القصيدة بيت الشاعر والكلمات حياته المبذولة في الورق

القصيدة هي الفراشة التي خرجت من صمت الورقة (لوحة للفنان سمير الصفدي)
أفكار وخواطر في حياة الشعر وموت الشعراء.
 الشعراء يرحلون والقصائد تبقى، القصائد هي الأعطيات الباهرة لمغامرة الشعراء مع الكلمات. فيا لقوة القصيدة، ويا لضعف الشاعر.
ما بعد المغامرة لا يملك الشاعر سوى الصمت. سوى الإمعان في الإنصات إلى أسرار الوجود في حركة ما هو مرئي، وفي الظلال التي يتركها اللامرئي في المخيلة.
الصمت ورقة الشاعر، والكلمات هي حياته المبذولة في الورق لأجل كتابة قصيدة. كل سطر في القصيدة، إذن، هو خطوة نحو الموت. فما أن يتم الشاعر بناء قصيدته، حتى يكون قد أتم المهمة.
يخرج الشاعر، بجسد فان، من زمن الحركة إلى زمن السكون. ومن الوجود إلى العدم. ليسكن أخيراً في تراب القصيدة.
في الصمت يكتب الشاعر قصيدته، وما أن يتم الكتابة حتى يعود إلى مقعده في الصمت.
القصيدة هي الفراشة التي خرجت من صمت الورقة، والمسافة المضطربة بين الوجود والعدم.
***
هل الجمال، إذن، غير اقتناص قبض الريح، وهل الشعر غير المسافة الأليمة في الرحلة التي لا وصول معها إلا إلى الحيرة.
***
يسمّي الشعراء القصيدة محاولة، والشعر مغامرة.. لذلك فإنّ الشعر نفسه ليس شعرا ولكنه فكرتنا عن الشعر، ومحاولتنا أن نكون أصواتَ الوجود في كيان هو القصيدة، ومغامرون هم الشعراء.
فكيف نعرف الشعر بعد ذلك، والشعر زائغ مراوغ متغير أبداً. لا يقرّ على حال، ولا ينتهي إلى تجلّ إلا ليفارق صورته تلك ويتحول إلى تجلّ آخر وصور أخرى. ربما بحثاً عن جوهر ما، ومعنى ما، إنما من دونما يقين نهائي. ودائما في غمرة السؤال الفلسفي، ومغامرة البحث عن الذات وعن معنى للوجود الإنساني.
***
يفرح الشاعر بشعره لكي يريح القلم من الكتابة، يكتب ليتخلص من شكوكه وعذاباته فتراه بعد ذلك مؤبدها في نصوص مكتوبة.
***
لمَ ينبغي على الشاعر أن يكون ذلك الحزين المعذّب وهو في ذروة حالة من الفرح لمجرد شعوره بأن هذا الفرح زائل سلفا حتى من قبل أن يشع..؟!
يحب الشاعر قصائده ويكرهها فهي مرات تتقافز به في أرض النور، ومرات تتقهقر به نحو الكهف الذي ظن أنه تحرّر من ظلامه الدامس. وفي مرات أخرى تحرِّره من الألم وتفيض به في نشوة غريبة تتفوق على أسبابها الكامنة في ألم روحي مقيم.
***
كثيراً ما يشفق الشاعر على قرّاء شعره من ضوء الألم الذي فيه، وكأنّ لسان حاله يقول لهم ما لكم وهذا الشيء الكئيب، الكاسر، المعذب، حتى وإن يكن جميلا أو يبدو عميق الغور في جماله وثرائه. أو ليست الحياة البسيطة، الحياة الخفيفة الهانئة، اللطيفة هي ما يطمح إليه الإنسان المفتون بجمالها المصور؟
***
الشعر أمل يائس.
لمَ ينبغي على الشاعر أن يكون ذلك الحزين المعذّب وهو في ذروة حالة من الفرح لمجرد شعوره بأن هذا الفرح زائل سلفا حتى من قبل أن يشع..؟!
يتفكر الشاعر: لمَ علي ان أكون ذلك المتأمل الزوال في الجمال بينما هو جمال مشع، مضيء، لاعب في دلالٍ مغر؟
لكنني أبداً أنفذ من ذلك الضوء إلى جهة العطب.
شيء معذب أن نرى الجمال وعطبه، الجمال وفناءه معا في اللحظة نفسها. الحب وضياعه. المحبوب وغيابه الفادح معاً.
كأني بهما خلقا في يوم واحد، ولن يبقيا حيث قيّض لهما أن يكونا إلا يوما واحدا هو يوم القصيدة. وحياتها الكاملة.
***
الوجود هو كتاب المعرفة والبشر حروف هذا الكتاب.
***
في الصمت يكتب الشاعر قصيدته، وما أن يتم الكتابة حتى يعود إلى مقعده في الصمت
لطالما فكرت على النحو التالي: القصيدة موقف فلسفي من العالم، موقف رؤيوي من الوجود. لا أدري ما هو السبب الجوهري في هذا الإهمال أهو كامن في ضعف الشعر، أم في ضعف ثقافة الشاعر ووعيه بظاهرة الشعر وبالصنيع الشعري، وموقعه، تالياً، من هذه الكينونة المتصلة. يخيل إليّ أن القصيدة التي لا تنتج رؤيا خاصة بها هي قصيدة ولدت بلا رأس. إنها القصيدة مقطوعة الرأس.
***
لماذا تفضّل الجموع في مرات سطح الفكرة لا عمقها العميق.
***
لا يتوقف الشاعر عن التفكّر بالموت، فالموت والحياة رفيقان للشاعر في كل سطر، وكل خطوة، وكل انتباهة. أعود إلى مفكرتي وأقرأ: كنت أحب أن أموت شابا لتكون لي أسطورة ما، والآن، فلأمت متى ما مت ولكن هل من أمل أن يبقى شعري نضراً ووسيما كشاب لعوب؟!
إنها الأسئلة التي يفتح بها الشاعر كتاب الوجود، وبها يفتح أبواب عالمه غرفة غرفة، بحثاً عن الأسرار التي طالما أدهشه أن يكون الشعر لها أرضا وسماء، والقصيدة حديقتها المعلقة.
***
يرحل الشعراء وتبقى القصيدة فالقصيدة بيت الشاعر. ولا بيت آخر للشاعر سوى القصيدة.
نوري الجراح - شاعر سوري مقيم في لندن

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال