نبالٌ في يد البرلمان … لقنص العقول

يقولُ الُله تعالى، في سورة "الكهف": (فمَن شاءَ فليؤمن ومَن شاءَ فليكفُرْ )، لكنَّ بعضَ أعضاء البرلمان يشاؤون غير ما شاءَ اللُه، وغير ما شِيء للناس من مشيئة! فيحملون النبالَ ليقنصوا العقولَ؛ لكيلا تشاء إلا ما يشاؤون لها أن تشاء!
الأسبوع الماضي كنتُ في ضيافة الإعلامية "لميس الحديدي"، لمناقشة مشروع "قانون تجريم إهانة الرموز"، الذي تريدُ اللجنةُ الدينية في البرلمان تفعيله من أجل معاقبة "أسما شريف منير" بالسجن والغرامة المالية لأنها كتبت على صفحتها: “بعض آراء فضيلة الشيخ متولي الشعراوي متطرفة.” وأرى أن البرلمان بهذا يسيء للشيخ الشعراوي ويتهم أفكاره بالضعف والعَوَز لمن يدافع عنها. وكان الضيفُ المُناظِر في الحلقة هو اللواء "شكري الجندي"، وكيل اللجنة الدينية بالبرلمان. ووجهتُ له عدّة أسئلة بسيطة، لم يُجِب عليها بعد: ما تعريف "الإهانة"؟ مَن هو "الرمز"؟ وما الفارق بين "سرد الحقيقة" و"الرأي في تلك الحقيقة"؟ وما الفارق بين نقل قول عن رمز، وبين إهانته؟
دعونا نتأمل المعايير ونضبط المصطلحات.
* ما تعريف "الإهانة"؟ حين أقول إن لوحات ذلك الرسّام مبهمةٌ، أو ضعيفة المستوى؟ هل تلك إهانةٌ أم نقد؟ هذا نقدٌ، يجوز نقدُه؛ حين نجد شخصًا آخر يقول: بل فنُّه رفيعٌ وجميل. ولكن حين نخوض في شرف ذلك الفنان، فتلك إساءة وإهانةٌ تستوجبُ الملاحقة القضائية.
* مَن هو "الرمز"؟ هل "توماس إديسون"، مبتكر المصباح الكهربائي، رمز؟ هل السير "مجدي يعقوب" رمز؟ هل "شيخ الأزهر" رمز؟ هل "وليم مورتون"، مكتشف البنج وصاحب الفضل على البشرية جمعاء، رمزٌ؟ هل "قداسة البابا" رمزٌ؟ هل "الوليد بن رشد" مُفجّر نهضة أوروبا، رمز؟ هل "الحلاج" و"وطه حسين" و"شمس الدين التبريزي" و"السهروردي" رموز؟ نعم جميع مَن سبق رموز. فهل انتفضُ البرلمانُ لصكّ قانون يحمي جميع الرموز السابقة من الإهانات التي تطالهم كل يوم؟ أم يخضعُ الأمرُ للهوى والانحياز العَقَدي والمذهبي والقِبلي؟
* ما الفارقُ بين "سرد الحقائق" و"الرأي"في فاعلها؟ مثلا: حين أقولُ: (فضيلةُ الشيح الشعراوي كان المصريَّ الوحيد الذي سجد لله شكرًا حين هُزمنا في 1967.) فهل أُعاقَبُ بموجب ذلك القانون لاعتباري أسأتُ إلى الشيخ الجليل واتهمتُه بعدم الوطنية؟ أم أنجو؛ لأنني فقط سردتُ حقيقةً معروفة للجميع، وأقرّها الشيخُ بنفسه في لقاء تليفزيوني؟ حين أقولُ: (أفتى الشيخ الشعراوي بترك مريض الفشل الكلوي يموت دون غسيل كُلى، توفيرًا للمال. وحرّم التبرّع بالأعضاء ونقل الدم للمرضى. وحرّم على المسلم محبة المسيحيين والترحم على موتاهم.) فهل يعتبرني ذلك القانونُ مسيئة للشيخ الجليل، أم مجرد ساردة لأفكاره وأقواله المُسجّلة بالصوت والصورة في لقاءاته التليفزيونية الموجودة ملء السمع والبصر على شبكة الإنترنت؟
حين يقول قائلٌ إن تلك الأفكار "متطرفة"، فهل تلك "إهانةٌ" لشخص الشيخ الشعراوي، رحمه الله؟ كلمة "تطرّف" تعني الوصول إلى "الطرف" الأقصى من الخيط. فأنا مثلا "متطرّفةٌ" في إيماني بفكرة "العدالة". أشعرُ بالذنب حين أُصافحُ كفيفًا بينما لي عينان مبصرتان. وأشعر بتأيب الضمير إن صادفتُ مُقعدًا وأنا أسير على قدمين. أرمي بنفسي في التهلكة إيمانًا بحقوق "المواطَنة" غير المشروطة بالعقيدة. فهل يُهينني واصفي بالتطرف في الإيمان بالمساواة والعدالة بين الناس؟ كلا، هذا توصيف حال، وليس إهانة.
علينا التمييز بين انتقاد "أفكار" شخص ما، وبين الإساءة المباشرة إلى ذات "الشخص" بالخوض في شرفه وعِرضه. وهذا ما وضّحه الدستور المصري 2014، حين أطلق حرية التعبير، شرط عدم المساس بالشرف والخوض في العرض والتحريض على القتل. الأفكارُ كائناتٌ حيّة. تتنفس وتطير فتعيش، أو تسقط فتموت. الفكرةُ القوية لا تحتاج إلى من يدافع عنها. والفكرة الهزيلة الكسيحة لن تعيش مهما حقنتها بالمقويات ومهما زرعت في قلبها الدعامات، أو غرست الأطراف الصناعية في جسدها . العقولُ تفكر وتنتخب من الأفكار ما يناسبها، والعيون ترى فتصطفي من الأفكار ما يتناغم مع إيقاع إدراكها للكون. دعوا الأفكار تتنفس وتعيش، أو تموت من تلقاء ذاتها.
ليس بوسع أحد أن يهين أحدًا؟ الشخص الوحيد القادر على إهانة نفسه هو عين الشخص نفسه، حين يرتكبُ الخطايا؟ والحقيقة أن البرلمان المصري ترك مشاكل الغلابة وتفرغ لصناعة النبال لرشق العقول لئلا تفكر وقنص العيون لئلا نرى!
الإسلام دين (اقرأ) ودين (العقل والنُهى) يدعونا للتفكير وإعمال العقل ولم يجعل بيننا وبين الله وسيطًا من بشر. منحنا اللهُ حريةَ الاختيار لنكون أهلا للحساب يوم الحساب. بينما البرلمان المصري يسرق منا كل هذا ويريد تعطيل العقل النقدي الذي ينهض بالمجتمعات! ولكنّ: "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن”.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال