الجزائر: الحدث واللاحدث

لم تكن تظاهرات الجمعة العشرين في مثل قوة التظاهرات السابقة، وتركزت قوتها في مواقع محدودة كنت أشرت لها في الحديث الماضي، وكان أهم طابع لها هو الاحتفالات الشعبية بذكرى استرجاع الاستقلال.
وعرفت العاصمة الجزائرية يوم السبت الماضي تجمعا صاخبا في قاعة كبيرة، حمل عنوان “المنتدى الوطني للحوار”، واختلف تقييم تنظيمه ونتائجه بين المثقفين الجزائريين، ولن أحاول التعليق عليه، حتى ولو بدا أنني أتهرب من اتخاذ موقف قاطع، والواقع هو أنني لم أصل بعد إلى رأي محدد، وإن كنت سأضع بين قوسين أي رأي أتصور أن من حقي أن أعبر عنه ومن حق القراء عليّ أن يسمعوه مني.
وأتوقف بداية عند مقال نشرته “رأي اليوم” للصحفي أبو بكر زمال، وهو شاب لم أخفِ يوما كراهيتي له لأسباب لا مجال اليوم لاستعراضها، لكنني أعترف بأن مقاله كان تجسيدا لموضوعية لا نجدها عند كثيرين، بالإضافة إلى أن الأسلوب نفسه كان ممتعا.
يقول زمال: طرحت القوى المعروفة أكانت سياسية أو نقابية، نخبوية أو شعبوية، مدنية أو بهلوانية، من تراهم أهلا للحوار.. لم يفلح هذا الأسلوب في جذب انتباه العسكر، ولم تنفع الرسائل السرية والعلنية في تلين الموقف والرأي، لا لأنهم يرفضون هؤلاء بل لأنهم يريدون تقديم أجيال جديدة من صنف آخر ومن طينة أخرى لم تتعرك بطين الحكم، ولم تتلوث بفساد الطبع والطبيعة، ولا أنتشت بحلاوة الكرسي، ولا الظهور المتكرر  بـ “وجوه صحيحة” منمطة ومفروضة ومستهلكة، أصحابه “طاب جْنانهم ( استهلكوا) طيلة عشرين سنة أو أكثر.. فمَن مِن هذا الجيل الذي هو في الشارع يعرف حقيقةً هذا الحمروش أو الإبراهيمي أو جاب الله أو بن بيتور أو سيفي أو بن بعيبش أو شلابية أو غيرهم.. ممن سكنوا مطارح الروح وغبشوا مساحات عيون هذا العمر الفتي للمجتمع الجزائري؟..
من يمكنه أن يضع الإيقونات الكبيرة في مكانها ويقول لها: “بارك الله فيكم.. مشكورين.. قدمتم ما كان عليكم أن تقدموه.. نريدكم أن تستريحوا وتنعموا بوقت من السلام المريح بعد مشاوير التعب والركض والنضال، ولا نريد أن نقدسكم، ولا أن نضعكم في مقامات أسطورية وخرافية لا تمس ولا تلمس، بل نحترمكم فأنتم بتاريخكم شرفتم الوطن وأعليتم من شأنه، وعلينا الآن أن نمضي في طريقنا الجديد كي لا نهلك عقولنا ونعطل وعينا ونبلـّد نظرتنا ونكلس خطوتنا”..
قد يعرفونهم صحيح ولكن هذه المعرفة لا تتعدى صور مركبة معلبة متناثرة في الكتب، في الإعلام، في النت، في الصحف، وفي وسائط أخرى.. وها هي نفس الآلة تريد أن تستفرد بالحراك وتجترح لهم إن لم تكن نفس الوجود فأراهيط أخرى بــ: “لوك” جديد، ونظارات شمسية حارقة، وشعرٍ مصفوف  ملمع بــ “لبريونتنيل”.
ويحذر زمال قائلا: لا يجب على العسكر أن يرتاب من جيل جديد يمكن أن يلتقطه من هذا الحراك الطافح بهم.. ولا يجب على الجيل الجديد أن يخشى من عسكر قد يفوقه ذكاء وخبرة.. يحتاج الأمر إلى خيال مكثف ويد ثقيلة بقفازات ناعمة تمتد بينهما بلا خلفيات مشككة أو نظرات ضيقة، لكي يخطو الحوار نحو دروب وسبل تخرج بالبلاد من وهم الحلم إلى واقعية الفعل
وبالنسبة للندوة، ومن باب ما هو معروف على الساحة الإعلامية بالضرورة، ألاحظ إن التجمعات والتيارات الفرنكو لائكية والبربرية لم تشارك في الندوة، وأعلن الأمين العام لحزب لائكي أمام علم وطني بجانبه علم “جاك بينيت” تحفظ حزبه على المشاركة.
لكن بعض العناصر المرتبطة بتلك التوجهات أو المتحالفة معها كانت مشاركة بكل قواها في الأشغال، وأترك التفسير والتبرير والاستنتاج لمن يريد، وبغض النظر عن أن هناك اتهامات بوجود من يمسكون العصا من الوسط.
ونقلت “رأي اليوم” عنوان جريدة ” الخبر ” الخاصة على صفحتها الأولى، والذي جاء فيه: ” ندوة المعارضة تطالب بإبعاد رموز نظام بو تفليقة من تنظيم الانتخابات- 18 حزبا يرسمون مطالب الحراك في أرضية الانتقال الديمقراطي “ (المقصود على وجه التحديد هو حزب جبهة التحرير الوطني وربما أيضا عناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي يُشكل تجاهلها ضعفا في تقييم الوضعية العامة، وهو منطق إقصائي في تجمع يحمل عنوان : المنتدى الوطني للحوار، وليس المنتدى الحزبي أو الفكري للحوار، وربما كان هذا المنطق من أسباب الفتور الشعبي الذي قوبل به المنتدى)
وبالطبع، فإن رقم 18 قد يهز أعصاب القارئ، الذي لا يعرف بيت الشعر القائل: ألقاب مملكة في غير موضعها الخ، لكن حمري بحري يُعلق قائلا:
معارضة الواجهة على مدى عشرين سنة تجتمع اليوم للتموقع من جديد في الساحة السياسية والوصول إلى تقاسم السلطة مع السلطة.
ويقول محمد الزاوي: ليس بأمثال بونجمة ورباعيين وبوعشة (زعماء حزيبات يُطلق عليها أحزاب وزارة الداخلية، لأن وجودهم مرتبط بتصريح الوزارة لهم بإنشاء الحزب) وأمثاله من الأرانب، يمكن أن يكون التوافق السياسي، وهكذا فإن المنتدى الوطني للحوار يعيد إنتاج من جاؤوا من مخابر العربي بلخير وتوفيق وبوتفليقة.
وهنا يتساءل بعض المعلقين بمكر واضح عمّن موّل التجمع الكبير، وعن خلفية تصريح السلطات بعقده في فندق عام تابع للدولة وليس في مقر حزبي لا يحتاج لتصريح خاص من وزارة الداخلية، بل ويتساءل حسان زهار عن دعوات ملتقى الحوار الوطني.. من طبعها ومن أشرف على إرسالها؟.
ويقول سليمان بخليلي:

  حضرتُ صباح اليوم جانباً من أشغال المنتدى الوطني للحوار احتراماً وإكباراً لمن تكرّموا بدعوتي (..).
    • التنظيم للأسف يكاد يكون منعدماً ، والسيد رحابي لم يكن متحكماً كما ينبغي في إدارة الأشغال التي تأخر انطلاقها عن موعدها بقرابة ثلاث ساعات.
    وأنا أهمّ بالانصراف بعد نصف ساعة من انطلاق الأشغال بعد منتصف النهار، أخبرني أحد المنظمين أن حضوري في الفترة المسائية ضروري لأنني مبرمج لإلقاء كلمة فاعتذرت له بسبب التزاماتٍ أخرى ، ولحسن الحظ أنني لم أعد، فقد بلغني أن الحابل اختلط بالنابل ( بعد عودة عدد محدود من المشاركين في فترة المساء ) ومنحت الكلمة لمن هبّ ودب ، بينما كانت القاعة شبه فارغة بعد أن انصرف المؤتمرون وتركوا رحابي وحيداً مع ( المتكلمين ) !
ويُعلق حمري بحري قائلا: من الذي جمع كل هذه الوجوه التي تجاوز عددها أكثر من خمسمائة شخص داخل قاعة بحجم ملعب.
 الحوار لا يتطلب كل هذا العدد، الحوار يتطلب مجموعة ممن نستأنس فيهم رجاحة العقل وبعد النظر، وممن لم تكن لهم مساهمة بأي شكل من الأشكال في “استمرارية” نظام بوتفليقة على مدى عشرين سنة.
الحوار الذي نأمله هو الحوار الذي يقوده صناع الأفكار داخل المجتمع وهي غير موجودة في الأحزاب ولا في جمعيات المجتمع المدني التي كانت أداة فعالة تستعملها وزارة الداخلية في الانتخابات السابقة المزورة، وعليه فنحن مع الحوار لكن مع من يحسن الحوار والدفع به لتجاوز عدم الثقة بين جميع الأطراف مما يسمح بالتنازلات من الجميع من اجل مصلحة الوطن لا غير.
وبغض النظر عن بعض الملاحظات على بيان المنتدى الوطني للحوار، إلا إني أتصور أن أهم منجزاته هو عزل ما يسمى بقوى “البديل الديمقراطي” البربريستية، واعتبارها قوة مارقة، خارجة عن الإجماع الوطني.
 ويختتم محمد علال التعليقات قائلا: بوادر فشل ذريع لمنتدى الحوار الوطني، رحابي يعلن انسحابه من دور المنسق، ولخضر بن خلاف يهاجمه في حوار صحفي قال فيه :”لم نُعين رحابي منسقا، بل موزع كلمات”، و قد مضى بن خلاف إلى أبعد من ذلك في هجومه، متحدثا عن “مؤامرات رحابي”.
و”ما بني على باطل فهو باطل”، هكذا ينتهي “الحوار الوطني” رسميا إلى “اللا حدث”، دون تحديد موعد جديد للقاء، و قد “قضت السلطة منه وطرا”.
ولست أدري على أي أساس اعتمد محمد علال في هذا الحكم، خصوصا وأن المنتدى لم يُشر بشكل مباشر لخطاب رئيس الدولة، اللهم إلا إذا كان ذلك يعني بأن المنتدى، بتشكيلته التي تمت، لا يمكن أن يدّعي أنه يمثل إرادة الشعب الجزائري، وأنه لا يعدو أن يكون منبرا تبارى فيه الخطباء، وخرج ببيان ختامي، أُلْغِيَ تحت مبرر فتح الباب أمام قوى سياسية أخرى وباقي أطياف المعارضة للمشاركة فيه.
وإذا كان ما ذهب إليه محمد يعني أن وطر السلطة كان إثبات عدم جدية المعارضة، وعدم صدق تمثيلها للحراك الشعبي، يُمكن أن أقول بأن الندوة مرت فعلا وكأنها لا حدث، وهي لم تقدم ميكانيزمات محددة للخروج من الأزمة، ولم تندد بهجوم بعض العناصر البذيء على قيادة المؤسسة العسكرية، ولم تقل كلمة واحدة تستهجن رفع علم ضرار بجانب العلم الوطني، ومن هنا رأى كثيرون أنها تفقد صفة “الوطني”، برغم أن البيان المقترح كان يحمل تمسكا لفظيا واضحا بمبادئ ثورة نوفمبر وبالوحدة الوطنية وبدور القوات المسلحة.
وأنا ممن يرون أن من أسباب ضعف المنتدى غياب أسماء شخصيات لها قيمتها على الساحة الوطنية من أمثال طالب الإبراهيمي ومولود حمروش وأحمد بن بيتور ويوسف خطيب وسيد أحمد غزالي وجميلة بو حيرد (وبغض النظر عمن دُعِيَ ولم يستجب)
ولعلي أضيف إلى السلبيات محاولة بعض المشاركين في الندوة ، ومنهم قيادات إسلامية معروفة بالبلاغيات الخطابية، استمالة بعض عناصر الشارع بتصريحات متلفزة طالبت بإطلاق سراح معتقلي الرأي، في حين أن من المعروف أن المعتقلين متهمون بجرائم اقتصادية مؤكدة.
وفُهم أن المقصود على وجه التحديد هو الأخضر بو رقعة، وبدا ذلك محاولة لاستمالة توجهات معينة على الساحة السياسية.
آخر كلام
*   –   مرة أخرى تثبت التطورات أن في الجزائر دولة قائمة، تتخذ فيها القرارات بكل موضوعية وحكمة، كما يتأكد أن ادعاءات الشغور والتظاهرات المفبركة هي مجرد محاولات فاشلة من أقليات حزبية وإيديولوجية تعمل لانتزاع مواقع قيادية بدون سند دستوري، وبعيدا عن الإرادة الشعبية الحقيقية التي يترجمها صندوق الانتخابات.
وهكذا جري انتخاب رئيس للمجلس الوطني بكل هدوء، وحدث أن كان سليمان شنين من أحزاب الأقلية، ويواصل رئيس الدولة القيام بمهامه طبقا لنص دستوري واضح وصريح، وتتواصل أنشطة الدولة بكل ثبات في كل المجالات، ويثبت الشعب عبر كل ولايات الوطن أنه لا يخدع بهتافات “حرّة ديموقراطية” وهي صيحات حق يراد بها باطل، لأن من ينادون بها يرفضون الديموقراطية الحقيقية التي تتجسد في التكامل الوطني بين الأغلبية والأقلية.
وكان خطاب رئيس الأركان هذه المرة أكثر عنفا تجاه من يرددون شعارا “دولة مدنية لا عسكرية” حيث حرص على أن يفضح نفاقهم بشكل أكثر وضوحا، فقد كانوا هم من ارتضوا أن يكونوا مخلب قط لحكم عسكري عرفته البلاد في بداية التسعينيات، وحظي بمباركة ودعم السلطات الفرنسية، وكان منطلقا لعشرية دموية دفعت فيها الجزائر عشرات الآلاف من الضحايا ومئات الملايير من قوت الشعب، في حين أن المؤسسة العسكرية ترفض اليوم الانحراف عن المسار الديموقراطي الذي يجسده احترام الدستور، وترفض الوقوع في الفخ الذي يبدو أن الأشقاء في السودان وقعوا فيه.
–   هذه الأحاديث التي تحتضنها “رأي اليوم” مشكورة استقطبت تعليقات رافضة لبعض ما أتناوله، وكان من التعليقات ما كاد يكون مقالات كاملة، لكن مصداقيتها كانت محدودة نتيجة استعمالها للتوقيعات المستعارة، وكنت أتمنى لو أرسل الغاضبون سطورهم على شكل أحاديث بالشكل الذي يمكن أن تنشره صحيفة محترمة، وبتوقيعات كاملة وبصور شخصية، وأنا على استعداد لأتراجع عن أي رأي يثبت لي تسرعه أو أي معلومة أكون أخطأت في الاستشهاد بها أو أي حكم لا يستند إلى معطيات موثقة وثابتة.
وفي غير هذا تظل تلك التعليقات مجرد “فشة خلق”، كما يقول أصدقاؤنا اللبنانيون.
دكتور محيي الدين عميمور - مفكر ووزير اعلام جزائري سابق
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال