مصر بعد ثماني سنوات من انتفاضة يناير

لا صوت يعلو فوق صوت الفاشية. هنا يبرز ما كتبته الفيلسوفة الألمانية، حنا آرنت، في كتابها "أصول الأنظمة الشمولية"، حيث استطاعت، بكل براعةٍ، أن ترصد التحولات التي تحدث داخل الأنظمة الاستبدادية، لتتحول إلي أنظمةٍ شموليةٍ، لها صفات خمس على حد تعبير كارل فريدريش ورميون أرون، أن النظام الشمولي: حزب/ جماعة وحيدة يراقب جهاز الدولة، يديره رئيس ذو كاريزمية خاصة، نظام يتميز بالطغيان، أي نظامٍ يعطي لطرف واحد الصلاحية الاحتكارية للنشاط السياسي، نظام إيديولوجي، كما يتميّز باحتكار وسائل الاتصال الجماهرية ووسائل الإقناع المتمثل في جميع وسائل الإعلام كالإذاعة والتلفزيون والصحافة... إلخ، بالإضافة إلى إدارته المركزية الاقتصاد. 
المشهد الآن في مصر يشبه المشهد في الجزائر في تسعينات القرن الماضي، تيار إسلامي يصعد إلى السلطة فينقلب عليه الجيش الذي يهيمن على السلطة منذ ستين عاما. يلعب وزير الدفاع السابق، حسين طنطاوي، الدور نفسه الذي لعبه الجنرال الجزائري خالد نزار، في اختيار الرؤساء في أثناء أزمتها. وجيش يحتكر كل شيء، ويدير الاقتصاد بصورةٍ شديدة المركزية. 
بعد ثماني سنوات، عادت الآلة القمعية إلى ما كانت عليه قبل حسني مبارك، بل وأشد ضراوةً. زاد عدد المعتقلين والسجناء السياسيين، ومعه ازداد عدد المنفيين والفارّين خارج البلاد من آلةٍ قمعيةٍ تفتك بكل شيء. سجون تُبني بكثرة، وأحكام اعتقالاتٍ وإعداماتٍ بالجملة، ومختفون قسريا لا يعرف أحدٌ مصيرهم، وكأنها في لحظة ما أميركا اللاتينية في حقبة الحكم العسكري. أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتفاقم، وبحر من الديون الخارجية والداخلية وفوائد تلك الديون تتراكم وتسبح عليها مصر. أرض يتم التفريط فيها على حساب الأمن القومي، من أجل حفنةٍ من المليارات، أو تمديد البقاء في السلطة. عدو يتحول صديقا على حساب العقيدة القتالية للجيش، وعنصر مجتمعي، بغض النظر عن الاختلاف الأيديولوجي معه، يتحول إلى العدو. وسائل إعلام يحتكرها جهاز أمني واحد تابع للرئيس، وجيش يدير الاقتصاد بصورة أشد مركزيةً من أي وقت مضى. خريطة المنطقة والعالم تتغير، يمين متطرّف يعود إلى الواجهة، ولا يخفي دعمه الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط، علي أمل أن تمنع تلك الأنظمة موجات اللجوء المتتابعة، مشيا على المثل العربي، كمن يحتمي بالرمضاء من النار. زعامات شعبوية تزدهر في العالم، ومكافحة الإرهاب تنتشر في كل مكان. الوضع الإقليمي أكثر تعقيدا، ويصبح التغيير في مصر مرتبطا بالأجندة الإقليمية أكثر من أي وقت مضى. مشاريع دعائية لا نهائية للجنرال عبد الفتاح السيسي، بدءا بتفريعةٍ لا قيمة لها، تم تبديد الاحتياط النقدي المصري فيها، وصولا إلى عاصمةٍ إداريةٍ تبني على أنقاض القروض والاستدانة، يتوسطها مسجدٌ في الصحراء، يسمّى الفتاح العليم، يظل كل جمعةٍ بلا مصلين إلا من يتم حشدهم من طلبة الجامعات والوزارات المختلفة، أو من المجندين وقوات الجيش، وكأنه موسم الحج بالقمع، أو الحشد إلي اللجان الانتخابية. وكاتدرائية تسمّى ميلاد المسيح، وفي كلا الأمرين لم يولد المسيح هناك، أو كما وصف أحدهم أنه مسيحٌ لا نعرفه، حيث إنه مولود في الكامباوندات، لا مسيح الفقراء، مسيحٌ يعكس ما آلت إليه أوضاع الكنيسة أنها كنيسة النظام ورأس المال ورجال النظام، أو باختصار كنيسة النظام وحلفائه. كنيسةٌ تقفز على واقعٍ تزداد فيه الطائفية ويمنع فيه الأقباط من أداء الصلاة، بل وإخراجهم من قراهم، على طريقة أخرجوا آل لوط من قريتكم. 
"نظامٌ توقف به الزمن عند الخمسينيات ومعارضة تسمي نفسها مدنية، تصلبت أفكارها عند يناير"
يزداد الواقع هزلية، ففي الوقت الذي تعاني فيه مصر من شحٍّ مائي، ومواجهاتٍ مائيةٍ مع دول المنبع، يسعي جنرالها إلى حفر النهر الأخضر علي طريقة الكتاب الأخضر لمعمر القذافي، ربما أيضا سيحاول الرجل في الفترة المقبلة نقل الأهرام وأبو الهول إلى عاصمته التي يطمح إلى الحكم منها على طريقة المماليك أو المنطقة الخضراء في بغداد. كل هذا والرجل الرابض في السلطة يسعى إلى شيء واحد، هو الإجهاز على خصومه (الإسلاميين في المقام الأول)، ثم التائبين عن مجالسه، والمغرّدين خارج سربه. تتم مصادرة الواقع والحقيقة في كل لحظة، حيث لا حقيقة في أرض الخوف سوى ما تنشره الآلة الإعلامية للجيش الأحمر السوفييتي الذي حوّل مكانه من موسكو إلى القاهرة في القرن الواحد والعشرين. 
فبمجرد نطقك أو كتابتك كلمة انقلاب، أو فاشل أو غيرها، سيتم زجّك في السجن، لا لشيء سوى لأنك قلت الحقيقة في أبسط معانيها. كلمة ثورة من المحرّمات التي تقضّ مضاجع النظام، ليس في مصر فقط، ولكن في أي مكان في العالم، ما إن تخرج مظاهراتٌ في أي مكانٍ تطالب بأي تغييرٍ على طريقة السترات الصفراء في فرنسا، إلا ويخرج إعلام النظام مستنكرا، واصفا هؤلاء الخارجين خونة ممولين من دول أخرى، ليهدموا دولهم، وكأنها مظاهراتٌ في القاهرة وليست في باريس، وكأن السيسي أصبح قائد الثورة المضادة في العالم كله. في الوقت نفسه، ممنوع ذكر المعارضة إلا متبوعةً بكلمة الخونة، لأنهم عملاء لإسرائيل، في وقتٍ تخوض فيه مصر حربا ضد الإرهاب، لتحرير سيناء من الإرهاب.
"يزداد الواقع هزلية، في الوقت الذي تعاني فيه مصر من شحٍّ مائي، ومواجهاتٍ مائيةٍ مع دول المنبع"
 وهناك تتحول كل هزائم الجيش انتصاراتٍ، على طريقة أحمد سعيد في بياناته في زمن النكسة، لكن الزمن يتحرّك والجنرال ثابتٌ مكانه، وحينما يدرك تحرّك الزمان يتيه في إجاباته، ويفضح تصوراته، ففي البرنامج الأميركي الشهير "ستون دقيقة"، والذي أذاعته القناة، على الرغم من طلب النظام عدم بثه، يعترف السيسي بأن هناك تعاونا عسكريا وطيد الأركان مع إسرائيل في محاربة الإرهاب في سيناء، وأن إسرائيل نفذت عملياتٍ عسكريةً داخل العمق المصري. وهنا يتساءل المرء من الخونة المتعاونين مع إسرائيل الذين يقصدهم الإعلام؟ بلا شك لا يقصد الرئيس. 
يذهب الرجل أبعد من ذلك، حينما يسأله المذيع: لماذا لم تقضوا على الإرهاب في سيناء؟ فيجيب: ولماذا لم تقض أميركا على الإرهاب في أفغانستان؟ إجابة توضح لك كيف هي الأمور في عقل الرجل الذي يرى أن سيناء أشبه بأفغانستان، أو أنها تورا بورا أفغانستان، يراد فيها استهلاك الجيش المصري وقواه. إجابة صادمة لرجلٍ كان رئيسا للمخابرات العسكرية للجيش المصري، بل ووزير دفاع له. 
بلغ الأمر ذروته، حينما هب أحد مشايخ السلطان فوق منبر الفتاح العليم، صارخا إن الرجل يقاس مدى إيمانه بمدى وطنيته وحبه وطنه. لعل الرجل أفصح عن التجديد الذي ينادي به السيسي دائما، أي تجديد الخطاب الديني، على طريقة أن الوطن هو الدين والدين هو الوطن، أو الشعار الأبرز الله الملك الوطن. ولعل هذا ما جعل شيخ الأزهر يرفض هذا الخطاب التجديدي، فيزعج ذلك السلطان السيسي الذي يصدر فرمانا يمنع أي أحد من السفر خارج مصر إلا بإذنه، وهو يعني شيخ الأزهر قبل أي أحد، فيصبح لدينا في مصر نشطاء وحقوقيون ممنوعون من السفر، وكذلك مسؤولون في مناصبهم ممنوعون من السفر. 
في كل هذا الواقع الهزلي، تبدو هناك معارضة بائسة غير قادرة على نقل معارضتها، أو تطوير أدائها للخروج منها من دائرة العمل الاحتجاجي إلى دائرة التفكير المستقبلي. وهو يرسم لك كيف هو الواقع في مصر. نظامٌ توقف به الزمن عند خمسينيات القرن الماضي، ومعارضة تسمي نفسها مدنية، تصلبت أفكارها عند لحظة يناير، وإخوان مسلمون توقف الزمن بالنسبة إليهم عند الانقلاب العسكري قبل ست سنوات. وبين هذا وذاك الخاسر الحقيقي هو الوطن الذي كان يسمى يوما مصر.
تقادم الخطيب
أكاديمي، باحث مصري في جامعة برلين، مشارك في الحراك السياسي المصري منذ 2006؛ ومسؤول ملف الاتصال السياسي في الجمعية الوطنية للتغيير سابقاً.
المصدر: العربي الجديد
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال