المدرسة الخلدونية والظاهرة الاستبدادية

من المهم أن نربط بين الظاهرة الاستبدادية والظواهر المتعلقة بالفساد؛ فشبكات الاستبداد لا يمكن أن تتمكّن إلا من خلال امتداد مؤسسات الفساد. الفساد والاستبداد توأمان، إذا ما حضر أحدهما نادى على أخيه؛ ذلك أن أدوات الاستبداد لا تعمل عملا مؤثرا إلا مع حواضن الفساد التي تشكل، في معظمها، بطانة المستبد، فتحكم حلقات الاستبداد، ليس فقط بفساد عملها وسياساتها، بل بفساد خطابها لتسويغ التحالف الدنيء، لضمان مصالحها الفاجرة واستمرارها. إن اقتران الحالة الفرعونية الاستبدادية التي تتباهى بقوتها العاتية والباطشة، مع الحالة القارونية المتغطرسة بقوتها وصولجانها المادي، ليشكل الاستبداد الفرعوني والطغيان المادي القاروني وفساده ساقين في عملية ظلم كبرى وفادحة للشعوب، واختلال الموازين في حكمها، وامتهان قدراتها واستمرار حال القابلية للاستبداد والفساد عند معظمهم، ما يؤثر على عمليات التغيير المنشود والمفروض.
لا ننظر إلى ابن خلدون عالما فذّا أو فردا داخل المنظومة التراثية، وإنما في هذا المقام نتعامل معه مدرسة ومؤسسة يجب النظر إليها في كليتها، وفي أدائها الذي يستحق مسمى المدرسة العمرانية. ويعد العمران في عقل هذه المدرسة وفكرها عملية إصلاحية ارتقائية، تقوم على قاعدة من عمارة الحياة وتشييد بنيانها. أما الفساد فهو خراب يهلك العمران، ويؤدي إلى زواله. والحديث عن المدرسة الخلدونية العمرانية إنما يعبر عن امتداداتٍ تتعلق بتواصل هذه المدرسة زمنًا وأفكارًا، سواء تعلق ذلك بالتلمذة المباشرة لابن خلدون، أو غير المباشرة حينما يهتم بهذه المدرسة، موضوعات وقضايا من جانب، ومنهجية نظر وتعامل وتناول من جانب آخر. وفي هذا المقام، يبدو لنا ذلك الإعمال الآلية لاستدعاء موضوع بعينه، وهو ظاهرة الفساد وارتباطها بالظلم والاستبداد عند ابن خلدون؛ وامتداد زمني لهذه المدرسة، إذ يقدم ابن خلدون مجال الريادة الفكرية. أما عبد الرحمن الكواكبي فيقع بنظريته في الاستبداد في مقدمة هذه الكتابات، الحكيم المستشار طارق البشري يمثل عنصر امتداد وتواصل مع هذه المدرسة، وعناصر استكمال لا يمكن غضّ الطرف عنها، ونحن بصدد بناء الرؤية للفساد وعلاقته بالظاهرة الاستبدادية.
الفساد ظاهرة تتعلق بتحول الشأن العام للجماعة إلى شأن خاص لفرد أو أفراد أو لجماعة صغرى
الفساد إذاً ظاهرة تتعلق بتحول الشأن العام للجماعة إلى شأن خاص لفرد أو أفراد أو لجماعة صغرى. وهو كذلك تحول المصلحة العامة للجماعة المعنية إلى مصلحة خاصة لأفراد أو لجماعاتٍ أضيق. والشبكية المؤسسية تلخص الوضع الأساسي لبناء الدولة التي ترعى مؤسساتها الصالح العام. ويمكن القول إن الحكومة أو "جهاز الحكم" يتضمن أعظم قدر اجتماعي من المال والسلاح، ويقوم بذلك الاستبداد لا محالة، إلى أن توجد أجهزة في الحكم لا تحوز مالاً ولا سلاحًا، وتكون هي المسيطرة على من يحوز المال والسلاح (مصادر القوة)، وهي أجهزة التشريع والقضاء، أي الأجهزة الحارسة لشرعية استخدام المال والسلاح، وما يتفرّع عن هذه الأجهزة من تشكيلات ومؤسسات، تكون قادرةً فعلاً على الإمساك بزمام من يحوزون المال والسلاح، فإذا لم يحدث ذلك، تحول الشأن العام إلى الاستبداد، وأنتج الاستبداد سيادة الصالح الخاص للمستبدين، وهو ما يمكن أن نسميه "شخصنة الدولة"، أو شخصنة السلطة، أو شخصنة العمل العام. 
وفي هذا المقام، يمكن الربط بين الاستبداد والبيئة الحاضنة لعمليات الفساد. ومن أعظم الفساد على ما يؤكده الحكيم طارق البشري أن تعمل سلطة الاستبداد سيف المعز وذهبه وقدرته التنظيمية الهرمية الهائلة، أثره غير المقاوم في استتباع الأجهزة كلها من داخلها، وبواسطة رجالها أنفسهم، ويتسرّب إلى أفرادها، باختيار الأساس منهم، وترجيح نفوذ الأطوع (الأكثر طواعية)، وذلك لتتحرّك الإدارة الذاتية لكل جهاز من داخله، وبما تتناسب مع متطلبات السلطة المنفردة، فتقوم الواحدية المؤسسية للدولة، حيث لا تسود الشخصنة فقط، ولكنها أيضًا تستلم الشرعية في المجتمع، فتظهر لا بحسبانها مصدر القوة والجبروت فقط، ولكن بحسبانها أيضًا مصدر الشرعية في المجتمع كله. بهذا الاعتبار، الفساد باعتباره ظاهرة كلية خاصة في جانبها السياسي ينتج آثاره السلبية على مختلف جوانب النظام القائم. وهذا يعني تغييبًا للديمقراطية، بشقيها السياسي (المشاركة)، والاقتصادي (العدالة التوزيعية)، وإضعافًا لولاءات الأفراد وانتماءاتهم، وأخيرًا تهدد استقرار النظام ببعض صور العنف السياسي. من هنا، يقتضي التضييق على الفساد تحركًا على هذه الأصعدة كافة، من سياسية واجتماعية - اقتصادية وثقافية، فضلاً عن الصعيد القانوني بوضع الضوابط المناسبة التي ترد ضعاف النفوس عن كل انحراف محتمل.
يمكن الربط بين الاستبداد والبيئة الحاضنة لعمليات الفساد
من الأهمية بمكان التأكيد على المعنى الكلي للفساد الذي يتبنّاه الأسدي (أحد تلامذة ابن خلدون في أخريات العصر المملوكي)، فالتفريط في تدبير الدول، مبادئ للفساد، وإذا أضيف له إطار الراحة والاستهانة بالمشورة، وعدم قبول النصيحة، والاتكال على البخت، لم تلبث، وإن استمرت، خربت البلاد وزالت على أقبح فساد؛ ويفيد المعنى ذاك بأنه لا يمكن بأي حال فصل الفساد عن محاضنه وأسبابه والشروط المعنوية والأخلاقية التي تمكن له، فضلاً عن بنية الاستبداد التي تكون مرتعًا خصبًا لعمليات الفساد والإفساد. وقد أكد الكواكبي، في نظريته عن الاستبداد، حال الشمول نفسه في شبكيته، كما هي شبكية الفساد، فالفساد بيئته وسياقاته في أرض الاستبداد؛ والاستبداد في إحكام حلقاته وتمكين شبكاته لا يترعرع إلا في بيئة وسياقات من الفساد، وهذا أمر يستحق البحث والدرس.
دراسة الفساد على هذا المستوى الشامل واقتراح استراتيجيات من الشمول بمكان في هذا المقام لمواجهته بعمليات إصلاح ممتدة ومتكاملة تتلاءم مع اتساع مفهوم الفساد وقدراته على الانتشار السرطاني في كيان المجتمع والسلطة، وما يقوم به، ينخران في شبكة العلاقات في ما بينهما، فضلا عن شبكة العلاقات الاجتماعية وتماسكها، والتي تحصّن قوة المجتمع؛ كما أن هذا النظر الكلي هو الذي يفيد في النظر الاستراتيجي لرؤية الفعل (وصفًا وحالاً وواقعاً ومآلاً واستقبالاً..). هذا النظر الاستراتيجي هو الذي يؤسس عناصر نظر كلي للظاهرة الشاملة، خصوصا السلبية، إن لم تكن مواجهتها شاملة، انحسر الإصلاح فيها، ومواجهة متوالية الفساد لا يكون إلا بمتوالية الإصلاح، وإلا مكّن الفساد لنفسه في بيئةٍ مواتيةٍ لتراكمه، وزيادة مساحاته وتمكين شبكاته، فالفساد في الجوهر وجبت مقاومته ومدافعته من كل طريق وفي كل وقت، بل وجب أن تصحبه ثقافة إنذار وتنبيه تحرك طاقات المجتمع لمواجهته، مهما كان قليلًا أو نادرًا، ومهما كان صغيرًا أو مستصغرًا، فإن معظم النار من مستصغر الشرر، وتشريح علاقات الظاهرة الاستبدادية بالظواهر الفسادية والإفسادية أمرٌ يستحق المتابعة والتدقيق في رؤى ابن خلدون والأسدي والكواكبي.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال