السودان وسوريا.. أيمكن لحلم البشير أن يتحقق؟ ولماذا هذه الغضبة الاردوغانية؟

لم يحتار الإعلاميون، والمراقبون، وخبراء التحليل السياسي كما احتاروا في أمر زيارة الرئيس السوداني عمر البشير الأخيرة إلى دمشق.
الأسباب كثيرة، والاتجاهات متشابكة، والمصالح متداخلة ومتقاطعة، والتكهنات مقبولة ومرفوضة “في آن واحد”، والقراءات ممكنة ولكنها قابلة للخطأ، لا سيما أنها جميعا بُنيت على افتراضات منهجية وخبرة الواقع التي تلغيها بعض أبجديات نظريات السياسة وتطبيقاتها، ولهذا أجد نفسي مضطرا لهذه المقدمة.
وان كان الفهم العام أن روسيا هي التي رعت الزيارة وترغب في كسر الحصار العربي المضروب على سوريا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2011، فالمؤكد أيضاً انها ليست وحدها وإنما معها حليفتها الأخرى، الصين، وهذه الدول اختارت السودان الذي حافظ على شعرة معاوية في تعامله مع سوريا بإبقائه لسفارته مفتوحة في دمشق، كما ان سوريا أبقت على سفارتها مفتوحة في الخرطوم، هذا عوضا عن العديد من الزيارات السرية السابقة التي قام بها بعض رموز الحكم في السودان إلى سوريا دون أن يُعلن عنها في حينها “وروسيا ملمة بهذه المعلومات”.
من المنظور السابق لتعقيدات الأزمة السورية وملحقاتها من مصالح وأجندات دولية، وصراع محاور في منطقة الشرق الأوسط، وبالطبع جدلية الثابت والمتحرك في علوم السياسة، سأقدم رؤية مغايرة -تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب- وذلك بحكم المعطيات الموجودة على الأرض وسيرة الماضي وتعقيداته من زوايا سودانية ذات أثر إقليمي ودولي بحكم روح التجديد السياسي الذي تعيشه منطقة البحر الأحمر، وأخرها أن العاصمة السعودية الرياض كانت قد شهدت مؤاخرا اجتماعا مهما لوزراء خارجية الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن.
في البدء لابد من الإشارة إلى أن مشاركة السودان في حرب اليمن، تذكرنا بغزو محمد علي باشا للسودان عندما جاء باحثا عن الرجال وكأنما الرئيس عمر البشير يريد للتاريخ يعيد نفسه.
الشاهد ان السودان اليوم اصبح قبلة أنظار الباحثين عن الرجال السودانيين للزج بهم في آتون حروب إقليمية.
وقد كشفت تجربة مشاركة القوات السودانية في حرب اليمن ان السودان يملك كرتا رابحا -مع اختلافنا المنهجي مع الفكرة في حد ذاتها ما لم تتم عبر مؤسسات تشريعية- إلا أنه كرت يخول للرئيس السوداني عمر البشير أن يلعب دورا اقليميا غير متاحا للكثيرين من قادة دول المنطقة، هذا الأمر يجب ان يقرأ مقروناً بغياب أثر الضغط الشعبي السوداني الداخلي حيال مبدأ مشاركة القوات السودانية في عمليات عسكرية خارج حدود الوطن، وهذا الموقف السلبي نتاج مباشر للضعف الذي تعيشه القوى السودانية المعارضة”. وبالطبع أمر مشاركة القوات الوطنية أمر ترفضه معظم الدول ذات المؤسسات التشريعية المعتبرة، ولهذا استطاع الرئيس البشير ان يحسّن استخدام هذا الكرت بمزاجه الشخصي في غياب المعارضة الفاعلة، وهذا ما دفعه ليتجشَّم المخاطر من جديد في رحلة جديدة، ومجهولة العواقب قادته إلى مفاجأة سوريا.
ربما من المهم جداً الوقوف عند رمزية مشاركة بعض افراد الوفد المرافق للرئيس والذي ضم عددا من القادة العسكريين على رأسهم مدير الاستخبارات العسكرية السودانية الفريق مصطفى محمد مصطفى، والأمين العام لوزارة الدفاع السودانية الفريق جمال عمر، وهذا في حد ذاته ينم عن انهم معنيون بهذه الزيارة أكثر من غيرهم وإلا لما ذهبوا، كما أن غياب مدير عام جهاز الأمن والمخابرات الوطنى السودانى الفريق أول صلاح عبدالله قوش “الذي تؤكد بعض المصادر عدم علمه بالزيارة كما هو الحال مع عدد من الوزارء ومن بينهم وزير الخارجية السوداني الدرديرى محمد أحمد الذي غاب عن هذه الزيارة هو الاخر”، الأمر الذي فتح المجال واسعا للتنبؤ والاستنتاج، وحتى استخدام وقائع الدهاء الذي مارسه الرئيس البشير في فترات سابقة باللعب على حبل التناقضات داخل مؤسسات الحكم في السودان، ويُشهد في له في ذلك بأنه حيّر أفكار خصومه ومناصريه، وعلى رأسهم الدكتور حسن عبد الله الترابي، زعيمه الروحي -الفعلي- الذي أقصاه وأدخله السجن “برضاه طائعا مختارا راغبا وفي مرات كثيرة مكرها ومجبورا”.
في تقديري أن السودان يرغب في أن يلعب دورا جديدا في المنطقة بإرسال بعض من قواته الموجودة في اليمن للمشاركة في نقاط المراقبة على الحدود الشمالية لمنطقة شرق الفرات ودعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فى ريف محافظة دير الزور  بشرق سوريا، وهذا يفسر إلى حد كبير الغضب التركي الذي جاء في شكل اشارة وردت على لسان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اتهم فيها الرئيس السوري، بشار الأسد، بالوقوف وراء مقتل “مليون مسلم” في بلاده، معتبرا أنه يسعى للبقاء في سدة الحكم وهذا يتقاطع مع تصريحات الرئيس البشير الذي يرى انه لا حل في سوريا يمكن ان يتم بمعزل من الرئيس بشار الأسد.
أردوغان، قالها واضحة في كلمة ألقاها أمس، بمدينة قونية التركية، ضمن فعاليات إحياء ذكرى وفاة المتصوف جلال الدين الرومي: “الشخص الممسك بمقاليد السلطة في سوريا يسعى للحفاظ على موقعه، والبعض يعينه على البقاء في السلطة، رغم مقتل مليون مسلم في هذا البلد”.
هذا يفسر أيضا، وبشكل قاطع مدى الغضب التركي، خاصة اذا نظرنا للتحول السريع بعد تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، يوم الأحد الماضي، أن تركيا قد تنظر في إمكانية إعادة العلاقات مع إدارة الأسد حال “فوزه في انتخابات ديمقراطية”.
وربما يسأل سائل ماذا يريد البشير من لقاء الأسد اذا كانت عينه على تحقيق مكاسب من الانضمام للتحالف الدولي في سوريا وإرسال قواته لتنضم مع قوات التحالف الدولي؟، والإجابة ببساطة هو يريد ان يرسل رسالة مباشرة للرئيس بشار الأسد، ويضمن في الوقت نفسه سلامة قواته وهذا ما دفعه ليصحب معه كبار القادة من المؤسسات العسكرية المعنية.
وهنا نعود بالذاكرة لتصريحات وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس وأعلانه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أن الجيش الأميركي سيقيم نقاط مراقبة على الحدود الشمالية لسوريا لتجنب التوتر بين تركيا وأكراد سوريا حلفاء التحالف الدولي المناهض للجهاديين وتنظيم داعش.
وايضا نذكر بما نقلته وكالة “باسنيوز” الكردية، ومقرها إربيل بإقليم كردستان العراق وحديثها مطلع هذا الشهر عن وجود قوات عربية خليجية تشارك من خلال قوات برية وعتاد عسكري ثقيل في المعارك ضد تنظيم “داعش”.
ونقلت الوكالة يومها عن مصدر كردي مقرب من قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، أن الدور الخليجي سيتركز في مجال تدريب قوات حماية الحدود في شرق الفرات، وتقديم الدعم اللوجستي لهذه القوات.
وبعدها نفت السفارة السعودية في تركيا التقارير التي تحدثت عن وجود قوات سعودية وإماراتية في شمال شرقي سوريا، وهذا يمكن ان يفسر ايضا إمكانية الاستعاضة عن القوات الخليجية (السعودية الإماراتية)، بقوات سودانية لتنفيذ خطة لنشر نقاط مراقبة في الشمال السوري وتحديدا شرق الفرات بمباركة من كل السعودية والإمارات الدولتين الداعمتين لهذه العملية مع الولايات المتحدة.
ومعلوم أن السعودية قدمت من قبل مساهمة مالية بقيمة 100 مليون دولار لدعم المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن. وذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس” يومها، أن المساهمة تعتبر “امتداداً للعهد الذي قطعه وزير الخارجية عادل الجبير خلال المؤتمر الوزاري للتحالف الدولي الذي عقد في بروكسل في 12 حزيران 2018، واستضافه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.”
وقالت الوكالة أن الأموال ستذهب لدعم جهود التحالف في “إعادة تنشيط المجتمعات المحلية، مثل مدينة الرقة، كما ستركز على مشاريع استعادة سبل العيش والخدمات الأساسية في مجالات الصحة، والزراعة، والكهرباء، والمياه، والتعليم، والنقل”.
وهذا -ربما- يفسر إلى حد كبير عدم الخوف من ردة الفعل الخليجية، ولنا في ذلك إفادة وزير الدولة بالخارجية السودانية، أسامة فيصل بقوله: “ان الزيارة لن  تثير غضب الدول العربية الأخرى وانها تمت في إطار الصداقة، والتنظيم العربي”.
بيان الرئاسة السودانية ايضا حمل تلميحا واضحا لرغبة السودان في مشاركة عسكرية وقد ورد فيه على لسان الرئيس البشير التاكيد بوقوف  بلاده إلى جانب سوريا وأمنها، وأنها -أي السودان- على استعداد لتقديم ما يمكنها لدعم وحدة أراضي سوريا.
أما في الداخل السوداني، فقد سرت في الأوساط السودانية ان روسيا ستدفع أو ربما دفعت للسودان وديعة مالية لتسهم في إيقاف التدهور المريع الذي يعيشه الجنيه السوداني وانقاذ الاقتصاد السوداني المتهالك بعد ان بلغت قيمة الدولار 85 جنيها.
أمر الوديعة المليارية الدولارية “الروسية” كذبته وزارة الخارجية السودانية، وقطعت على لسان وزير الدولة بالخارجية، أسامة فيصل، في حديث نشرته صحيفة التيار السودانية، اليوم، ونسب زيارة الرئيس السوداني لدمشق في إطار التنظيم العربي .
غير ان مصادر اخرى أكدت إيداع المبلغ في بنك السودان المركزي، وقالت إن الحديث الذي تم تداوله على لسان وزير الدولة بالخارجية يعبر عن مدى الحرج الكبير الذي دخلت فيه الحكومة السودانية بربط الزيارة بالوديعة المالية.
وهناك معلومات ايضا بأن الوديعة ستتبعها شحنات من القمح الروسي لفك ضائقة انعدام الخبز التي يعيشها السودان هذه الأيام.
المؤكد ان الضائقة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها النظام السوداني هي التي كانت وراء هذه الرحلة التي شغلت الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.
ولكن هذه الزيارة الخاطفة للرئيس السوداني عمرالبشير⁩ إلى ⁧سوريا⁩ -حتى ولو قدر لها أن تنجح في أي مرحلة لاحقة بتحقيق مكاسب مالية أو أبعاد المخاطر الكبيرة المتوقعة بعد عودة القوات المشاركة حاليا في حرب اليمن- ستبقى واحدة من أهم محطات تسليط الضوء “سلبيا” على نظام الحكم في ⁧السودان، ومراوغاته، وفنونه في التعامل مع المحاور المتناقضة خصما على مواقف السودان التاريخية المعروفة⁩.
هذا بالإضافة للكم الهائل من الاساءات التي لحقت بالرئيس عمر البشير في وسائل الإعلام العربية والعالمية، وتحديدا امتعاض قوى المعارضة السورية والأحلاف المتباينة في هذه المنطقة الخطرة.
كما انها رسمت صورة سلبية جدا للرئيس عمر البشير في عيون الملايين من الأشخاص حول العالم.
إلى ان تتضح الحقيقة، يظل يقيني راسخا بان زيارة الرئيس عمر البشير إلى دمشق تحتاج إلى بعض الوقت لكي يتبين الناس تفاصيلها ودلالاتها بلا اجتهادات تحتمل الخطأ والصواب، وتقبل الاختلافات.
ويبقى السؤال الأهم، أيمكن لحلم البشير في سوريا أن يتحقق؟
هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة، وليس أمامنا إلا أن ننتظر!.
خالد الإعيسر - كاتب سوداني

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال