية "هوى غربي" يطرح أسئلة الحرب في سوريا

مسرحية تقتفي أثر الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف وتجسد على الخشبة واقعيتها السحرية.
يعتبر المسرح من أكثر الفنون نجاحا في اشتغاله على الأدب، حيث نرى الكثير من الروايات والقصص القصيرة وحتى القصائد تتحول إلى أعمال مسرحية متقَنة ومتكاملة في وعيها وجمالياتها وقضاياها، ولئن ابتعد المسرح المعاصر عن الأدب في تجارب عديدة، فإنه يعود إليه أكثر فأكثر مع الأعمال الجديدة.
تحضر روح الكاتب الروسي الكبير أنطوان تشيخوف، في تفاصيل العرض المسرحي “هوى غربي” الذي كتبته لوتس مسعود، وقام بإخراجه الفنان غسان مسعود، وبدأ في سلسلة من العروض على خشبة مسرح الحمراء في دمشق منذ الرابع عشر من يناير الجاري.
ينطلق العرض من سؤال مباغت يوجهه للمتابعين، هل انتهت الحرب في سوريا، وهل عاد زمن السلام والهدوء الذي تتوق الناس إليه بعد سنوات طاحنة من الألم؟
عائلة ممزقة
يقدم العرض إجابته من خلال بنية حكائية معقدة وعلى امتداد ما يقارب التسعين دقيقة من خلال صراعات درامية زاخرة بالتقاطعات الحياتية الهادئة حينا والعنيفة حينا آخر. يحاكي العرض الواقع السوري المأزوم في مواجهة مفتوحة مع ما عاناه الناس في سنوات الحرب من تمايزات جوهرية غيرت مفاهيم وقيما أخلاقية كبرى وما شكلته من ظهور نماذج اجتماعية تتنافر مع المألوف والمعتاد حتى بين أفراد العائلة الواحدة.
رستم (جمال قبش) الشخصية المحورية في الحالة الدرامية للعرض. كونه يمتلك هاجسا خاصا ومسارا متفردا في حياة العائلة، فهو الرجل الكهل الذي درس وعاش في أوروبا أجمل أيام حياته، لكنه في زمن الأزمة غالبه الحنين فعاد إلى الوطن في مسار يختلف عن رغبة أولاد شقيقه الذين يرغبون بالمغادرة نحو فضاء يتمنونه أفضل وبشكل موارب حينا وواضح حينا آخر يتقاطع مصير الرجل مع بقية أفراد العائلة التي تتجاذبها رغبات ومصائر شتى.
 العرض صراعات درامية تحاكي الواقع السوري المأزوم في مواجهة مفتوحة مع ما عاناه الناس في سنوات الحرب
العائلة تكعس وجوه المجتمع المتنافر، فواحدة تعيش على أنقاض عنوسة قاتلة وتتودد مستسلمة للزواج من شخص فاسد، وأخرى تعود من باريس بعد انكسارات نفسية عميقة وثالثة تعيش حالة حب رومانسية مع عازف بائس بعد أن أنقذها بسبب حبه من مصير فاشل واجه العائلة كلها، وأخ يعرف حقيقة الجميع ويحاول أن يكون صمام أمان لهم في جهود محبطة.
وكما في أيّ حرب، يظهر الأشخاص الذين تفرزهم أزمات المرحلة الذين يقتاتون أرزاق الناس ويحتالون عليهم، فتظهر شخصية شكور (لجين إسماعيل) الذي يشكل حالة تماهي شريحة من الناس في مصالحهم الشخصية مع شريحة من المنتفعين مضحين بالآخرين، شكور بطبعه الملتوي والطامع يعد الجميع بتقديم ترياق النجاة فيحيطهم بوعود عن حياة أفضل ليكونوا عناصر ضعيفة تدور في عاصفة تفسخ ملامحهم.
واقعية سحرية
جمال قبش يعود للمسرح بعد انقطاعه عنه لأزيد من ثلاثين عاما 
التناغم المشهدي بدا واضحا بين رؤى غسان مسعود الإخراجية التي اعتمدت على إيقاع هادئ متصاعد الذرى الدرامية وإضاءة جلال شموط وديكور هاني جبور، حيث كان للعرض فضاء مشهدي خاص تميز به.
قبل عامين قدم غسان مسعود عرضا مسرحيا بعنوان “كأنو مسرح” كتابة لوتس مسعود. طرحا فيها رؤى عن الواقع المعيش حينها. لكن لوتس تقدم في هذا العمل الجديد موضوعا أعمق متوغلة أكثر داخل النفس الإنسانية بالظروف التي تعيشها في حياتها اليومية.
وفي دردشة سريعة سألت “العرب” الفنان غسان مسعود عن العمل وهو يضع اللمسات الأخيرة على التصميم الضوئي للعرض “حاولنا في العمل تقديم ما هو موجود في الحياة اليومية الحقيقية والآنيّة، بشكل فيه تلاحم في الرؤى والهواجس، وبأسلوب فيه رقيّ وعمق، أسمّي هذا الواقعية السحرية. التي تعلمناها من أستاذنا جميعا في العالم أنطوان تشيخوف.
فهو يصف أكثر الأحداث ألما بأسلوب واقعي سحري أخّاذ.
الظروف التي نعمل بها في المسرح صعبة وهي مغايرة للفنون البصرية الأخرى. ففي المسرح يشاهد المتلقي الخشبة كلها، لذلك على المخرج أن يملأ الفضاء المسرحي كله بعناصر بصرية وغيرها وأن تكون على الشكل الذي يحترم عقله ويقدم خدمة للأفكار التي ستقدم، فالضوء ليس للزينة كما يعتقد البعض، بل هو عنصر مؤطر بفكرة عليه أن يخدمها”.
يقدّم العرض نخبة من نجوم الفن السوري، فهو عاد بالفنان جمال قبش للمسرح بعد انقطاعه عنه لأزيد من ثلاثين عاما، كما يقدم نظلي الرواس في إطلالة مسرحية نادرة. وسيف سبيعي المخرج والممثل التلفزيوني الذي كتب عن العرض “أعود إلى خشبة المسرح بشغف الممثل الذي يختبر هذا الشعور لأول مرة. عشرون عاماً مضت على وقوفي الأخير على نفس هذه الخشبة. أعود هنا لأسترجع هذا الشغف. هذا الشعور الذي لا يوصف وأنت تلاحظ عيون الجمهور وهي تتابع العرض وتشعر بنبض قلوبهم وتأثرهم وإعجابهم أو عدم إعجابهم بنفس الوقت”.
نذكر أن المسرحية من إنتاج مديرية المسارح والموسيقى بوزارة الثقافة، وهي من تمثيل جمال قبش، سيف الدين سبيعي، نظلي الرواس، روبين عيسى، غسان عزب، لجين إسماعيل، عبدالرحمن قويدر، مي مرهج ومصطفى المصطفى. والمخرج المساعد موسى أسود. أما تصميم الديكور فيعود لهاني جبور، فيما صمم الإضاءة جلال شموط. وكان تصميم الملابس للوسي موسان.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال