ولاية المواطن سيادة الثورة

يكمن الدور الأساس للقوى اليسارية والديمقراطية والعلمانية في تنظيم ثورات قادرة على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي و إسقاط الأنظمة الديكتاتورية و تحقيق حُكم الحقوق الإنسانية وذلك من خلال صياغة دول جديدة يمتلك فيها المواطن السلطة الأعلى فتتوحَّد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في أيدي المواطنين فتنتقل السلطة من ولاية الدولة الحالية إلى ولاية المواطن. هذا هو السبيل الوحيد الذي يكفل إسقاط النظام الديكتاتوري الحاكم كَذِباً و خداعاً بإسم الدولة. فلا دولة حقيقية بلا ولاية المواطن. ولا وطن بلا دولة قائمة على سلطة المواطن واعتبارها السلطة العُليا والأولى التي تحاسب وتحاكم السلطات الأخرى.
كما يكمن دور القوى اليسارية والديمقراطية والعلمانية في تعريف الحقوق الإنسانية و إنتاج حقوق إنسانية جديدة (كحق المواطن في أن يكون السلطة الأعلى التي تتوحَّد بِيده كلّ السلطات) و دفع الثورات إلى تحقيق الحقوق الإنسانية كافة. لا تستقيم ثورة بلا تحقيق حقوق إنسانية جديدة تُغيِّر الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فالإنسان مشروع عقلاني و أخلاقي مستقبلي ما يستلزم إنتاجه المستمر من خلال إنتاج حقوق مبتكرة تُحقِّق إنسانيته الأسمى و تُطوِّره اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً و إلا سوف يبقى سجين يقينياته وسلوكياته الماضوية.
تتعدّد الأمثلة على الحقوق التي لا بدّ من صياغتها وتطبيقها لكي تنجح أية ثورة فعلية و منها حق كل فرد في امتلاك مسكن بلا مقابل مادي إن كان من الأقل حظاً اقتصادياً و حقه في التعليم المدرسي والجامعي المجاني و حقه في الحصول على عمل في وطنه وتأمين وظيفة له تكفل عيشه الكريم و حقه في محاسبة و محاكمة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بِتُهَم الفساد و خيانة الوطن إن أساءت استخدام سلطاتها. و من تلك الحقوق أيضاً حق المواطن في امتلاك حرية مطلقة ضمن مبدأ عدم الاعتداء على الآخرين و حقه في المساواة أمام القانون والمساواة في الفُرَص و حقه في الحصول على نوع من أنواع المساواة الاقتصادية والاجتماعية فلا ينقسم المجتمع إلى قلة من أغنياء و كثرة من فقراء و حق كل مواطن في الاستمرار في الثورة لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة بإسم العسكر أو بإسم رؤوس الأموال أو بإسم الطوائف الدينية أو بإسم أية أيديولوجيا مُحدَّدة بيقينياتها المُسبَقة التي لا تقبل الشك والمراجعة والاستبدال.
من دون هذه الحقوق و من ضمنها حق كل مواطن في امتلاك و توحيد كل السلطات في يده يفقد الإنسان إنسانيته. فالإنسان مجموعة حقوق فإن لم تتطوّر الحقوق لن يتطوّر الإنسان و إن لم تتحقق لن يتحقق الوجود الإنساني. الإنسان مجموع حقوق مُكتشَفة و حقوق لم تُكتشَف بعد. لذا الإنسان مشروع مستقبلي لم يكتمل تحققه و لا يكتمل تحققه سوى في المستقبل على ضوء اكتشاف حقوق إنسانية جديدة و احترامها. بذلك الإنسان ظاهرة مستقبلية تماماً كما تؤكِّد الفلسفة السوبر مستقبلية. و لا تتحقق أية حقوق جديدة سوى بالثورة. وبذلك الإنسان ثورة مستمرة.
أما الثورات العربية الراهنة فتُعيد صياغة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لأنَّ واقعنا مُقدَّس بقدسية الله والنبوة والإمامة فمُقدَّس بقدسية الحاكم بأمر الله. لذلك الثورة الحقيقية ثورة على المُقدَّس و من ضمنها قدسية الدولة. لا دولة حقة و حقيقية بلا وطن و لا وطن بلا مواطن. لذا لا تكمن الدولة الحقة سوى بولاية المواطن واعتبار سلطته هي السلطة الأعلى التي تراقب و تحاسب السلطات الأخرى وتستبدلها باستمرار على ضوء ما ينفع المواطنين. هكذا لا تنتصر الثورة فلا ينتصر الوطن سوى بسيادة المواطن و وحدانية قدسيته. فالثورة وطن الأحرار و الوطن ثورة إنسانية مستمرة لا تُبنَى سوى على أُسُس القِيَم الإنسانوية كقِيَم السلام والحرية والمساواة.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال