لم ييأس الطغاة ولم تيأس الثورة

المرور إلى السرعة القصوى قصد تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي وإلغاء كل المكاسب التي حققتها تونس ما بعد الثورة أضحى أمر معلوما عند كل المتابعين للشأن السياسي التونسي.
كان انفكاك عرى التوافق شرطا ضروريا لكل المتربصين بتونس، وثورتها للشروع في تحقيق مخطّط الفوضى والخراب، ولم يكن الخلاف حول النقطة 64 المتعلّقة برحيل رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، إلا الشجرة التي تخفي غابة المكائد والمؤامرات، بل إنّ مؤشّرات كثيرة أكدتها تصريحات مختلفة لسياسيين منهم رئيس الدولة، أشارت إلى تحوّلات غامضة وقاسية ستلوح في أفق الواقع السياسي التونسي.
يحتاج رئيس الدولة، وهو رمز الدولة العميقة التي استعادت دورها بعيد انتخابات 2014، إلى إعادة عناصر الصراع مع المكوّنات الحزبيّة للثورة، ومكاسبها القيمية كالحريّة والديمقراطية والكرامة والمواطنة. ولذلك كان من الضروري إنهاء التوافق باعتباره شرطا سياسيا إجرائيا للاستقرار في حدّه الأدنى، وجميع مكونات التوافق من أحزاب ومنظمات مدركون أنّ التوافق في تونس لم يكن مبدئيا، وإنما كان منهجيا إجرائيا فرضته شروط إدارة الشأن السياسي، في ظل مناخ استقرار سياسي واجتماعي.
اختلاف الحزبين والشيخين، رئيس الجمهورية الباجي السبسي ورئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، بشأن مسألة استقرار الواقع السياسي والاجتماعي، عبر استقرار الحكومة، وفي مقدمها يوسف الشاهد، رسّخ التباعد، وأضاف إلى الصراع الحزبي المتجدّد بتجدّد المناسبات السياسيّة (الانتخابات البلديّة ثم الاستحقاق الانتخابي نهاية 2019) عناصر أخرى كانت حزءا من المشهديّة الحزبيّة في تونس، وهي العائلة والجهة. ولقد اختار رئيس الدولة العودة إلى نهايات حكم بورقيبة وحكم بن علي، حيث كانت العائلة عاملا حاسما في مسألة الحكم والسقوط.
اختارت "النهضة" الاستقرار الحكومي منفذا للاستقرار الاجتماعي والسياسي، عبر الانتصار لشقّ يوسف الشاهد ومناصريه في البرلمان، وفي حزب نداء تونس. ولئن أشارت في بياناتها وندواتها ومؤتمراتها، أن هذا الخيار أملته المصلحة الوطنية وضرورة الحفاظ على المسار الديمقراظي، المهدّد داخليا وخارجيّا، فإنّها كانت تدرك كذلك حجم ردّة الفعل من رئيس الجمهوريّة، وبقايا حزبه وابنه، وهي ردّة فعل تداخل فيها البعد الذاتي الذي غلب عليه كبرياء السلطة من ناحية، والثأر للعائلة والمنظومة القديمة من ناحية ثانية.
أعاد الرئيس السبسي صياغة عناصر الصراع مستحضرا مشاهد 2013، وحاول إعادة تشكيل مكوّناته عبر المخاطبة السياسيّة للأحزاب، كالجبهة الشعبية عبر إثارة ملف اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، أو بقية الأحزاب المخالفة لحركة النهضة عبر إعادة إنتاج الصراع الهووي ( مسألة الميراث ومدنيّة الدولة ) أو عبر المخاطبة الاجتماعيّة للهيئات والمنظمات، وخصوصا الاتحاد العام التونسي للشغل الذي اختار مساندة الرئيس في مسألة التعديل الكلي للحكومة، أو في ملف اغتيال الشهيدين.
المنافسة السياسية في تونس والمماحكات المستمرّة بين الأحزاب شرط طبيعي وضروري للحياة السياسية في واقع ديمقراطي ومكسب من مكاسب تونس مابعد الثورة ولكنّ الخطير هو الامتداد الإقليمي لهذا الصراع والعمل على نسف كل ما أنتجته الثورة نسفا كليّا عبر العودة إلى مربّع الخوف والقمع ولئن حاولت عديد الأطراف الخارجية منذ الثورة التدخّل المباشر وغير المباشر في الشأن التونسي والدفع في اتجاه النكوص الكلي وإعادة إنتاج المنظومة القديمة بنية سياسية ومنهجا في إدارة الحكم وشخصيات حزبية فإنّها لم تتمكّن من اختراق نظام الحكم والسياسة اختراقا كليّا بل إنّ مواصلة سياسة التوافق ومشاركة حركة النهضة في الحكم كان تعبيرا واضحا عن فشل المتربصين بالثورة ومكاسبها داخليا وخارجيا .
ما يحدث قبل سنة من إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية 2019 يبدو المحاولة الأخيرة ولكنّها الأشدّ والصراع في تونس هو صراع مع الزمن، والكلّ يدرك أن نجاح تونس في إجراء الانتخابات نهاية سنة 2019 يمثّل فشلا كليّا لكل من أراد العودة إلى منظومة ما قبل الثورة، ويؤكّد نجاح تونس في تجربة الانتقال الديمقراطي، في فضاء إقليمي وعربي، الغالب عليه صورة الخراب والاستبداد.
زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، المتهم مباشرة باغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، تونس في مرحلة سياسية مضطربة وواقع اجتماعي محتقن، تؤكّد المخاوف التي أعلنها سياسيون من أحزاب مختلفة ومتباينة في التوجهات والخيارات. وأدرك إعلاميون ضيق أفق الطغاة واتساع فضاء الحرية، وما يؤكّد هذه المخاوف تلك الدعوات إلى احتجاجات شعبية في ظاهرها اجتماعية، لكنّها تحمل في ملامحها كثيرا من صور الثورة المضادة في مصر صيف 2013 التي قدّمت للانقلاب المصري.
استنساخ تجربة تمرّد المصريّة المموّلة خليجيا واستحضار مشاهد الاحتجاجات في فرنسا (السترات الصفراء) كلّها مؤشرات تعلن أنّ شهر يناير (كانون الثاني) لن يكون زمنا عابرا في التاريخ السياسي التونسي، وإنّما سيكون تاريخا للمعركة الفاصلة سياسيا بين الثورة والثورة المضادة .
لا تحتمل تونس عبر تاريخها الصراع الدموي، وحتما ستكون الحكمة والتعقّل أساس الحسم في كل الخلافات وسيبتكر العقل السياسي التونسي المبدع حلاّ مستلهما من التربة التونسية والوجدان التونسي والروح التونسية، المتشبعة بقيم الحريّة والكرامة.
محمد المولدي الداودي - تونس
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال