الوجه الجديد للملكية ب #المغرب

الدولة في الآونة الأخيرة تحاول قدر الإمكان التغيير من جلدها، تحاول أن تقدم نفسها ” بلوك جديد ” أو بالأحرى بوجه جديد، ومن أجل تحقيق هذا المبتغى لم تتوانى في استعمال كل مساحيق التجميل، وهي لا تختلف كثيرا عن امرأة عانس تحاول بكل الوسائل أن تغطي تجاعيد الزمن ، لكن هل تستطيع أن تخفي “جوهرها المقدس ” وهو الروح والتقاليد المخزنين المغرقين في التقليد والريع ؟ وهل يمكن تحقيق الديمقراطية والتنمية المطلوبين بشدة، داخل هذه البنية المحافظة ؟
منذ تولي الملك محمد السادس الحكم، حاول أن يقدم الملكية في صورة جديدة، واتخذ شعارا لها بعنوان كبير هو ” ملكية في خدمة الشعب ” وقد حاول أن يؤسس لهذا التوجه الجديد من خلال كل الخطابات التي يوجهها للشعب في كل مناسبة من المناسبات الوطنية، وبدأت كل الحكومات المتعاقبة تشتغل وتدبر انطلاقا من خريطة الطريق المعدة سلفا من طرف الملك.
بعد مرور عشرين سنة يخرج الملك بجرأة كبيرة ويقول : ” إن النموذج التنموي الذي تم اعتماده كل هذه السنين لم يكن ناجعا، وأن هناك شيئا ما ينقصنا ”
الآن الصورة واضحة جدا، عندما يتم الاعتراف بالفشل التنموي، فالأمر يحيلنا مباشرة إلى غياب رؤية وتخطيط محكمين من لدن صانعي القرار بالمملكة، وهذا يحيلنا مباشرة إلى ضعف توجيه السياسات العمومية في الأهداف المحددة، وهذا إن دل عن شيء فإنه يدل على ضعف الكفاءات التي تفتقد إلى الخيال السياسي والمعرفي اللذان بواسطتهما يمكن صناعة الثروة والتنمية المنتظرة.
يجب أن نسجل بوضوح أن تاريخ المملكة الشريفة في علاقتها بالديمقراطية والتنمية هو تاريخ تجريب نماذج، ففي كل فترة من الفترات يتم تجريب نموذج معين، وذلك بنوع من التسرع ، وبأسلوب الهواة، وتكون وزارة الداخلية هي المنظر والمنفذ لكل المخططات، وهي السائق الحقيقي للقطار بينما الأحزاب، فهي مجرد عربات تقوم بحمل الركاب وتقديم بعض العروض البهلوانية إلى أن توصله إلى حتفه، وذلك من أجل الاستفادة بريع المناصب والامتيازات المتعددة.
ويلاحظ في الأشهر الأخيرة، أن الدولة تحاول أن تقدم نموذجا جديدا في العرض التنموي والديمقراطي، بعد أن فشلت حكومة العثماني المهلهلة في العثور على صيغة ناجعة لوقف نزيف الاحتجاجات والتراجعات الحقوقية، والارتفاع الصاروخي للأسعار، والأرقام المهولة من الديون المتراكمة على ظهر المملكة، وقد زكى هذه الوضعية المقلقة والمخيفة، ما جاء في تقارير المجلس الأعلى للحسابات من اختلالات وفساد واضحين في العديد من مؤسسات الدولة.
يجب أن نعترف أن هذا العرض الجديد، وهو تفعيل مبدأ ” ربط المسؤولية بالمحاسبة ” والذي حاول أن يسهر علي تنزيله الملك شخصيا، انطلق مع مايسمى ” بزلزال الحسيمة ” حيت قام بعزل مجموعة من الوزراء ومحاسبة وتنقيل العديد من رجال السلطة وذلك ردا على تعثر مجموعة من المشاريع التي ظلت حبرا على الورق أو ناقصة أو لازالت متعثرة، لكن رغم كل هذه الإجراءات العقابية أو التأديبية، فهناك من اعتبر الأمر مجرد قرص مسكن من مسكنات المخزن المعروف بها منذ القدم.
ورغم الانتقادات العنيفة التي وجهت للدولة من حملة التطهير التي شنتها في وجه كل من خولت لهم أنفسهم المساهمة أو المشاركة بشكل مباشر أو غير مباشر في تعثر المشاريع الملكية، فإن الدولة لم تتوقف في المضي قدما في تقديم صورة جديدة عنها، صورة ” دولة القانون ” و ” دولة المؤسسات ” وليس الأشخاص، خصوصا أن العديد من الزعماء الشعبويين دخلوا في تحد وجها لوجه مع الدولة وتوجهاتها الكبرى التي سطرها الملك في خطبه الأخيرة، ولعل الوقفة الاحتجاجية التي نظمت للاحتجاج على عزيز أخنوش وزير الفلاحة أثناء إحدى التدشينات الملكية كانت بمثابة منبه وناقوس الخطر للدولة عن تجاوزات غاية في الخطورة.
وتتميما للتصور الجديد، فقد تبنت الدولة نهجا جديدا في التعيينات في المناصب العليا، حيث اعتمدت مبدأ الكفاءة في التعيين بدل منهج التوافقات الذي كانت تنهجه مع الأحزاب والنقابات والذي ساهم بشكل مباشر في تعثر وتعطيل العديد من المشاريع التنموية، وهو ما تنبهت إليه الدولة مؤخرا وقامت بتعيين أسماء لامعة في سماء القانون والاقتصاد والتنمية والإعلام وحقوق الإنسان، وهي مبادرة استحسنتها كل الهيئات السياسية والمدنية باعتبارها تؤسس لثقافة ” الرجل المناسب في المكان المناسب” والتي كان يدعو لها الجميع مند فترة حكم الملك الحسن الثاني رحمه الله، لكن ما يعاب على هذه التعيينات هو ريع الأجور المرتفعة لرؤساءها والأعضاء الذين تتشكل منهم هذه الهيئات، ولنا أن نتساءل جميعا : كيف يمكننا أن نتحدث عن السلم الاجتماعي وعدالة الأجور عندما يتقاضى رئيس مجلس المنافسة على سبيل المثال وليس الحصرعلى راتب 9 ملايين سنتيم و6 ملايين لكل عضو بالمجلس من أموال دافعي الضرائب ؟ ولماذا تتلكأ الحكومة منذ أربعة أعوام وترفض زيادة طفيفة للموظفين ؟ ولماذا يتحدثون عن إصلاح صندوق التقاعد من جيوب الموظفين البسطاء ؟
إن التوجه الجديد للدولة في تحقيق الديمقراطية و التنمية المطلوبين، لايتحقق بكثرة الهيئات والحرص على استقطاب الأطر الكفأة لتسييرها وتدبيرها في أحسن الظروف، وإنما في التوزيع العادل للثروة بين المواطنين والتنظيم المعقلن والمرن للأجور بين أطر الدولة، أما عملية تدفق الأموال والسخاء المبالغ فيه لفئة قليلة من السياسيين والتقنوقراطيين على حساب شعب بأكمله فحتما سيخلق فوارق طبقية كبيرة، وتكاسل العديد من الأطر الإدارية الأخرى لشعورها بالغبن والدونية. وهنا وجب علينا أن نتساءل : هل هذا النموذج الجديد للتنمية سيقوي رابطة الانسجام والتماسك أم الكراهية والحقد بين الشعب وصانعي القرار بالمملكة ؟
عبد الكريم ساورة - كاتب وباحث



Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال