تنزيلات موسمية لقيمة #المرأة كإنسان.. لماذا اعارض عيد المرأة وعيد الام؟

بقدر ما يُهئ للنساء أن هذا اليوم يعطيها قليلا من حقوقها ويساويها بالرجل بقدر ما يجسد عاما تلو الآخر وأداً مجتمعيا آخر  من قال إن زمن وأد الإناث انتهى! إن الوأد ما يزال متأصلاً يتلون بأشكال مختلفة بحسب ضرورات العصر ولغته.
لنضع الإصبع على الوجع كي لانتيه بدهاليز المدح المنافق ما تحتاجه المرأة ليس يوما أو يومين في شهر الربيع، تهدى به الطناجر والكؤوس لتؤكد وترسخ عبوديتها في المطبخ ” مملكتها” كخادمة للجميع. بذلك يقوم المجتمع بطمس وتشويه رمزية هذا اليوم وعظمته فقد قام هذا اليوم لأن المرأة قد ثارت واحتجت على وضعها المزري في ظروف العمل وبسبب عدم السماح لها بالتصويت أي كوضعها المتدني في قاع هرم البشرية،  من هنا فإن هذا اليوم هو يوم لنطالب فيه بحقوق أكثر عدالةٍ للمرأة في العالم ولاسيما في الوطن العربي مع تراكم درجات القمع الاجتماعي والأسري والديني والاقتصادي  كل منّا بحسب موقعه وما يلمسه من إجحاف بحق وضع المرأة لنساهم بالدفع نحو سنّ قوانين جادّة التي تمكّن المرأة بالتعليم والتثقيف والمساواة بظروف العمل داخل المنزل وخارجه.
قد حالت المرأة لعبدٍ مُستَغلٍ بصمتٍ أمام المجتمع بأكمله وهذه العبودية تُرَسخ وتورث للأبناء والبنات في البيوت والمدارس والجامعات.
سن قوانين تحتاجها المرأة لتشعر حقا ان المجتمع قد أنصفها ونفض الغبار عن الأسباب الدينية والاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بوضعها للتراجع ولمستواها الفكري بالتدني وإشغالها في مهام روتينية قاتلة في المنزل والأولاد.
دعونا نهدي المرأة والأم في شهرها قوانين أكثر إنصافا تعززها وتقويها وتزيد من احترام وتقدير المجتمع لإنجازاتها وتخرجها من القمقم الذي تعيش فيه ، فليست المرأة بخادمة وليست جسدا ولا شهوة ولا عورة ولا سلعة.
إن المرأة فكر وروح وعقل وكيان خلاّق مثل الرجل تماما إن ما قويت وثبتت وتقدمت تقدم المجتمع بأكمله وارتقى وأصبح أكثر حضارة ومنعةً وقوة .
معظم المظاهر واللغة المستخدمة في مجتمعاتنا العربية تضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل فإن ما نجحت وتميزت قيل أنها دفعت ثمن نجاحها من بنك أنوثتها.
ولا أحد يتطرق لعقلها المزروع بين كتفيها الذي وصم هو الآخر تحت ذريعة الدين أنه عورة ويجب ان يستر كما لو كان عضوا معيباً .
لقد أوصلتنا هذه التناقضات المخيفة في مجتمعاتنا لإنتاج نماذج مشوهة للمرأة فإما أن تكون منقبة من رأسها لأخمص قدميها وكأنها نقطة سوداء في حياة البشرية أو أن تبالغ بإبراز الأنوثة من نفخ وترقيع عجيب وكأنها تحاول أن تقول للحياة أنها موجودة من خلال الإفراط بالحشو والنفخ “وأنا اتفهم ذلك تماما لأنها تعكس حالة عدم تحقيق المرأة لذاتها في إحدى جوانب الحياة”  تماما كما ينظر إليها بعض الذكور أن ما تقوله المرأة وتفعله مجرد حشوٍ ولغوٍ وأحيانا ضرورة شعرية لإضفاء طابع متحضرٍ على جلسة تعبي فراغ الهواء على شاشات التلفاز، أو النموذج المعتدل اللواتي لا يعرفن اساسا حقوقهن وانغمسن لحد الغرق بواجباتهن فقط.
اهدوا بناتكن الوعي فهو أثمن الهدايا، علموهن أنهن كيانات مستقلة قوية بذاتهن لسن بحاجةٍ “لوصيّ” عليهن ليكتملن!! لأنهن لست ناقصات عقل ولا دين ولا روح .
إن القوة لا تعني الاسترجال بل تعني العلم والإرادة والاحترام ، وإن الاستقلال لا يعني الإضراب عن الحب أو الزواج، بل اختيار “شريك قوي” للحياة فالرجل القوي لا يخشَ من تفوق شريكته بل يسمو ويعلو بها وبالعائلة ككل.
ليس كل ما يُملى علينا صواب ويقين وكثيرا ما تكون الحقيقة المطلقة أكبر وهمٍ يعيشه الإنسان، وأحيانا يأتي الظلم الأكبر للأنثى من أمٍ أو أختٍ أو امرأة نافذة وليس من رجل!! كثير من القيم والمفاهيم المغلوطة في مجتمعاتنا مازالت تمارس بوحشية ودون اي رادع اخلاقي، ما تزال بعض النساء يقتلن باسم الشرف أو يزوجن لمغتصبهن لكبت الفضيحة والكثيرات يتكتمن على العنف الممارس بحقهن في البيت وفي الشارع أو  العمل  لأن المجتمع يورّث “دين الذَنْبِ” لا “دين العدل” للأنثى لمجرد أنها خُلقت أنثى .
فإن ما ورثت فمثل حظها للذكر اثنين وإن ما شهدت  فشهادتها برجلين ، وإن ما تزوجت فالرجل يحق له الزواج بثلاث إن ما طاب له الموضوع.
وإن توفي زوجها فعليها ان تدفن اجتماعيا معه لثلاثة أشهرٍ ” وهذا برأي اتهام لا اخلاقي من المجتمع انها قابلة للانحراف بمجرد رحيل ‘الوصي’ ‘ القائم بأمر الله عليها'”
ورغم تطور العلم وأمسى من السهل القيام بفحص DNA لكنه ” ضروري” وهذا امر معيب برأي فإن لم يكن المجتمع قادر على قراءة أخلاق المرأة إلا بعد ثلاثة قرون فهو بالفعل مجتمع أعمى البصيرة.
وإن ما قررت الزواج بعد وفاة زوجها تتهم بعدم الإخلاص والإنفلات رغم ان المجتمع يصر بنفس حالة “الأرمل” على ضرورة الزواج!! هذه التناقضات ليست أخلاقية بالمطلق
كل ما تقوم به أو لاتقوم به المرأة عرضة للنقد والاتهام والحكم والقمع وهذا ان دل على شئ فهو يشير لانغلاق مجتمعاتنا وقلوبنا عن تقبّل الآخر وهذا الآخر للأسف هي الأم والأخت والابنة والحبيبة والخطيبة والزوجة رغم كل محاولات التجميل الفاشلة لوضع المرأة في مجتمعاتنا فإن وضعها يزداد قبحا والمرأة تزداد ضياعاً فما تزال العقول متشربةٌ للنظرة المغلوطة للمرأة إن ما نحتاجه حقا هو رؤية أكثر شمولاً وأكثر عمقاً لنظرتنا للإنسانية وحدة العالم الإنساني ما نحتاجه فعلا .
و مادام هناك أشخاص ينظرون للمرأة “كنخب بشري ثان” وأن حصولها على المساواة تهديدٌ لكيان وعرش المجتمع الذكوري المتوارث منذ بدأ المجتمع الزراعي وتوالي الأديان والخلافات والإمبراطوريات  والحروب والصراعات التي ما تزال تدفن المرأة حية وإن ما زادت قِطر حفرة الوأد منذ الجاهلية حتى اليوم وتسميها حقوقا!!.
لست مع يوم المرأة ولا مع عيد الأم كلاهما شماعة بشعة لمفهوم مشوه عن الأمومة والأنوثة والمرأة في مجتمع يبيعها الشعارات ويؤمن ان اعلى منزلة لها في المطبخ وأنها ليست كاملة ان لم تتزوج وليست أنثى ان لم تلد انها أعياد منافقة تنزيلات موسمية لقيمة المرأة كإنسان.
ليزا اسحق - كاتبة سورية
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال