انتفاضة النفس الطويل في #السودان.. جذور وسمات وآفاق

انتفض الشعب السوداني أربعة أشهر، قبل أن تخلع قيادة الجيش الرئيس عمر البشير يوم 11 إبريل/ نيسان 2019، ما يجعل انتفاضته وبجدارة انتفاضة النفس الطويل، والتي ستصبح، بحكم سماتها، وظروف تشكلها وأدواتها وقدرتها على الصمود والتواصل والتوسع فى مظاهر الحراك، نموذجاً يدرس للحركات الاجتماعية الجديدة، والتي بحكم تراكماتها الممتدة كمياً تفضي إلى تحوّل كيفي، متمثل في الانتفاضة الشعبية مقدمة للثورة.
فتحت الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة الباب لتكرار الحراك نفسه في موجة أوسع مما وصفت بأنها موجة عربية جديدة، لأن تأثير انتفاضة السودان سيمتد إلى العمق الأفريقي، كما أنها نموذج يتحدّى ليس وحسب نظاماً مغلقاً سياسياً، ومحافظاً دينياً، بل وأيضاً نموذجاً مركباً من العسكرة والبوليسية وحكم الفرد الذي تتحلق حوله مجموعات المصالح، وهي خصائص نظم أفريقية عديدة.
ليس صمود الجماهير السودانية المتواصل أربعة أشهر وحده الملفت ضمن سمات انتفاضة السودان، إذ تتميز هذه الانتفاضة بأنها تحول نوعي، من حيث طبيعة قيادتها، والتي جمعت بين نموذج قيادي يضم المكون الاجتماعي الطبقي والسياسي في آن واحد، المتمثل في "تجمع المهنيين السودانيين"، وهو تطور لشكل القيادة في انتفاضاتٍ سابقة، ساهم فيها النقابيون، كما أنها حفرت طريقها في الجريان والفوران والانطلاق في ظل تجاهل ملحوظ ومقصود من القوى الإقليمية والدولية، والتي لم تعبر عن أي مواقف تجاه شعب ينتفض أربعة أشهر (وربما ثماني سنوات)، إلا حين انتصر السودانيون في جولتهم الأولى، واستعادوا شوارع السودان، وأسقطوا البشير. 
وقد عانى الحراك السوداني، ثلاثة أشهر على الأقل، من تجاهل أغلب وسائل الإعلام العربية، ووسائل إعلام غربية كثيرة، ما أفقد الانتفاضة قدرتها على التعبير عن نفسها، إعلامياً عربياً ودولياً، إلا في حدود ما سمحت به وسائل الإعلام الجديد التفاعلي عبر "تويتر" و"فيسبوك" و"يوتيوب" وغيرها. كما لم تجد انتفاضة السودان من جيرانها العرب والأفارقة سوى التجاهل، وفي بعض الأحيان التآمر، ما دفع السودانيين إلى أطرهم الإعلامية، والاعتماد كثيراً على وسائل الإعلام الإلكتروني، والذي مثل إعلاماً بديلاً، والاعتماد على أنفسهم، من دون انتظار تأييد عربي أو دولي من حكوماتٍ تنتظر سقوط البشير أولاً، لتعلن ترحيبها بنضال "الشعب"، متمنية له الاستقرار. كان السودانيون بمفردهم تقريباً، من دون ردود وأصداء تتناسب مع حراكهم، لم يغير هذا المشهد إلا متابعة وتضامن الثوريين المهزومين سابقاً، أو المتعثرين في خطواتهم، أو من ينتظرون فرصة مماثلة للتغيير.
الموقف الدولي والإقليمي
كانت أغلب الأطراف العربية والإقليمية تراهن على انتصار النظام وهزيمة الحراك، كما حدث من 2013 إلى 2016، وخصوصاً التي تربطها بالبشير علاقات سياسية واقتصادية، أو التي تخشى نتائج الانتفاضة، بما فيها من فرص تكرّرها في دول أخرى. تجاهلت هذه الدول حراك الشعب، بل ولجأ بعضها إلى طمأنة النظام، ومد يد العون إليه بطرق مختلفة، اقتصادياً وسياسياً واستخباراتياً.
جاءت انتفاضة السودان في ظرف دولي لم تعد فيه الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، مهتمة بأي حراك عربي، يسعى إلى تغير النظم القائمة. وجد الطرفان، في المرحلة الأولى من الانتفاضات العربية، ما يخيفها على مستويات عديدة، بعدما رحبت بعضها، وفقاً ما تعلنه من مفاهيم "دعم الديمقراطية"، فهناك أصواتٌ سياسيةٌ، هاجمت الطرفين في الجولة الأولى، بالإضافة إلى خوفهما من احتمالات وقوع حالةٍ من عدم الاستقرار مستقبلاً، تمثل تحدياتٍ لهما، منها تدفق دفعات جديدة من المهاجرين، واحتمالات ولادة أنظمة جديدة، لا يسهل التعامل معها وبناء جسور تواصل تحفظ مصالح الطرفين.
في انتصار للحراك السوداني في جولته الأولى، وعزل البشير وعوض بن عوف في يومين متتالين، أعلنت القوى الدولية (أميركا وأغلب دول أوروبا) مطلبها احترام حقوق الإنسان، وتسليم السلطة في فترة أقصر لحكومة مدنية، بينما بحثت أطراف عربية عن موضع قدم وأطراف سياسية تحفظ مصالحها، والتوازنات الإقليمية القائمة، لكن مجملها لم يكن ضد النظام، ولا يستطيع ادعاء ذلك بأي صورة.
تسقط هنا مسألة المراهنة على قوى خارجية لدعم الحراك العربي، وتعطينا التجارب درساً أساسياً على المستوى العملي ومستوى التحليل، ذلك أن فاعلية الأطراف الدولية وأدوارها تتلاشى، ويقل أثرها مع بزوغ الحراك وقوة الانتفاضة، وتعد هامشية التأثير (طالما لم تتم عسكرة الانتفاضات)، وهذا ما لا بد أن يؤخذ في الاعتبار دوماً، أن حراك الشعوب وقوته وشعاراته هي الأساس في تشكل المواقف السياسية على المستويات المحلي والإقليمي والدولي، وهو ما يحدّد خطابها، وليس العكس كما يفعل باحثون ومحللون كثيرون، من المشهد الدولي، ليحددوا مسار المشهد المحلي وتطوراته، أي أن تأثير العلاقات والأطراف الدولية يتناسب عكسياً مع قوة الحراك وصوت الفاعلين المحليين في لحظات الانتفاضة، ولا يمكن أن يشكل ثورةً، أو يكون دافعاً لها، بل على العكس، الأساس في تحليل ردود الأفعال ينطلق مما يجري على الأرض. ولذلك، فإن التحليل، المنطلق أولاً من بنية العلاقات الدولية والإقليمية، لم يعد صحيحاً في زمن الانتفاضات الجماهيرية، لتحديد مسار الحركات الاجتماعية والانتفاضات، وهذا أيضاً لا يلغي أثر الفاعلين الدوليين، ومحاولتهم تطويع الحراك لمصالحهم، ودعم بعض الأطراف السياسية من أجل ذلك، وهو ما ينطبق مع السودان مستقبلاً.
وقد بدت تلك التدخلات واضحة بعد سقوط البشير، فقد حاولت أطراف عربية استمالة بعض مكونات المجلس العسكري، خصوصاً التي تربطها معها صلات سابقة، بحكم العلاقات العسكرية والملفات الاقتصادية، وهناك علاقات توثقت مع مكونات نظام البشير، لا سيما وأن قوة من الجيش السوداني تشارك في حرب السعودية والإمارات على اليمن.
تاريخ من الانتفاضات والانقلابات
قدم الشعب السوداني، عبر عشرات السنين، تضحيات كبرى في صراعه المستمر مع السلطات المتعاقبة، من أجل الديمقراطية والعدالة، سجناء ومعذبين ومهجرين. وهو صاحب أقدم انتفاضة ديمقراطية عربية خلال ثورة 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود الذي جاء إلى السلطة في انقلاب عسكري في 1958، وبعدها توالت الانتفاضات والانقلابات، أبرزها انقلاب جعفر النميري (مايو/ أيار 1969)، والتي شهدت فترة حكمه (1969 - 1985) أربع محاولات انقلاب، ثم انتفاضة إبريل 1985 والانقلاب عليها في 1989 بقيادة تحالف الإسلاميين (حزب الجبهة القومية بقيادة حسن الترابي) والعسكريين التي جاءت بالبشير إلى الحكم ليستمر ثلاثين عاماً، لم تمر من دون محاولات انقلابات، على الرغم مما أصاب الجيش من تدجين وأسلمة وتطويع وإفساد. ولم تتوقف الحركات المعارضة الثورية والمسلحة من مواجهة النظام خلال التسعينيات وما تلاها، أبرزها الحراك السياسي الذي تلا موجة الانتفاضات العربية.
شهد السودان حراكاً سياسياً تنوّع في قوته خلال سنوات (2011-2013)، كانت مظاهرات (أو انتفاضة) سبتمبر/ أيلول 2013 الأقوى، سقط فيها عدد يزيد عن مجمل ضحايا ثورة ديسمبر 2018 (ما يزيد عن مئتين) غير مئات المصابين إصابات بالغة، وما يزيد عن ألف معتقل. وشهد السودان أيضاً محطات متتالية للتظاهر من عام 2016 وحتى انطلاقة انتفاضة ديسمبر 2018، والتي سقط البشير في غضونها، بتدخل الجيش، في 11 إبريل/ نيسان الحالي، وما زالت في حالة صيرورة من أجل تحقيق مطالبها في التغيير الشامل، وتجاوز محاولات الالتفاف على مطالبها، سواء بتغير شكلي في النظام، عبر ما اعتبره أغلب المحتجين "انقلاب قصر"، أو خطابات عاطفية من المجلس العسكري، أو ما سيلي ذلك من محاولات تفريق القوى الثورية، وتحييد بعضها، واستيعاب أخرى، وإجهاض القوى الراديكالية في صفوفها التي لا تقبل التفاوض على المطالب الأساسية.
وقبل انتفاضات الربيع العربي وثوراته، شهد السودان أيضاً حراكاً سياسياً ومهنياً مطالباً بالتغيير، تنوّع في قوته، لكنه كان مؤشراً على نهوض قوى شبابية وعمالية جديدة، وانضمامها إلى حركة المعارضة التقليدية، وتلك القوى هي روافد مهمة لحراك ديسمبر 2018، إذ تشكل أغلب قيادات الحراك الحالي ميدانياً من قيادات وسيطة وشبابية، وكوادر سياسية تفتّح وعيها في فترات سابقة عن الانتفاضات العربية.
جدل منطلقات الحراك 
هناك علاقات جدل وتشابك بين منطلقات الحراك الثوري في السودان، وخصوصاً منطلقاتها السياسية والاقتصادية والوطنية، كانت هبة سبتمبر 2013 نموذجاً تشابك فيه الاقتصادي مع السياسي والثقافي، فولد الحراك الذي اتصف بالقوة، من حيث الحشد والتعبئة وشجاعة المتظاهرين، ما أربك أجهزة الأمن التي مارست جرائم التعذيب والقتل في الشوارع، في مشاهد كانت تتصف بالعنف والهمجية، رؤوس مشقوقة بالسيوف ومضروبة بالخيزران والرصاص من القوات النظامية ومليشيات النظام، منها قوات الدعم السريع، وكذلك تنوع المشاركين في انتفاضة ديسمبر 2018 من فئات شعبية مفقرة، وأطياف سياسية وحركات شبابية وطلابية، اندلعت على إثر تصاعد إجراءات التحرير الاقتصادي، والذي تضمن ارتفاعاً في أسعار الوقود والخدمات، فكان البعد الاقتصادي دافعاً لمشاركة واسعة، خصوصاً مع تراكم جرائم النظام، من حيث خوضه حروباً في مناطق عدة في السودان، أبرزها جرائم ارتكبت في إقليم دارفور، وما سبقها من سياساتٍ عنصرية ضد مناطق الجنوب، ما أدى إلى انفصال جنوب السودان، وهذا كرّس أزمة النظام اقتصادياً نتاج خسارة أحد موارده الاقتصادية، المتمثلة في عوائد البترول، وكذلك خسارة عمق تأثيره وعلاقاته المتنوعة مع دول الجوار جنوباً.
ومع استمرار النمط السلطوي القمعي، والتمييز العنصري الذي اتخذ من شعارات العروبة والإسلام منطلقاً له، ومن فساد الإدارة وسياسات النهب منهجاً، ومع تعمق الأزمة الاقتصادية، كانت الثورة تختمر. وشكلت الأبعاد والأوضاع الاقتصادية المتدهورة من ارتفاع أسعار السلع، وخصوصاً الغذائية منها، وارتفاع أسعار الخدمات، وخصوصاً الصحية والعلاجية، تراكمات لغضب شعبي. وباتت قطاعات عديدة متأزمة ومستعدة للانخراط في حراك أكبر من أنشطة الحركات السياسية، وكذلك الحركات المسلحة. وقد مثلت الأزمة الشاملة، والوضع السياسي من استبداد وسلطوية، وأزمة النمط الاقتصادي، وتفتيت السودان، وتقطيع أوصاله، منطلقات لحراك سياسي وشعبي، انطلقت منه ثورة ديسمبر 2018، ولم يتجاوز الأزمة العميقة حتى جنود الجيش المفقرون الذين انخرط عديد منهم ببسالة في الدفاع عن المعتصمين، وهدّد موقفهم هذا بانقسام الجيش، ما شكّل ضغطاً على قيادته، وساهم في اتخاذ موقف ضد البشير.
آفاق الانتفاضة 
حققت الانتفاضة نجاحات عدة، لا يمكن تهويلها ولا التقليل منها، وهى أولى خطوات النصر التي لا يمكن إنكارها بوصف أن ما تم مجرد انقلاب عسكري، فلو لم يكن الحراك قوياً وصامداً ما تجرأ الجيش على تنحية البشير واحتجازه، وأن يسجن عديداً من قيادات نظامه، في انتظار محاكمات ستحدد شكلها وجوهرها ومدى جديتها قوة الحراك في التعبير عن مطالب الشعب، عبر قواه السياسية ورموزه وتجمعاته النقابية والشعبية والسياسية.
استطاع الحراك عزل حكام الولايات، وأجبر رئيس المجلس العسكري، عوض بن عوف، على التنحي خلال ساعات، وإن كان هذا يحسبه بعضهم تكتيكاً للمجلس العسكري، إلا أنه، ومع التسليم باحتمال ذلك، نجح الحراك في أول اختبارات صموده، وفرض إرادته بتنحّي عوف، كما أن صمود المحتجين في الميادين ألغى حظر التجوال وحالة الطوارئ، ما فتح الطريق لاستمرار الاعتصام أمام القيادة العامة وتجمع السودانيين، ما يشكل جمعية عمومية شعبية، تراقب أداء المجلس، وتقرّر رضاها من عدمه، وتطرح مطالبها، وهو ما يجعل الحراك في حالة حيويةٍ وسيرورة.
نحن الآن أمام سيناريوهات مفتوحة، نظراً لوجود الحراك قوة أساسية، وعدم جاهزية القوى السياسية للاتفاق على بديلٍ لاستلام السلطة، وهو الأمر المتشابه مع كل حالات الانتفاضات والثورات العربية، والتي تطرح غالباً مجلساً انتقالياً، أو مرحلة انتقالية، تديرها حكوماتٌ تمثل كفاءاتٍ وتنوعاً، إما على المستوى التكنوقراطي، وإما يجمع بين الكفاءات الفنية والتنويع السياسي. وعلى الرغم من أن السودانيين يعتبرون في حراكهم حالةً متميزة، أعدت قوى التغيير سلسلة من أوراق العمل والوثائق حول مستقبل الحكم بعد البشير منذ 2016 (وثيقة الفجر الجديد، وإعلان الحرية والتغير، الجبهة العريضة وغيرها)، إلا أن هذه الوثائق لا تجد القوة السياسية التي تتفق على من يحملها وينفذها عن طريق الاستيلاء على السلطة، وفرض الأمر الواقع، فيدور الحراك السوداني، كغيره من الانتفاضات العربية، في أفق مطالبة ممثلي الدولة، وغالباً الجيش، في تنفيذ مطالبه.
نظراً إلى وجود تداخل بين الدولة والنظام الحاكم عربياً، فإن إمكانية أن يكون الجيش ومؤسسات الدولة راضية عن انتقال السلطة إلى القوة السياسية ليست أمراً يسيراً. ولذلك تحاول الدولة، ممثلة في قوتها الصلبة (الجيوش)، الوجود في الحكم بشكل أو بآخر، والحفاظ على مصالحها ومؤسساتها. ويفرض هذا الأمر على القوى السياسية السودانية طرح نفسها بديلاً، حتى من طرف واحد، إذ احتدمت المواجهات، وتعطلت سبل نقل السلطة في فترة انتقالية سريعة.
حين يستمر الحراك المطالب بحكومة مدنية، ستحاول السلطة (المجلس العسكري الانتقالي) تفتيت قوى الحراك، واستمالة الجزء الإصلاحي لضمه في حكومةٍ مشتركة بين المجلس العسكري وتلك الأحزاب، خصوصاً التي كانت تشارك في السلطة مع البشير. وحين يتم ذلك، ستجد قوى الحراك، ذات النزعة الراديكالية والرؤية الجذرية، نفسها معزولة من عملية التفاوض، إلا أن الرهان على أن قوة الحراك ووحدته ستقللان من حدود هذا الخيار، كما أن احتمالات تفتيت القوى الشبابية المشاركة في الحراك ستظل قائمة، وقد تتخذ من بعض الشعارات التي تدفع إلى الانقسام، بوصفها شعاراتٍ ثورية، أداة للتفتيت. وهو ما كان واضحاً في تجربة مصر، على سبيل المثال.
ويبقى أن أساس الانتفاضة، وبداية تشكلها، كان من منطلقات اقتصادية، وهذا يمثل معضلةً كبرى، إذ تحتاج معالجة الأزمة إلى ضغوط، ربما أقوى من ضغوط رحيل البشير. كما أن إصلاح الوضع الاقتصادي أيضاً يأخذ فترة، بالإضافة إلى أن وقف أبواب نزيف الاقتصاد، وخصوصاً التصدي لقوى الفساد، وهيمنة مجموعات المصالح، يحتاج أيضاً إلى قوة تنظيمية، وشعارات وبرنامج تنفذه قوى اجتماعية تصل إلى السلطة، أو تشارك فيها على الأقل، وتؤمن بحل الأزمة الاقتصادية أولوية لها، وتطرح ذلك على كل القوى. 
خبرات الانتفاضات والميادين
استطاعت قوى الحراك أن توظف خبراتها السياسية، وتجارب نضال الشعب السوداني، في ثورة ديسمبر الراهنة، بداية من تكتيك الكر والفر والنفس الطويل، مع عدم الانقطاع عن التظاهر، وأيضاً الحفاظ على السلمية (على الرغم من وجود حركات مسلحة عديدة)، كما أنها استطاعت التوافق والحفاظ على كتلة الحراك، من دون تفتيت، على الرغم من المحاولات المتكرّرة.
تعلمت أيضاً قوى الحراك السوداني من تجارب الدول العربية، خصوصاً مصر، بحكم الجغرافيا والجوار والسمات الثقافية المشتركة. وطوّرت فنون التظاهر والاعتصام والحفاظ على الصمود في الميادين، بل وتحويل ساحات الاعتصام والتظاهر إلى جامعة شعبية، ليتذكر الشعب نضاله الممتد تاريخياً منذ ثورة 1964 وحتى 2018. وقد مثلت ساحة الاعتصام مجتمعاً متكاملاً متضامناً، مشرقاً ومبهجاً بالحياة والغناء والنقاش والموسيقى. تلمح في الاعتصام جندياً يعزف على آلة "الساكس"، يتمايل مع المعتصمين وبعض من الجنود. فتيات السودان مشرقات، يعبرن عن توقهن للحرية والكرامة والمساواة. بعض من ضحايا النظام من مصابين في انتفاضات سابقة، أو ضحايا في صراع البشير ضد أهل دارفور وغيرها يشعرون بالنصر، يتمايل بعض منهم على أنغام الموسيقى والغناء. ومن فقد طرفاً من جسده، يكفيه التمايل على قدم واحدة وعكاز، كما كان يتظاهر قبل أيام، ويرفع يداً بقيت، بعد أن بترت أخرى، طلاب وأطباء ومهندسون وصحافيون ومزارعون، وعمال مهمشون قسراً، وغيرهم في جسد واحد، يستندون إلى الأمل.
حوّل كل هؤلاء، ومعهم تجمع المهنيين السودانيين، ميدان الاعتصام إلى ساحة للفن والوعي، تنشئ أرضية مشتركة بين المناضلين، على تنوعهم جهوياً وفكرياً وعمرياً، بل وطبقياً، ولو بشكل مؤقت من أجل السودان الجديد، فيصبح التنوع أداة إثراء وتماسك وتضامن.
استطاعت انتفاضة النفس الطويل في السودان إضافة خبرات جديدة، وأدوات للوعي والتنظيم للحركة الاجتماعية، ولتراث الحركة الثورية عالمياً، مستفيدةً من خبرات النضال المتنوعة في السودان، وغيرها من التجارب. ولذلك سيتخذ من اعتصام القيادة العامة، منذ 6 إبريل/ نيسان الجالي، أداة لدراسة الحركة الاجتماعية والثورية في الميادين، وتعبيراً عن ممارسة الديمقراطية المباشرة، بل سيكون الاعتصام أداة لتحليل الانتفاضات والحركات الاجتماعية من منظور التحليل الثقافي، وكيف تحول ميدانٌ للثورة إلى ميدان للحياة، يمزج فيه المشاركون بين الأحلام والآمال بالكرامة الإنسانية والعدالة والحرية بالوعي والتضامن والصمود والغناء في وقت واحد.
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال