الثورة المضادة في مصر.. درس للحراك الجزائري

نشرت في سبتمبر الماضي مقالة إستشرافية بعنوان " الجزائر على خطى مصر2011" أين تنبأت بحدودث هذا الحراك الجزائري اليوم، وقد أنطلقت في ذلك من ملاحظتنا مدى التشابه في مسار النظامين الجزائري والمصري بحكم البنية التأسيسية الواحدة فيما بينهما، وأن ما يقع في مصر يتكرر في الجزائر بعد ثماني إلى عشر سنوات، وقد وضحت ذلك في المقالة آنذاك، ومما قلته "أنه بسبب الوضع الحالي المتردي وهبوط أسعار النفط، يمكن أن يقع أمر شبيه بمصر عام 2011، ويتم إستغلال ذلك من أطراف للتخلص من بوتفليقة والمقربين منه، وما يدفعنا إلى ذلك هو التشابه الكبير بين النظامين المصري والجزائري بسبب أن لهما بنية واحدة عند تأسيسهما بإختلاف زمني يقدر ببضعة سنوات فقط، ولهذا تشابه بنية النظامين ستؤدي إلى نتائج متقاربة، فلو نتتبع مسار الدولتين نلاحظ أنه كلما برزت ظاهرة في مصر ستعرفها الجزائر بعد سنوات. 
وأضفت "أنه لايمكن لنا التفصيل في التشابه بين الدولتين ونتركها لمقالة أخرى، لكن نشير أن الجزائر في 1962 تبنت النظام الناصري بكل حذافيره، بل حتى بومدين أختفى وراء بن بلة كما أختفى عبدالناصر وراء محمد نجيب، فمن المؤكد أن بومدين قد قام بذلك بسبب معرفته الدقيقة لما وقع في مصر مابين 1952و1954 حيث كان يعيش فيها آنذاك قبل إلتحاقه بالثورة التحريرية، ويمكن لنا ذكر أن مصر عاشت أحداث جانفي 1977 التي كادت أن تعصف بنظام أنور السادات، مما دفع هذا الأخير إلى فتح التعددية السياسية الشكلية، وهو نفس ماعرفته الجزائر بعد عشر سنوات تقريبا، وبالضبط في أكتوبر1988، لكن لحق بهذه الأحداث عشرية دموية في التسعينيات، وهو ما يجعل البعض يرون أن مصر لم تعرف ذلك، لكن على العكس تماما، فقد كان تلاعب السادات بالدين كما تلاعب النظام الجزائري قد أدى إلى عنف ديني أخذ حياة السادات ذاته الذي شجع التيارات الدينية للتخلص من الناصريين، كما أستغلها بن جديد للتخلص من البومدينيين، لكن لعل الفرق الوحيد أن العنف في مصر لم يأخذ أبعادا كبيرة مثل الجزائر في التسعينيات، ويفسر ذلك بإختلاف طبيعة المجتمعين الجزائري والمصري، فالمجتمع الجزائري يغلب عليه طابع العنف والثورة والتمرد على عكس المصري المعروف بطبيعته الهادئة المغطاة بالنكتة، فحتى عند مقاومة الإستعمارات لدى الشعبين نلاحظ غلبة العنف الثوري لدى لجزائريين سواء ضد الإستعمار الروماني في القديم أو الفرنسي في القرن 20م على عكس المصريين.
فكما عرفت مصر ظاهرة الفساد وظهور المليارديرات الذين أصبحوا يتحكمون في مسار الدولة، خاصة في عهد مبارك، فإن الجزائر تعرف نفس الظاهرة تقريبا، خاصة منذ تولي الرئيس بوتفليقة السلطة، فلا داعي لذكر المعروفين من الأوليغارشية المالية الذين وضعوا في الواجهة كعلي حداد، لكن لما لايتكلم الشعب عن الأشد تأثيرا مثل كونيناف القريب جدا من بوتفليقة قبليا وعائليا دون ذكر أسماء عديدة أخرى."
حددت في هذه المقالة الأسباب والمؤشرات الممهدة لهذا الحراك الذي وقع بعد شهور فقط من تنبأنا به، لكن لم نتتبع في المقالة الثورة المضادة في مصر آنذاك، وهو مايتطلب منا اليوم العودة إليها لمعرفة أوجه التشابه بيم ماوقع في مصر منذ2011 وما يحدث في الجزائر منذ 22فيفري2019، وليس الهدف من ذلك هو القول بأنه ستقع ثورة مضادة ناجحة في الجزائر، ولو أن معالمها بدأت تظهر بقوة، بل التنبه إلى ذلك لتجنبها، فماركس يقول أن التاريخ لايتكرر، لكن عدم تكراره يتطلب دراسته والقيام بمقارنات بين أحداث الماضي والحاضر للإستفادة منها، وعلى رأسها تجنب الأخطاء التي وقعت كما يقول الدبلومسي الأمريكي هنري كيسنجر.
نعرف كلنا أن الثورة المضادة في مصر قد بدأت في خضم الثورة ضدها عندما انقسم المتظاهرون إلى طرفين في موقفهم حول الدستور، فهناك شباب الثورة الذي كان يغلب عليهم القوى الحداثية والديمقراطية كانوا يطالبون بتغيير جذري للنظام بوضع دستور جديد للبلاد يؤسس لجمهورية جديدة، ويقيم قطيعة نهائية مع النظام الذي أسسه الضباط الأحرار في 1952 والمتميز بتأثير كبير للجيش المصري فيه أين أحتكرت قيادته العليا إختيار الرؤساء وتعيين المسؤولين والتحكم في القرارات الكبرى، وقد رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة أي تغيير في طبيعة هذا النظام، ويتكون هذا المجلس من 25 عضو، وهم من القادة الكبار للجيش الذي اخذ السلطة مباشرة بعد تنحية مبارك، وكان بقيادة المشير الطنطاوي وزير الدفاع المعروف بتملقه الثورة المصرية بهدف إحتوائها، ونجد ضمن عضويته قائد الأركان عنان، وكذلك مسؤول المخابرات عبدالفتاح السيسي الذي عوض عمر سليمان الذي عينه مبارك كنائب له، ومن الأمور الغريبة آنذاك هو الترويج بأن السيسي "جد متدين" و"حافظ لكتاب الله" و"قريب من الإسلاميين"، مما جعل الإخواني محمد مرسي يعينه كوزير للدفاع بعد فوزه في الإنتخابات الرئاسية.
رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة فكرة دستور جديد خوفا من نهاية حكم العسكر في مصر، وفضل الإنطلاق من الدستور القديم، وأيده في ذلك بشكل كبير الإخوان المسلمين، وكذلك السلفيين معتقدين أن العمل بالدستور القديم، سيسمح لهم بالفوز في الإنتخابات، لكن أنقلب الجيش على محمد مرسي مباشرة بعد وصوله لرئاسة مصر، ويعود السبب الرئيسي لهذا الإنقلاب في جويلية2013 الذي دعمته قوى أخرى إلى عدم وجود عقد وطني بين مختلف القوى السياسية والثقافية والأيديولوجية في مصر، والذي كان كفيل بزرع الثقة فيما بينها وعدم المساس بالمباديء والقيم لديمقراطية، ويجب أن ينبثق الدستور الجديد للدولة عن هذا العقد أين ستكون مصر لجميع المصريين مهما كانت نتائج أي إنتخابات.
أن تحالف الأخوان والسلفيين مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، خاصة في فكرة عدم وضع دستور جديد يحدث قطيعة جذرية مع النظام القديم هي التي كانت وراء نجاح الثورة المضادة آنذاك، فدفع كل المصريين ثمنا غاليا، وعادت مصر في عهد السيسي إلى وضع أسوأ من عهد مبارك، والمفارقة أن أكبر من دفع الثمن هم الذين أيدوا المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
فعلى الجزائريين أن يحفظوا هذا الدرس جيدا، خاصة الذين وقعوا في لعبة خطيرة للقيام بثورة مضادة، كما أن فشل الحراك الجزائري سيؤدي إلى إنتقام كبير من الشعب وإمكانية كبيرة لإنقسام الجزائر نهائيا، وممكن أن تنفصل منطقة القبائل لأن من الأساليب الخبيثة التي يستخدمها النظام لضرب الحراك وتكسيره هي سياسة "فرق تسد" معتمدا على أشخاص معروفون بعدائهم للمنطقة، وينطلقون في ذلك من عنصرية مقيتة لا غير، إضافة إلى توظيف النظام لأشخاص من المنطقة لهم أيضا مواقف متطرفة وإنفصالية يفسرها بعض الأكاديميين بأنها جاءت كرد فعل على هذه الممارسات العنصرية، ففشل الحراك الجزائري سيقوي هؤلاء الإنفصاليين أكثر، فنجاح الحراك في مساعيه معناه تمتين للوحدة الوطنية، وسيعزل، بل سيقضي نهائيا على الإنفصاليين الذين يروجون بأن الجزائريين الآخرين هم الذين يقفون مع النظام منذ 1962 وضد نضالات المنطقة ضد المجموعة التي سرقت الثورة الجزائرية في 1962 بعد إنقلاب على مؤسساتها الشرعية.
البروفسور رابح لونيسي
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال