رؤية محتملة.. سيناريو الحرب الطائفية المرتقبة

يزداد الأمر قتامتاً خاصة في السياق المعقد المحيط بإقليم الشرق الأوسط، فكلنا يعلم بأنه حين تُسد دروب السياسة يصبح الرهان على فرض معادلة القوة لدى الأطراف المتنازعة أكثر حضوراً وأقرب وقوعاً.. فبالنظر إلى ما آلت إليه الأمور في المنطقة، ندرك بأن الواقعية حول نشوب حرب باتت قاب قوسين أو أدنى.
  وعليه فإن الصراع المحتدم والمتشابك حول العديد من الأطراف في المنطقة يأخذنا إلى تساؤلات كبيرة مفادها، أنه إذا ما نشبت الحرب فمن أطرافها؟ وماذا سيحدث؟ ولماذا؟ وأين؟ وكيف؟ ومتى؟
  فلا يخفى على أحد أن الأحداث الأخيرة تلقي بظلالها حول صراع يحمل في طياته الطابع الطائفي، ويتبلور في معسكرين أحدهما سني متفاهم مع الكيان الإسرائيلي، والآخر شيعي تقوده إيران.
  ولكي يكون المشهد لدينا أكثر وضوحاً علينا أن نتابع التحرك الإسرائيلي بالتوازي مع الوعي لمخططاته وأطماعه في المنطقة.. ولأننا ندرك بأن لإسرائيل أطماع في التوسع والسيطرة على المنطقة العربية المحيطه بها، وذلك يرمي لتحقيق حلمها المنشود في إنشاء إمبراطوريتها الكبرى على الأرض العربية، وبالتالي الهيمنة على خيرات ومقدرات الأمة.
كما أننا أيضاً لابد أن نعي، بأن نشوب حرب في المرحلة الحالية دون ترتيب من إسرائيل، سيعكس ضرراً كبيراً عليها، بل ربما يهدد وجودها، وبالتالي يحول دون تحقيق أطماعها، وذلك لعدة إعتبارات:
أولاً: تواجد حزب الله على الجبهة الشمالية، والذي لا ينفك في كل مناسبة بإظهار ولائه وإنتمائه لإيران، وبالتالي لن يتردد في فتح جبهة قتال عنيفة مع الكيان الإسرائيلي إذا ما إشتعلت الحرب.
ثانياً: التواجد المتوتر لحركات المقاومة المدعومة من إيران في قطاع غزة الواقع في جنوب دولة الكيان، وخاصة حركة الجهاد الإسلامي، والتي تدين بولائها لإيران، والتي أضحت تمتلك ترسانة صاروخية قادرة على إرباك إسرائيل، فإذا ما تهاوت الأمور نحو الحرب فلن تقف مكتوفة الأيدي.
ثالثاً: التواجد الإيراني النشط في سورية والذي سيأخذ دوره في المعركة من جبهة الجولان.
  وعليه فإن المتفحص في الفكر الإسرائيلي لهذه الحرب المقتربة، يجد بأن إسرائيل تريد أن تقود الحرب لا أن تخوضها.. بمعنى أنها تريد أن تجعل من حلفائها وقودها، وأن تفرغ نفسها لدور التخطيط والتحريض والدعم والإسناد والتمويل المدفوع من الحلفاء، دون أن يتم إستدراجها بشكل عملي على الأرض، وهذا يأتي لعدة أسباب:
أولاً: تسعى إسرائيل من وراء هذه الحرب إلى قيادة المنطقة، ولكي يكون لها ذلك فعليها أن تحافظ على قوتها الإقتصادية والتفوق لقدرتها العسكري بالتوازي مع تسجيل موقف تحالفي مع الدول العربية.
ثانياً: تعي إسرائيل جيداً أن هذه الحرب إذا ما قدر لها أن تقع، فلن يخرج منها رابح، وبالتالي فإن هدفها الأساسي هو إضعاف كافة القوى في المنطقة أمامها.
ثالثاً: تدرك إسائيل بأن إحتفاظها لتفوقها الإقتصادي والعسكري والتكنولوجي، سيجعلها محط إهتمام دول المحيط لبناء تحالفات وتعاقدات تطمح من خلاله الدول المتحالفة إلى إقامة مشاريع مشتركة مع الكيان الإسرائيلي لاستنهاضها من وحل الأزمات التي غرقت به بسبب الحرب.
  وعليه فقد بتنى نعي بأن هذا الدور الشيطاني لن يتثنى لإسرائيل لعبه إلا بالتخلص من الأوراق الإيرانية الثلاث المحيطة بها، والتي ستعمل إيران على تفعيها إذا ما نشبت الحرب.
  ولذلك فإن إسرائيل تعلم بأنها أمام تحديات صعبة ومعقدة، وهنا يطرح تساؤل كبير:
 كيف يمكن لإسرائيل رؤية الخلاص من الجبهات الثلاث المحيطه بها قبل إشعالها للحرب الإقليمية الكبرى في ظل الأجواء المعقدة وواقعها المأزوم؟
  لا يمكن لنا أن نبني تصوراً إلا إذا تعاملنا مع الجبهات الثلاثة على فُرادة، وخاصة إذا ما علمنا أن كل جبهة من الجبهات الثلاث كما تُشكل في ظاهرها عامل قوتها، فإن عامل ضعفها يكمن بداخلها.
أولاً: السيناريو المحتمل للتخلص من التواجد الإيراني في الجبهة السورية:
  لا يخفى على أحد التواجد النشط للمقاتلين الإيرانيين في سورية، والذي بدوره يشكل هاجس يرعب كل القوى المتصارعة التي تسعى لتحقيق أطماعها وفرض سيطرتها على سورية، وعلى الرغم من ذلك فإن روسيا وهي المؤثر الوازن والأكبر في المعادلة السورية، ترى في الوجود الإيراني على الأرض والداعم للنظام السوري، بديلاً جيداً يغنيها عن الدفع بجنودها دفاعاً عن النظام في وحل الصراع المحتدم، وعليه فإن هذا التواجد يخدم المصلحة الروسية في الوقت الحالي، إلا أنهم يخشوا أن يطول أمده، فمعيار الرضى عن التواجد الإيراني لدى الروس مرتبط بعامل الوقت والمصلحة الحالية.
  وبالتالي فإن روسيا تعي جيداً خطورة التواجد الإيراني على مسافات قريبة من الحدود الإسرائيلية، وهذا يأتي في سياق إدراكها لطبيعة الصراع في المنطقة، فهي تتابع عن كثب تسارع الأحداث التي تشير على نحو متصاعد لإحتماليات كبيرة لنشوب حرب تكون إسرائيل وإيران طرفان فيها، والتي بدورها ستؤدي إلى إشعال جبهة الجولان، وبالتالي ستخلط الأوراق في سورية، وهذا ما لا يخدم المصلحة الروسيا، وهنا تتقاطع المصلحة الإسرائيلية - الروسيا في الحفاظ على الهدوء في جبهة الجولان إذا ما نشبت الحرب.
فمصلحة الطرفان التسريع في إبرام صفقة سياسية تستفيد بها روسيا من جانب، وتكون الإستفادة لإسرائيل في إزاحة التواجد الإيراني لمسافات بعيدة عن حدودها، على أن تضمن روسيا حماية الحدود الإسرائيلية من جهة الجولان.
ثانياً: السيناريو المحتمل للتخلص من المقاومة الفلسطينية في جبهة غزة الجنوبية:
  بالرغم من القدرة العسكرية التي باتت تمتلكها حركة الجهاد الإسلامي في الآونة الأخيرة، والتي تدين بولائها الكامل لإيران وهذا لا شك فيه.
  إلا أن الكلمة العليا في قطاع غزة تبقى خالصة لحركة حماس، فالمراقب للتطورات الأخيرة لا يخفى عليه وجود تفاهمات بين حركة حماس وإسرائيل عبر وسطاء، الهدف منها الوصول إلى تهدئة تليها هدنة تريح الطرفين من عناء التوتر ولو لفترة من الوقت، في ظل عدم وضوح الرؤى المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وعدم سعي أي من الأطراف لخوض حرب ستكون نتائجها كارثية وخاصة على القطاع.
  وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الأمر لا ينفي إحتمالية نشوب حرب خاطفة ومباغتة من إسرائيل إذا ما إستدعى الأمر، تستهدف بها البنية التحتية لسلاح المقاومة، تتيح بموجبها تدخل الوسطاء لإبرام هدنة تعزل من خلالها حركات المقاومة في غزة عن حلفائها، وتكون برعاية وضمانات إقليمية ودولية.
  وعليه فإن إسرائيل تكون قد حيدت الجبهة الجنوبية بعد أن كبدت بها الخسائر، مع الحفاظ على إبقاء حكم حركة حماس القادر على فرض الهدنة، الأمر الذي يحافظ على وجود توازن بين الغريمين الفلسطينيين حماس وفتح، وبالتالي الحفاظ على إستمرارية حالة الإنقسام والتشرذم للكل الفلسطيني. 
ثالثاً: السيناريو المحتمل للتخلص من تواجد حزب الله على الجبهة الشمالية:
  يعتبر هذا السيناريو الأكثر تعقيداً، فهو مجبول بحسابات معقدة لا يمكن للكيان الإسرائيلي تفكيكه بسهولة، فهو الإختبار الأصعب لقوة الردع الإسرائيلية، فقوة الردع لدى إسرائيل لا تقف فقط على الترسانة العسكرية والنووية التي تمتلكها، بل تعتمد أيضاً على المكر والدهاء في بث الاشاعات وجمع المعلومات والاختراق الأمني في مواجهة الخصوم، كما أنها على الدوام تسعى جاهدة لبناء تحالفات مع أعداء خصومها للاستفاده منهم إذا ما لزم الأمر.
  وبناءً على ما سبق، فإذا ما نجحت إسرائيل عزل الجبهة الجنوبية وجبهة الجولان عن حربها المرتقبة مع حزب الله، فإنها بلا شك تكون قد نجحت في حشد قدراتها القتالية عل الجبهة الشمالية، مما يعطيها قدرة على التفوق وإمكانية تحقيق إنتصار، إذا ما استطاعت تحقيق عدة أهداف:
  الهدف الأول: قيام إسرائيل بتقليب القوى الداخيلة على الحزب، على قاعدة أن الحزب يغامر باستقرار الدولة اللبنانية، ويتفرد بخيار الحرب خارجاً على إجماع القوى اللبنانية، التي لا ترى في هذه الحرب سوى خدمة لأجندة إقليمية، سيدفع لبنان ثمناً كبيراً لها.
  الهدف الثاني: في ظل البيئة الخصبة المأزومة والمتصارعة والمنقسمة وغطرسة الحزب بالهيمنة على القرار السياسي والعسكري اللبناني، ستسعى إسرائيل جاهدة لتغذية النوازع الصدامية وربما ترتقي لإحداث صدامات مسلحة بين القوى اللبنانية لخلق فوضى عارمة، مستعينة على ذلك بقوى إقليمية حليفة نافذة في القرار السياسي للقوى اللبنانية.
  الهدف الثالث: تريد إسرائيل أن تعلن عن نفسها كقوة قتالية تدميرية يحسب لها ألف حساب في الإقليم، ولكي يكون لها ذلك عليها أن تستعيد قوة الردع لديها، فهي لا تنفك بين الحين والأخر بالحديث عن حزب الله على أنه من أقوى جيوش المنطقة بما يمتلكه من خبرات وقدرات تدريبية وعتاد عسكري ضخم، وهذا التضخيم الإعلامي يقودنا إلى تبرير مصبق لحجم الضربات التدميرية التي ستشنها إسرائيل على لبنان جوأ وبحراً وأرضاً، مستعيدة بذلك قوة الردع لديها، ومعلنة عن نفسها كقوة قتالية تدميرية غاشمة ووازنة في الإقليم.
  الهدف الرابع: ستذعن إسرائيل للتدخلات الدولية الساعية لوقف الحرب بعد أن تكون قد حققت مرادها، على أن يكون ذلك بالتوازي مع سعيها لإفتعال حرب طائفية ما بين الجبهة السنية الحليفة، وإيران وما تبقى من حلفائها، مستهدفة بذلك خلط الأوراق وإغلاق التساؤلات حول ما خلفته إسرائيل في لبنان من كوارث، وبضمانها لحسم ملف الجبهات الثلاث المؤرقة لها، وعزلها عن إمكانية إستخدامها ضدها، ستُغرق الإقليم في حرب طائفية طويلة، تستنذف قوة جميع الأطراف المشاركة بها، تكتفي فيها إسرائيل بدورها على الدعم والإسناد والتأجيج والتحريض، متخذه من نفسها موقف القوة التي سترجح كفة الميزان في حسم الحرب الدائرة.
  فبعد انهاك جميع الأطراف سترصد إسرائيل نقاط ضعف خصومها، لتقوم بالإنقضاض المباغت على الخصوم، من خلال ضربات جوية مدمرة وقاضية، تعمل على إحداث شلل يؤدي إلى فقدان القدرة القتالية للخصم، وإرغامة على الإستسلام، معلنةً بذلك عن إنتصارها وحلفائها (الدول العربية). 
  ونتاج لما سبق، فإن إحتفاظ إسرائيل بقوتها الإقتصادية والعسكرية والتكنولوجية المتعاظمة أمام الضعف والوهن الذي أصاب الدول العربية جراء الحرب والإنقسامات الداخلية على أثرها، سيجعل لها الكلمة العليا في المنطقة، لحاجة الدول العربية لدعمها، وهذا ما سيمكنها من فرض شروطها وبسط سيطرتها، وبالتالي وصولها إلى تحقيق حلمها في إقامة إمبراطوريتها المزعومة (إسرائيل الكبرى) فوق الأرض العربية، فإذا ما ساقت الأقدار هذا فويلٌ للعرب من شرٍ قد إقترب.
 أمجد عابد
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال