تعرف الجزائر الخميس 12 أكتوبر امتحانا تاريخيا.. في انتظار الجمعة 13

تعرف الجزائر الخميس 12 أكتوبر امتحانا تاريخيا لم تواجهه طوال العقود بل القرون الماضية، وتعيش وضعية هي الأولى من نوعها في التاريخ حيث ينفجر صراع بين حق يتعثر في تقديم مواقفه وباطل يحاول أن ينجح في فرض ادعاءاته.
ويقف أساسا ضد عملية العودة الجادة إلى الوضعية الشرعية الدائمة منتمون إلى فرق أولها طالب علنا بحذف مادة “الإسلام دين الدولة من الدستور”، وثانيها اتجاه قدوة قيادته كانت “كاتالونيا” وترى بعض رموزه أن صندوق الانتخابات يُجسّد عملية سحق الأغلبية للأقلية، ويرتبط الثالث بقيادات هي اليوم نزيلة سجن “البليدة” باتهامات لا تشرف زعامة سياسية، ويدمج اسمها ضمنيا، بدون ذكره، في المطالبات بإطلاق سراح “سجناء الرأي، ويتحالف معهم، ومع الحزب الأول للغرابة، فلول تيارات دينية، لفظها الشعب الجزائري وحَمّل  بعضها، مع نفس الحزب، مسؤولية العشرية الدموية، ورأى في بعضٍ آخر صورا فاضحة للانتهازية السياسية والمضاربات المالية، وكما يقال عندنا، “حاشا إللي ما يستاهلوش”، لأن في كل هؤلاء وأولئك، وهذا هو الأمر الجدير بالتنويه، رجالا أفاضل ومثقفين محترمين، بعضهم جرفهم تيار التضامن اللغوي أو الجهوي أو العشائري.
وبعد أن تأكد فشل تلك التوجهات في اختطاف السلطة خارج إطار النصوص الدستورية، تتابع البلاد عملية توزيع أدوار أثبتت خبرةَ العناصر التي تقود تلك التوجهات ومقدرتها على تعديل مواقفها لكي تغطي فشل خطوة تخطوها بخطوة جديدة تستهدف النفاذ إلى إرادة جماهير يختلط لديها القلق من مستقبل لا تتضح جلّ ملامحه بالخوف من احتمالاتِ انطلاق صراعٍ لا يعرف أحد كيف سينتهي.
وتزامن هذا مع الفشل الإعلامي للسلطات، حيث لا نجد في جلّ قنوات التلفزة ووسائل الإعلام العربية والأجنبية التي تستقبلها الجزائر خطابا يتفهم المواقف التي اتخذتْ لمواجهة التطورات التي تعيشها البلاد منذ فبراير الماضي، وهو ما زاد من الشعور العام بمنطقية شعار “يتنحّاوْ قع”، فرجال مؤسسات وأجهزة لا تنجح في الدفاع عن مواقف الدولة التي يتحملون مسؤولية تمثيلها يجب أن يكونوا أول الراحلين.
وهذه النقطة بالذات تجعل من ضرورة تغيير وجوه “القصدير”، حسب التعبير الشعبي، تشجيعا قويا على المساهمة الفعالة في إنجاح الانتخابات الرئاسية، حيث أحسّ المواطن بالقرف من الهزال الذي أصاب جلّ المكلفين بحكم مناصبهم بحماية الصورة الخارجية للبلاد، وهو هُزال يؤكده انفراد العناصر المعادية للتوجهات الوطنية الجزائرية بمعظم المنابر الإعلامية في الداخل والخارج، وبحيث أصبح من الواضح أن التحركات الوحيدة التي يمكن أن توصف بالإيجابية هي تلك المواقف الفردية التي تحتضنها مواقع التواصل الاجتماعي، والتي شهدت في الأسابيع الأخيرة زيادة معتبرة في حجم التعليقات المضادة التي تحمل توقيعات رمزية، وتصب في خانة الهجوم على قيادة المؤسسة العسكرية التي “عسْكرت” الحياة السياسية كما يدعي نشطاء الجانب المضاد، وتتلذذ بالسخرية من كل الترتيبات التي تُعِدّ للانتخابات الرئاسية القادمة، ومن بينها “المناظرة” التي سبق أن تناولتُها في حديث سابق.
وفي الوقت الذي تأكد فيه أن الجانب المضاد يتمتع بمقدرة هامة على تنسيق الجهود وتوزيع الأدوار وتحديد الأسبقيات، كدأب كل الأقليات الفكرية، لوحظ فراغ نسبي في منطقة “الأغلبية الصامتة”، بعد أن تآكل دور أكبر الأحزاب الوطنية نتيجة لسلسلة من الأزمات والعقد والعثرات والتصرفات المرتجلة، وبعد أن تأكد أن بعض القيادات الإسلامية كانت مجرد ظاهرة صوتية لا تملك جذورا شعبية راسخة، بالإضافة إلى عدم تمكن الحراك الشعبي من إفراز قيادات تملك مصداقية التعبير الصادق عن إرادة الأغلبية الشعبية.
وكان هذا كله فرصة انتهزها الجانب المضاد ليؤكد مقدرته على إفشال مسيرة البلاد في اتجاه الخروج من الأزمة الحالية، وظهرت بوضوح عملية توزيع الأدوار، بل وتنويع الخطاب الذي يدفع الجماهير بعيدا عن صناديق الانتخاب.
ففي البداية سًرّبتْ إشاعات تقول بأن المراكز الانتخابية ستتعرض للهجوم من معارضي الانتخابات، وسيتم “قتل” من يتوجهون للتصويت، وهو ما سمعته بنفسي فعلا من سيدة كانت تروي ما التقطته أذنها في حافلة للنقل العمومي.
وتأكدت النوايا السيئة بالأمس، عندما تم تدمير كل محتويات أحد المكاتب من صناديق معدة للتصويت، وبُثت الصور الملتقطة في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأينا صورة مقززة للصعلكة، وكيف يُخرّبُ مهيّجون محسوبون على الوطن أدواتٍ ومكاتب مولتها خزينة الدولة الجزائرية، أي أنه مال الشعب الذي يتباكون عليه.
وكانت الخطوة التالية هي إرهاب المواطنين في قنصليات المهجر، حيث يبدأ التصويت الانتخابي قبل انطلاقه في أرض الوطن، وهكذا تعرض ناخبون جزائريون يتجهون إلى مراكز الاقتراع للشتائم والإهانات، وكان بعضها من الحقارة بحيث استهدف سيدات لم يجدن الحماية اللازمة من مصالح الأمن في بلاد الجن والملائكة.
واختلفت ردود الفعل، فبينما كان هناك من أحجم عن الانتخاب خوفا من همجية لا يستطيع مواجهتها، خصوصا بعد تعرض مراسلة التلفزة الجزائرية في “ليون” للاعتداء، كان هناك من أصر على القيام بواجبه الانتخابي ومنهم شيخ تجاوز عُمْره مائة عام، وأبرزت الكاميرا بالصوت والصورة أنفة جزائريٍ مغتربٍ رفض الانحناء أمام الصعلكة.
أكثر من ذلك، شهدت إحدى القنصليات حادثة لعل فيها درسا كبيرا، فقد وجد شاب جزائري نفسه أمام آخر من شرذمة ثلاثية، حاول أن يثنيه بعبارات مستفزة عن أداء واجبه الانتخابي فأعطاه ضربة رأس أسقطته صريعا على الأرض، وفر زميلاه، وكان هذا تحذيرا فهمه كثيرون، يعرفون أن البادي أظلم.
وواقع الأمر أن العنف الذي مارسه البعض ضد المواطنين، ومن بينهم متهجّمٌ ملتحٍ بالأسلوب السلفي حسب الصورة الملتقطة، كان له أثر إيجابي في مصلحة الانتخابات الجزائرية.
فمن جهة، تأكد أن من يقفون وراء من حاولوا ممارسة العنف أو الاستفزاز ضد الناخبين يعرفون يقينا بأن الأغلبية الشعبية ترى في الانتخابات الرئاسية المخرج المنطقي للأزمة الحالية، وهو ما بدأت ملامحه بانفضاض الكثيرين عن حراك يوم الجمعة، وما تأكد من تزايد جهود تجنيد حشودٍ بتوجهات ملائمة، وبرفع بطاقات حمراء تذكر ببطاقات الملاعب، التي كانت قدوة الكثير من التصرفات في التظاهرات الأخيرة.
وكان أكثر ما يبعث على الأسف هو أن قيادات سياسية، كانت تجترّ وتلوك البكائيات البلاغية التي تندب وضعية القمع والبطش التي تمارسها السلطات، لم تنطق بكلمة واحدة للتنديد بالأعمال الهمجية التي مارسها أبطال الهجوم على الحرائر، ممن يرفعون أعلاما مرفوضة وطنيا.
وهنا يأتي الخطر الكبير، حيث يُحاول بعض “الخبثاء” إعطاء التصرفات الواندالية بصمة جهوية، كنا نحذر منها دائما ونقول إنها “مُنتنة”.
لكن اليقين اليوم هو أنه إذا نجحت الهمجية في إرهاب ذوي البنية الضعيفة أو ذوي الإرادات الهشة من المواطنين فإن كثيرين سيرفعون لواء التحدي، ربما بفضل العناد الذي عرف به الجزائري منذ الأزل، والذي يمارس الصبر إلى حدود معينة فإذا انفجر كان كالسيل العرم، ويعلم الله وحده إلى أي حدّ يمكن أن تصل ردود الفعل الغاضبة، ولعل هذا ما يُفسّر بيان الدعوة للهدوء الذي نسب للـ19.
لكن المهم هو أن تلك الاعتداءات على المواطنين أثبتت أن هناك خوفا حقيقيا لدى جماعة “الثورة المضادة” من إجماع شعبي واسع في معظم ولايات الوطن لإنجاح الانتخابات، وهنا طلع “الجماعة” بفكرة جديدة تقول بأن على من يؤمن بالانتخابات الرئاسية أن “يلزم بيته يوم الخميس” حتى لا يصطدم بالجماهير الرافضة للانتخابات، هكذا ..!!.، وهو اقتراح مضحك، لأن العكس هو الأمر المنطقي المطلوب.
 وقفزت بعض القيادات الدينية الفاشلة لتدعو للمقاطعة، حتى تنسب لنفسها فضل إقبال ضعيف متوقع في بعض المناطق، هذا إن كان هناك فضل، لكن الخطر هنا هو في خلفية التحذير الذي يذكرنا بالتهديدات السابقة لمن يحاول أداء واجبه الانتخابي، وهنا ندرك أن بعض النواحي قد تصبح في وضعية طائرة مختطفة، مواطنوها رهائن لمن فشلوا في إقناع الشعب الجزائري بنبل طروحات ليس فيها من النبل شيئ، وهنا أيضا نفهم خلفيات البيان المذكور.
وواصلت قنوات التلفزة الأجنبية حملات التشويه المبرمج، والتي يتابعها المشاركون الفرنسيون بإعجاب واضح، في حين أن المضمون يتفجر بالتناقضات، ومنها على وجه المثال متحدث جزائري في قناة فرنسية يدل اسمه على انتمائه الجغرافي، راح يرافع ضد الانتخابات “غير الشرعية” مدّعيا أنها تتم تحت ظل “رئاسة غير شرعية”، ولم يوقفه منشط الندوة ليسأله عن المادة الدستورية التي “تُلوّث” شرعية السلطة الجزائرية الحالية، والتي يقول الدستور الجزائري بكل وضوح أنها مكلفة بإجراء انتخابات رئاسية، ولا مفرّ أمامها من القيام بهذه المهمة أيا كانت الظروف.
ويتكامل هذا مع تعليقات فرنسية اللغة مضمونها أن الرئيس القادم للجزائر سيكون ضعيفا وغير قادر على القيام بدوره كرئيس لأكبر الدول العربية الإفريقية، ولا نسمع ممن يتابع بالإعجاب هذا الاستنتاج الخطير التساؤل المنطقي البسيط عن البديل المقترح الذي يضمن لنا رئيسا في قوة دوغول وتشرشل وروزفلت وستالين مجتمعين.
ولا أريد هنا أن أتوقف عند أداء قنوات الجزيرة والعربي والشرق ومثيلاتها، والتي أثبتت العجز الهائل للمصالح الجزائرية المكلفة بمتابعة الإعلام الخارجي، والتي فشلت في أن تضع تلك القنوات في صورة حقائق الوضع الجزائري، فتحولت تلفزة الأشقاء إلى مادة صلصالية في يد أفراد نشطين أثبتوا أن الطبيعة ترفض الفراغ، وأن أي حفرة في الأرض سوف تملأها مياه لن تكون بالضرورة مياها نقية.
ومضحك أن قامة سياسية في مستوى عزمي بشارة تفشل في توجيه قناة وُضعت تحت تصرفه لخدمة الانتماء العربي، في حين أن الصراع الحقيقي في الجزائر هو حول قضية الانتماء على وجه التحديد، والباقي كله قنابل دخان لإخفاء الهدف الحقيقي من الحملة الشرسة على المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي حرصت على ضمان السلمية لأروع حركة احتجاج جماهيري عرفها التاريخ المعاصر، والتي تجاوزت سلمية الشعب الهندي وراء غاندي.
وأكثر من مضحك ألا تدرك قناة تواجه “الثورة المضادة” في مصر بأن ما تقدمه من معلومات مشوهة عما يحدث في الجزائر يدفع جماهيرنا للشك فيما تقوله عمّا يتعرض له المناضلون في أرض الكنانة، وهي بهذا تدمّر أساس وجودها وتبعثر بدون جدوى ما يُنفق عليها من الأشقاء وغير الأشقاء.
ولا جدال في أن الجماهير الجزائرية تواجه وضعية صعبة وهي تستعدّ لتحمل مسؤولية الانتخابات الرئاسية، ولعل أكثر الشرائح الجماهيرية التي ستواجه تلك الصعوبة هي تلك التي تعيش في مناطق تعاني من وضعية ركاب الطائرة المختطفة كما سبق أن قلت، وهو ما يعني أن مجموع الوطنيين يتفهمون النتائج الهزيلة التي قد تعرفها بعض المناطق، لكن هذا سوف يساهم أكثر فأكثر في إسقاط الأقنعة وإزاحة الأستار وكشف الخلفيات وتوضيح المسؤوليات.
وسيفهم كثيرون لماذا رفضت بلادنا مباركة الكنائس “الضرار”، لأن الجزائر، التي عرفت طلائع المسيحية الأصيلة على يد الأب “دونا”، الأمازيغي الوطني الذي تصدّى للاستعمار الروماني، ما زالت مدنها الكبرى ترعى أهم الكنائس في القارة الإفريقية، ولا يمكن أن تضعف أمام محاولات التعقيد التي تقوم بها مصالح مخابراتية معروفة المصدر والتوجه، تستعمل المسيحية المستوردة لصالح الاستعمار القديم والجديد، وهي التي تحرّض اليوم ضد انتخابات رئاسية تسترجع للشعب سيادته الحقيقية التي أنجزتها ثورة نوفمبر.
وسيكون يوم 12 ديسمبر، وعلى بعد نصف شهر تماما من الاحتفال بالذكرى الواحدة والأربعين لوفاة الرئيس هواري بو مدين، سيكون يوما تاريخيا فاصلا، لأنه سيتوج مرحلة سقوط الأقنعة، وسيعرف الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون.
وستكون الجمعة 13 يوم شؤم على من يرفضون مقولة “لا طيرة ولا تطيّر”.
آخر الكلام: أسماء تكررت في بلاغ بالفرنسية يدعو للهدوء بدون إدانة للعنف الذي مارسه مواطنون ضد مواطنين، وفي بلاغ آخر يندد بالانتخابات الرئاسية، ولا تعليق.
دكتور محيي الدين عميمور - كاتب ووزير اعلام جزائري سابق
Reactions:

0 comments :

Publier un commentaire

التعليق على هذا المقال