ليبيا: معركة طرابلس.. إلى أين؟ وما هي الخطيئة التي ارتكبها مصطفى عبد الجليل وكررها السراج وحفتر؟

قبل حوالي ثماني سنوات شهد المجتمع الليبي حراكاً مجتمعياً أدى إلى سقوط النظام السياسي، فكان من نتائج ذلك السقوط بروز عدة ظواهر، لعل أهمها على سبيل المثال : انتشار السلاح، والتوسع في تشكيل الجماعات المسلحة في كل أنحاء ليبيا، وبروز ظاهرة المدن والقبائل المنتصرة، بالمقابل برزت المدن والقبائل المنهزمة – وهي التي كانت مؤيدة للنظام السياسي السابق – كما برزت أيضًا على سطح المشهد السياسي وجود حكومات تتسم بعدم امتلاك المقدرة على استخدام القوة، ومعنى هذا ببساطة شديدة ؛أن ليس لديها المقدرة على فرض إرادتها على الجميع، وهنا أود التذكير إلى كون جل تلك الظواهر ورثت عن النظام السياسي السابق، حيث كانت جل الأجواء ملغمة، فمثلا :
قام النظام السياسي السابق بدعم دور بعض المدن والقبائل خلال فترة حكمه التي استمرت حوالي أربعين سنة ونيف، فسلح عدداً من المدن والقبائل تسليحًا انتقائيًا، كما أن سياسته بين المدن والقبائل الليبية قائمة على مقولة “تريس تُبرك على تريس″؛ بمعني رجال تُخضع رجالاً، هكذا.. كانت الأجواء العامة، إلا أنه لم يجرؤ أحد آنذاك على البوح بها؛ كونها تُمثل الواقع المسكوت عنه، فلم تخرج  تلك المدن أو القبائل –المسلحة- عن الدور المرسوم لها – مسبقًا- من قبل النظام السياسي السابق، وذلك خوفًا من حالات البطش التي ستتعرض لها في حال مخالفتها للمطلوب منها؛ ومع استمرار غياب سلطة سياسية قوية خلال مرحلة ما بعد 2011م، فقد حدث اختلال جوهري، حيث استمرت بعض القبائل والمدن المنتصرة بالعمل بنفس سياق مقولة النظام السياسي السابق؛ وهي إخضاع بعض المدن والقبائل لها؛ ولكن هذه المرة في ظل غياب سلطة سياسية قوية قادرة على كبح جماحها وإخضاعها لإرادتها “تريس تُبرك على تريس″؛ إذن على القارئ بعد أن أحاط بهذه المقولة أن يُدرك أن سبب استمرار حالات عدم الاستقرار في ليبيا؛ في كونها نتيجة حتمية لغياب سلطة قوية قادرة على لجم وإخضاع المدن والقبائل المنتصرة، وعلى أيّ حال سواء قبل البعض أو لم يقبل بوجهة النظر هذه، فإنه من المؤكد بالنسبة لي أن ذلك يُعد تفسيرًا منطقيا ربما يحتاج إلى لفت النظر إليه.
ومهما يكن من أمر، فإنه قبل الحديث عن معركة طرابلس، أود الإفصاح لأول مرة عن حوار أجريته مع السيد مصطفى عبدالجليل- رئيس المجلس الانتقالي في ليبيا – سابقًا – حيث سنحت لي فرصة اللقاء به في مدينة البيضاء سنة 2013، فبينت له بأنه كان مقبولاً عند جل الليبيين؛ إلا أنه لم يحسن التعامل مع مدن وقبائل المنطقة الغربية، فسألني كيف؟ وهنا فوجئ بالإجابة، فقلت له، بأنه قام بزيارة المدن والقبائل المنتصرة فقط ، في حين لم يذهب إلى المدن والقبائل المنهزمة؛ فمثلا : أوضحت له بأنه قام بزيارة الزاوية، ولم يذهب إلى قبائل ورشفانة، وكذلك القيام بزيارة زوارة، ولم يذهب إلى قبائل النوائل، والقيام أيضًا بزيارة نالوت، ولم يذهب إلى قبائل الصيعان، غير أن طبيعة اللقاء لم تسمح لي بإنانة كل الأمثلة، وهكذا أوضحت له بأن تلك المدن والقبائل كانت في انتظار قدومه إليها، حيث كانت ترغب في الحصول على تطمينات من رأس السلطة – كونها ستكون جزءاً من التغيير الحاصل في الوطن، وختمت كلمتي معه بأن الإخفاق في التعامل مع تلك المدن والقبائل جعلها تقف موقف المتفرج تارة، والمعارض تارة أخرى إزاء التغيير الحاصل في ليبيا، كما جعل بعضها أكثر تمسكا بالنظام السياسي السابق ليس حبا فيه؛ إنما ردة فعل لانعدام أي دور لها في التغيير الحاصل، وهنا تدخل سيادة المستشار مصطفى عبدالجليل ولخص ذلك الإخفاق بقوله : “لست سياسياً، كما أنني أُحاط بحُذَّاقٌ إخوان المسلمين”.
والمقصود من تناول هذا اللقاء بأنه لا يمكن الإلمام بكثير من المشاكل والقضايا الحاصلة ما بعد  سقوط النظام السياسي 2011، وبشكل خاص الصراعات البينية بين المدن والقبائل الليبية، خارج دائرة العلاقات تلك المدن والقبائل مع النظام السياسي الجديد، بالتالي أعتقد بأنه لا يمكن فهم مكانيزما الحاصل في طرابلس – حاليًا- والكثير من المسائل المرتبطة بها؛ بمعزل عن الحسابات التي تفرضها مصالح المدن والقبائل في المنطقة الغربية سواء أكانت المنتصرة أم المنهزمة، وعلاقتها بالنظام السياسي الحالي.
فخلال مرحلة ما بعد 2014م، أصبح هناك ازدواجية أو ثنائية النظام السياسي؛ فتوجد حكومة شرقية وأخرى غربية، وبالتالي وقوف بعض المدن والقبائل مع الحكومة الغربية، أو الحكومة الشرقية لم يكن مصادفة عابرة، إنما كان نتيجة مترتبة على وجود ارتباط أو دور أو مصالح لتلك المدن والقبائل مع إحدى الحكومتين المُتنافستين، وإذا أضف إلى ما سبق حقيقة أخرى وهي أن عامل دعم ووقوف المدن والقبائل حاليًا – مع شرعية أي من الحكومتين-  سيتوقف على مدى فرض الهيمنة لأي من الحكومتين على الأراضي الليبية، وكذلك على مدى المكاسب التي ستتحصل عليها تلك المدن والقبائل نتيجة لهذا الدعم، كما نود هنا أيضًا فهم فرضية أخرى بعيدًا عن عامل استمرار تنقل المدن والقبائل في الارتباط ما بين الحكومتين؛ حيث ترى هذه الفرضية بأن الحاصل في طرابلس نزاع بين طرفين يرى كل طرف بأنه على حق وخصمه على باطل، وهنا نستحضر مقولة الدكتور علي الوري حين يقول ” ما كان الناس يحسبون أنه نزاع بين حق وباطل هو في الواقع نزاع بين حق وحق آخر ، فكلُّ متنازع في الغالب يعتقد أنه المحق وخصمه المبطل، ولو نظرت إلى الأمور من نفس الزاوية التي ينظر منها أي متنازع لوجدت شيئاً من الحق معه قليلاً أو كثيراً”، ومن المهم جدًا فهم هذه الفرضية في ظل معركة طرابلس الحالية، فالحكومة في المنطقة الغربية حاولت من خلال الاتفاقيات المبرمة – المتكررة وغير معلنة- بين السيد فائز السراج، والسيد المشير خليفة حفتر ضخ الحكومة بأدوات فرض القوة كي تكون  قادرة على إخضاع وكبح المدن والقبائل المنتصرة، وهنا قد يُعاب على القيادات في الحكومة الغربية والحكومة الشرقية أنهما لم يعلنا  صراحة عن أيّ محتوى لتلك الاتفاقيات، وبقيت سرية ما بين الأطراف الموقعة عليها، والجهات التي أشرفت عليها، حبرًا على ورق؛ ومرجع ذلك يعود إلى كون الحكومة في المنطقة الغربية كانت ولا تزال عاجزة عن البوح بها، فإرادتها لا تزال أضعف بكثير من إرادة المدن والقبائل المنتصرة، ولعل المثل الشعبي القديم يجسد حالة طرابلس حاليًا، حيث يقول المثل ” تونس فيه باي وطرابلس فيها بايات ” ويقصد بالباي هنا الحاكم، ومعني ذلك يوجد في تونس حاكم واحد، بينما يوجد في طرابلس عدد من الحكام، ومع استمرار عجز حكومة السيد فائز السراج على إخضاع هؤلاء الحكام لسيطرتها من جهة، وعدم الوفاء بالتزاماتها المبرمة مع الحكومة المؤقتة من جهة أخرى، ربما يكون هو الدافع الذي أدى إلى قيام قوات الحكومة المؤقتة بالتوجه نحو طرابلس بغية تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وهذه المرة بالقوة المسلحة، وذلك بعد حصولها على موافقة ودعم إقليمي ودولي، وهنا نود التذكير بأن سقوط النظام السياسي السابق كانت أحد أهم أسبابه افتقاده للدعم والمساندة الخارجية بالرغم من محاولاته الحثيثة للحصول على ذلك الدعم والمساندة، إلا أنه لم يتحصل عليها، مما دعا رأس السلطة آنذاك بالتصريح  في أحد خطاباته إلى كون نظامه السياسي يعد صمام أمان لإسرائيل!.
وعموما، فإننا لسنا بصدد تبرير ما قامت به هذه القوات، أو تلك، ولكني أحاول قدر الإمكان شرح الوضع الحاصل دون أيّ تحيز لفهم طبيعة معركة طرابلس، فالليبيون كما سبق وذكرنا سابقًا قد يختلفون تارة، وربما يدخلون في حروب وصراعات واقتتال تارة أخرى، لكنهم تحت كل الظروف لا يسمحون – ولا يقدرون على السماح – بتقسيم وتجزئة الوطن – فذلك أكثر مما يحتملون، كما نود التأكيد بأننا بحاجة إلى قيادات وطنية تسعى بشكل حثيث نحو توحيد الوطن وضمّ أبنائه، وأخيرًا أود تذكير جميع الليبيين  بمقولة الزعيم الوطني بشير السعداوي عندما خسر الانتخابات العام 1952 نتيجة لحالات التزوير، حيث طلب منه بعض رفاقه عدم الركون لنتائج الانتخابات – المزورة- فقال كملته المشهورة ” خسرنا السلطة، وكسبنا وطن”.
حسين سالم مورجين
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال