هل يصل قطار الانتخابات الفلسطينية إلى محطته الأخيرة؟

إجراء الانتخابات لا يكفي وتطبيق نتائجها وضمان التسليم بها هو الأهم.
"جاهزون للانتخابات"، شعار أطلقته حركة حماس منذ اللحظة الأولى التي زارت فيها لجنة الانتخابات المركزية قطاع غزّة. لم تكتف بذلك بل أكّدت مراراً ترحيبها بالانتخابات، وقالت إن الانتخابات تشكّل فرصة لتصويب المسارات الاستراتيجية في تاريخ الشعب الفلسطيني، وأكَّدت أنها ستضع مُقدّراتها تحت تصرّف الجهات التي تُدير عملية الانتخابات، وستعمل على إنجاحها بكل ما تستطيع، كي تكون انتخابات حرّة ونزيهة تُعبِّر بشكلٍ شفّافٍ وصادقٍ عن إرادة الناس وخيار الشعب بالاحتكام إلى الشعب، كما أنها ستُسلّم بنتائج الانتخابات مهما كانت، باعتبار ذلك إرادة الجماهير الفلسطينية.
مثل هذه المواقف العلنية لم تكن كافية أمام صانِع القرار في رام الله، فقد طالبت رئاسة السلطة الفلسطينية حركة حماس بتسليم ردّ خطي بموافقتها على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بشكلٍ مُتتالٍ وفق قانون النسبية، الأمر الذي قوبل بموافقةٍ من حركة حماس على لسان السيّد إسماعيل هنية رئيس مكتبها السياسي بمواقف ومرونة كبيرة تعكس جدية حركة حماس تجاه إجراء الانتخابات بألا تقف حجر عثرة أمام هذه الخطوة.
تسلّم السيّد حنا ناصر ردّ حماس الخطّي والمكتوب، وتجاوزت حركة حماس ما جرى في خيمة الأسرى المُحرَّرين في رام الله بعد وعود بحل مشكلتهم، ولم تتأزَّم الأوضاع بشكلٍ كاملٍ أو تقف الأحداث إلى حيث إعلان مؤتمر الإرجاء، تغليباً للمصلحة العليا ودفعاً بقطار الانتخابات.
مثل هذه الخطوة ستدفع باتجاه مسح أية ذرائع تؤخّر الخطوة التالية المُتمثّلة بإصدار المرسوم الرئاسي الخاص بتحديد موعد الانتخابات، وتُعزِّز الموقف الإيجابي لحركة حماس، وهي خطوة تحتاج إلى المزيد من الخطوات العملية من كل الأطراف المشاركة في الانتخابات.
الموافقة الخطية التي قدَّمتها حركة حماس تتضمَّن بشكلٍ واضحٍ الموافقة على إجراء الانتخابات الشاملة وعقد اللجنة التحضيرية لاستكمال الحوار بشأن ترتيب المجلس الوطني الفلسطيني، وإطلاق الحريات العامة، وإجراء الانتخابات على أساس النظام النسبي الكامل، وتشكيل محكمة الانتخابات من قضاة مشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية، وتوفير ضمانات أساسية لنجاح الانتخابات، واحترام نتائجها.
المطلوب أمام مثل هذا المشهد الإيجابي خطوات عملية أكثر إيجابية ليس من حماس وحدها بل من كل الفصائل وعلى رأسها حركة فتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ومنها ضرورة إطلاق الحريات العامة ووقف الاعتقالات وكل أشكال الملاحقة والقمع، وتهيئة الأجواء وإبقاء حال الإيجابية سائدة وصولاً إلى يوم الانتخابات، أما في قطاع غزّة فمطلوب من حركة حماس على وجه الخصوص ترجمة تصريحاتها إلى مواقف عملية على الأرض في كل القضايا؛ عبر تهيئة المناخات المناسبة وتسهيل عمل ومهام لجنة الانتخابات من أجل إنجاح هذه الانتخابات، وأن تتم بالفعل إزالة أية عراقيل من أمام عمل اللجنة.
الانتخابات حق دستوري وقانوني وسياسي ووطني للمواطن الفلسطيني، ومشاركة جميع الفصائل خطوة مهمة لأنها تؤكّد مشاركة سياسية وموافقة على إجراء الانتخابات من كل القوى الفلسطينية الحيّة، وأمام هذا المشهد يُطرَح تساؤل مهم بعد أن انطلق قطار الانتخابات: هل سيصل قطار الانتخابات الفلسطينية إلى محطته الأخيرة "يوم الاقتراع"؟ أم لا يزال هناك الكثير من الألغام يعترض طريق الانتخابات؟. 
لنكن واقعيين وموضوعيين أكثر في الطرح. رغم كل الموافقات والتصريحات الإيجابية، هناك عقبات حقيقية لإجراء الانتخابات في ظل انعدام الحلول السحرية للحال الفلسطينية المُستعصية. فالموافقة على إجراء الانتخابات لا تُبدّد كامل المُعضلات، وحُسن النوايا لا يكفي، وكما يُقال الشيطان دائماً يكمن في التفاصيل، وهذا ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات مُتعدّدة، رغم أن إجراء الانتخابات يُعتبر الخطوة الضرورية الأقل ضرراً بالمقارنة مع أي خيار آخر.
المطلوب لتجاوز أيّة عقبات حقيقية إطلاق حوار وطني شامل وعقد الاجتماع القيادي للأمناء العامين لقيادة الفصائل، وإن جرت الانتخابات من دون حوار وفي هكذا ظروف، فلا أعتقد أنها ستحل الخلافات القائمة وتنهي حال الانقسام، كما أن هناك مسائل وإشكاليات تتعلّق بسماح الاحتلال الإسرائيلي للانتخابات أن تنعقد في مدينة القدس المحتلة، وأيضاً السماح للمُرشَّحين التحرّك بحرية سواء في الضفة الغربية وقطاع غزّة أو داخل الضفة الغربية.
من أهم القضايا التي تشكّل داعماً أساسياً لإنجاح مشروع الانتخابات هو الاتفاق على قانون الانتخابات وميثاق شرف يقضي بضرورة احترام حرية الرأي والتعبير والتجمّع السلمي وتهيئة كل الأجواء والمناخات الإيجابية، والذي من شأنه أن يوصل المواطن الفلسطيني إلى المحطة الأخيرة "يوم الاقتراع ".
حال الجمود الحاصلة في الساحة الفلسطينية تستدعي إجراء تغييرات لتحريك المياه الراكِدة في المشهد السياسي، وإنهاء حال الانقسام يُعدّ أولوية في هذا المشهد، والذي يتطلّب ممارسة ضغط شعبي قوي وفعّال متواصل لتجاوز أية عقبات ممكن أن تطفو على السطح ما بعد إصدار المرسوم الرئاسي وصولاً إلى الانتخابات.
في النهاية وهذا هو الأهم، في حال تجاوزت الأطراف العقبات ووصلت إلى يوم الاقتراع وجرت انتخابات فأعتقد أنه يجب على حركتيّ فتح وحماس الاعتراف بنتائجها وأن تتوافقا على اليوم الذي يلي هذه الانتخابات. إجراء الانتخابات لا يكفي وتطبيق نتائجها وضمان التسليم بها هو الأهم.
شرحبيل الغريب - كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال