لبنان... الدور على الفلسطيني

شهد لبنان تحركاتٍ احتجاجيةً في منتصف الأسبوع الحالي، رفضاً للإجراءات التمييزية تجاه عمل الفلسطينيين في هذا البلد، والتي جاءت ضمن خطة تطبقها السلطات المختصة منذ الأسبوع الأول من شهر يوليو/تموز الحالي، بعنوان "خطة مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية على الأراضي اللبنانية". وتستند الإجراءات إلى قرارات صادرة عن وزارة العمل اللبنانية في العاشر من الشهر الحالي، لملاحقة المؤسسات المخالفة، ومكافحة العمالة الأجنبية "غير الشرعية" على الأراضي اللبنانية. وعلى الرغم من أن الخطة موجهة ضد السوريين، فإنها لم تستثنِ الفلسطينيين من إجراءاتها التي شملت إقفال مؤسسات ومحلات تجارية فلسطينية، مع إجبار متاجر لبنانية على طرد عمالها من الأجانب، ومن ضمنهم الفلسطينيون. 
وحفلت وسائل الاعلام بشهاداتٍ لأصحاب مصالح اقتصادية من الفلسطينيين الذين ولدوا في لبنان، ومن بينهم أمهاتهم لبنانيات. وركزت الشهادات على معاناة فئات فلسطينية، من مهن وكفاءات مختلفة، بعضها في ميدان الاستثمارات التي ترفد الاقتصاد اللبناني، وتساهم بتطويره. 
ومعروفٌ أن حق العمل بالنسبة للفلسطينيين في لبنان لم يكن متاحا حتى عام 2005، حتى أصدر وزير العمل الأسبق، طراد حمادة، قراراً يجيز فيه للفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية، والمسجلين رسميا في سجلات وزارة الداخلية اللبنانية، بالعمل في المهن المختلفة التي كانوا منعوا منها عام 1993، وعددها خمس وسبعون، لكنّ القرار، على الرغم من أهميته، كان ناقصاً، إذ لم يجز للأطباء والمهندسين، باختلاف اختصاصاتهم، العمل في مهنهم بشكل قانوني. 
بات حديث التمييز في لبنان يعلو فوق كل الأصوات. ويتقدّم في كل يوم ليحتل مساحاتٍ جديدة. وفي وقتٍ تركزت الإجراءات والتحركات الرسمية وغير الرسمية ضد اللاجئين السوريين في صورة علنية، وعلى نحو عنصري فج، انتقلت الحملة لتشمل الفلسطينيين، وهذا مؤشّر على أن لبنان يتجه في مسار خطير، نظرا إلى حساسية الوضع الفلسطيني في هذا البلد، ولما يشكله الفلسطينيون من رقم إيجابي في معادلة الاستقرار اللبناني، بعد أن خرجوا من المعادلة السياسية اللبنانية الداخلية، منذ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982. وباستثناء بعض الحالات المحسوبة على النظام السوري، وأطرافٍ سياسيةٍ داخليةٍ، مثل حزب الله، لم يتجاوز الوجود الفسطيني في لبنان خطوط القانون، وعاش بعيدا عن التجاذبات اللبنانية. 
من حق الدولة اللبنانية أن تمنع الأجانب من مزاحمة مواطنيها على فرص العمل، ولكن في حال الفلسطينيين الذين ولدوا في لبنان، وهم يحملون وثائق رسمية من السلطات اللبنانية، كيف يمكن لهؤلاء تحصيل عيشهم، إذا أسقطت الدولة عنهم حق العمل؟ صحيح أن هناك تحويلات تصل إلى بعضهم من الخارج، وكان آخرون يعتمدون على مساعدات وكالة الغوث (أونروا)، إلا أنه خارج هاتين الخانتين، تقع شريحة كبيرة مجبرة على العمل من أجل تحصيل قوتها اليومي، ومسؤولية الدولة اللبنانية، وفق القانونين، الإنساني والدولي، أن توفر لهم ذلك. 
ما يحصل في لبنان من تصعيد متواصل ضد السوريين والفلسطينيين يضر لبنان قبل أي أحد، خصوصا أن نسبة عالية من أبناء هذا البلد مهاجرة لأسباب اقتصادية، وهي تعمل في الخارج، ويعيل بعض هؤلاء أقارب لهم داخل لبنان. وصار ملاحظا أن هناك ضيقا شديدا من تصرّفات السلطات اللبنانية ينعكس سلبا على مواطنيها المهاجرين. وهناك مسألة جديرة بالاهتمام، تتعلق بخطاب الكراهية الذي يتنامى في لبنان ضد السوريين والفلسطينيين. وبدلا من أن تعمل السلطات على تبريد هذه الظواهر وعزلها، فإن لمساهمة بعض المسؤولين في إذكائها مفعولا سلبيا على صورة هذا البلد ومستقبله ودوره الثقافي الذي بنته نخب لبنانية ليلعب دورا كبيرا في إثراء الحياة العربية، ثقافيا وسياسيا واقتصاديا.
بشير البكر - شاعر وكاتب سوري، رئيس تحرير تلفزيون سوريا
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال