اليمن.. نصف قرن من الصراع

إن تاريخ 30 نوفمبر 1967، هو ذكرى رحيل آخر جندي للمحتل البريطاني من أرض الجنوب اليمني، وهو تتويج لنضال شاق ومقاومة شرسة لشعب تواق للحرية والاستقلال.
اليمنيون بكل أطيافهم وألوانهم السياسية والفكرية، اليساري واليميني والإسلامي والعلماني، القبيلي والمدني، تواقون دائما للحرية والاستقلال. هم خليط من الثقافات والأفكار، وهو الأمر الذي كان يميز عدن حينها، هذا التنوع الذي أثرى الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية، إذ كانوا جميعا في خندق واحد، بمسميات مختلفة ومصير وهدف واحد.
حرّروا الأرض، ووحدوا جسد الجنوب اليمني المتناثر لسلطنات ومشيخات متناحرة، يهيمن عليها الإقطاع من سلاطين ومشايخ وأمراء، ملاك الأرض والثروة والشعب مجرد عبيد ورعية تحت وصايتهم. في هذا اليوم أعلن الرئيس، قحطان محمد الشعبي، عن قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية جمهورية مستقلة ذات سيادة، يحكمها ثوار من شباب واعد انبثق من عامة الشعب.
تحررنا من الاستعمار، ولم نتحرر من ثقافة المؤامرة التي زرعها فينا، فعندما انتقلنا إلى مرحلة تصفية آثاره ومخلفاته، بدأت التصنيفات وبدأ العقل التسلطي والفكر الأيديولوجي يعمل، وبدأت الأمراض تنهش الجسد الواحد وبدأ التآكل، وبدا التاريخ يأخذ مجرى دمويا، فسيطر مزاج واحد على الأمر، وكل من يختلف مع هذا المزاج معرض للتصفية أو الرحيل، واستمر المسلسل ينتج لنا تصنيفات من يمين انتهازي إلى يسار انتهازي، وبرجوازية وكمبرادور وتأميم.. حتى أنهكنا وصرنا لقمة صائغة لمن يتربص بنا في الطرف الآخر.
عدن مركز الحضارة والنماء والنقطة المضيئة، صارت الجزء الأضعف، اجتاحته القبيلة بعصبيتها وجهلها وتخلفها، فأظلمت، وساد فيها الرعب لكل العقول والمهارات والكوادر والشخصيات ورجال الأعمال وركائز الاقتصاد والتجارة، جرفوا الحياة من تنوعها، لتصبغ بلون واحد وفكر سائد، فصار الاختلاف مؤامرة والتنوع مشكلة، وكانت التصفيات لصون مرحلة الثورة الوطنية، ضحاياها، كوادر وخبرات وملكات الإدارة والاقتصاد، لم يبقى غير النظام والقانون وما تبقى من ربابنة موالين، فأغلقت عدن وهاجرت نوارسها المؤهلة وكوادرها المتفوقة، هاجرت لصحاري وأحراش الجوار لتنقل معها جنة عدن لتلك المواقع، هي اليوم ناطحات سحاب، موانئ ورؤوس أموال وشركات عملاقة في الاقتصاد والتجارة، صلحت أحوالهم، وتعطلت مسيرتنا.. وأسفاه فيما نحن فيه، وفيما وصلوا إليه، المهم في نهاية الأمر، أن شباب ذلك الزمان قد شاخ واعتذر، قالوها "كنا طائشين متهورين ومعذرة".
جيل اليوم هم نتاج ذلك الجيل، بعضهم عاد من المهجر وبعضهم لم يترك هذه الأرض، ولكل منهم حكاية، حكاية ملطخة بتاريخ دموي متسلسل متواصل حتى 94 المشؤوم وما بعد (94)، لكل وجبة تراكمات، ولا زالت سلسلة التراكمات تنتج المزيد، حتى التحالف كرهان للإنقاذ، زاد الطين بله بارتكازه على جيل من ذلك الجيل المهاجر متأثرا بتلك المرحلة، ولا زلنا لم نتعظ، ولم نستوعب الدروس والعبر.
نصف قرن من النضال والشعارات عن الوحدة الوطنية والقومية، تذهب في مهب رياح الصراعات وزوابعها، لتحول المثقف إلى متعصب مؤذي ومعول تخريب بيد نفوذ القبيلة أو العسكر، حيث تتغير موازين القيم والمبادئ رأسا على عقب، باستسلام لقوى العنف الممتلئة بالانفعالات والنزعات. نحن أمام واقع فرضه علينا المستبد والقوى التقليدية المتخلفة لضرب أي مشروع وطني وقيمة سامية ومستقبل منشود، فشل واضح في تشظي الرهان من أحزاب ومكونات ثقافية وفكرية لخدمة مشاريع صغيرة وضرب المشروع الوطني، لتنسلخ تلك المكونات من هويتها اليمنية لتتحول لوحدة جوار، جنوب وشمال.
متى سنتعلم من الدروس ونستلهم العبر؟ في أي عام سيأتي نوفمبر ونحتفل بتحررنا من التخلف والجهل والعصبية والمرض؟ ما نحتاجه جيل جدير بتحمل المسؤولية الوطنية، جيل متجاوز لماضيه بكل علله ومآسية، قوي وشجاع في مواجهة الحقيقة والاستحقاق لمشروعنا الوطني الكبير، دون الهروب لمشاريع صغيرة بأعذار قبيحة، جيل صلب ووطني غيور على هويته اليمنية وعروبته وإسلامه، في اعتقادي أن الزمن كفيل بذلك حيث لا يصح إلا الصحيح، وينتصر الحق.
أحمد ناصر حميدان - اليمن
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال