#رواية "حمام الدار".. أحجية فلسفية في قالب أدبي ممتع

الرواية نص أدبي ممتع ملئ بالتساؤلات الفلسفية عن الحياة. تجعل القارئ يرى نفسه فيها، وكأنها مرآة له يرى فيها حياته الشخصية.
 حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون".. كانت هذه تيمة أحدث روايات الكاتب الكويتي سعود السنعوسي، والذي سبق له كتابة العديد من الروايات المؤثرة في عالم روايات العربية خلال الفترة الأخيرة مثل "ساق البامبو"، و"فئران أمي حصة" وغيرهما. إلا أن تلك الرواية التي نحن بصددها "حمام الدار (أحجية ابن أزرق)" الصادرة عن منشورات ضفاف عام 2017،  تختلف كلية عن الروايات السابقة للكاتب في عدد من الأوجه وتقنيات الكتابة والرسالة التي تحملها بين طيات الأحداث.
فقد اعتمد السنعوسي في رواياته العديد من التقنيات الكتابية الروائية التي تميزت كلها بالقدح الذهني، حيث الرواية تحتاج إلى عصف ذهني شديد حتى يتم فهمها بشكل صحيح، وهذا ليس عيباً في الرواية بقدر أنها تحمل لوناً جديداً غير متبع في الرواية العربية إلا نادراً، وهو ما حاول الكاتب أن يعتمد على هذا اللون في إتمام الرواية.
أقسام الرواية .. العهد القديم والجديد:
قسّم الكاتب روايته إلى قسمين منفصلين، يرتبط بعضهما ببعض في الأحداث التي تكاد تكون واحدة لشخصين منفصلين وهما بطلا الرواية عرزال ابن أزرق ومنوال ابن أزرق. وعرزال يمثل العهد القديم، كما يطلق عليه الكاتب، ومنوال يمثل العهد الجديد. إلا ان أحداث العهدين أو قسمي الرواية واحدة تماماً من دون تيمة التكرار، لكنها تعتمد على عدم الفصل بين الخيال والواقع بين الطرفين مع أحداث متداخلة على لسان الشخصيتين ما بين ماضيهما وحاضرهما وربط الماضي بالحاضر بإحترافية شديدة تحسب للكاتب بعيداً عن الملل في أجزاء كثيرة من قسمي الرواية.
والرواية لا تعتمد على الفصول ككل الروايات التقليدية، بل إنها قسمان تتداخل فيهما أجزاء منفصلة للغاية عبارة عن أحداث من الماضي لكل شخصية، تتداخل بدورها مع الحاضر، هذا إلى جانب تعمد الكاتب عدم توضيح الأماكن أو الزمان المحدد، بل تركه لخيال القارئ، حيث تشعر وأنت تقرأ تلك الرواية أن الشخصيات نفسها تكتب نفسها بنفسها خاصة مع تصاعد الأحداث خلال قسمي الرواية.
لغة الرواية وأسلوبها:
في الحقيقة تتميز رواية "حمام الدار" بلغة رصينة جذلة، حيث تبتعد تماماً عن الألفاظ العربية الدارجة في معظم الروايات الحديثة. كما تتميز كلماتها بأنها عربية صحيحة تحتاج إلى شرح في بعض ألفاظها، لكنها في العموم لغة سهلة في معظمها، كما أنها تتميز بوجود تشكيل الكلمات في بادرة لن تجدها في العديد من الروايات. ولعلها من التجديد الذي قصده السنعوسي، أن تصبح الرواية منذ الكلمة الأولى إلى الكلمة الأخيرة عبارة عن نص أدبي قوي يتميز بالتشكيل والتدقيق اللغوي الشديد، وقد تم بذل جهد واضح في هذا التدقيق.
أما عن أسلوب الرواية، فالأسلوب والمعاني المستعارة، إلى جانب التشبيهات الجمالية، رائعة في العديد من أجزاء الرواية مما يضيف رونقاً خاصاً على الأحداث يزيد من رصانة النص الأدبي للرواية بشكل كامل.
ويشعر من يقرأ الرواية أن الأسلوب قادر على جعل القارئ مندمجاً مع الأحداث بالرغم أنها تحتاج إلى تركيز شديد في التقنيات التي اعتمدها الكاتب في كتابة الأحداث، إلا أن هذا الأسلوب التعبيري والجمالي من التشبيهات والاستعارات وغيرها خففت من حدة التقنيات الجديدة والتي لا يعتاد عليها قارئ الرواية العربية وخاصة خلال السنوات الأخيرة.
إلا أن هذا الأسلوب أيضاً قد لا يستسيغه البعض من القراء، الذين اعتادوا على التقليدية في سرد الأحداث والأساليب اللغوية وغيرها من التقنيات التي تكتب بها الروايات، حتى اتهم البعض الكاتب أنه وجّه روايته إلى الصفوة من المثقفين دون الجمهور العادي، وذلك بسبب صعوبة ترابط الاحداث وفهمها من أول مرة، وأنك تحتاج كقارئ عادي أن تقرأها أكثر من مرة حتى ينكشف لغز الرواية.
الرواية مجموعة من الألغاز والأحجية:
لعل اسم الرواية موحي للغاية في قسمه الثاني "أحجية ابن ازرق". الأحجية والألغاز، هي من أعتمد عليها السنعوسي في كتابة الأحداث المتتالية سواء في القسم الأول من الرواية الذي يتحدث عن عرزال أو في القسم الثاني الذي جعل منوال بطله الخاص. فالأحداث عبارة عن أحجية خاصة بالبطلان تحتاج الكشف، إلا أن الكاتب وضع تلك الأحجية والأسئلة والنقاشات النفسية الداخلية نت دون إجابات واضحة محددة، مما جعل القارئ في حيرة من أمره في بعض الأحيان، ومن هنا جاء إتهام الرواية بأنها تحتاج إلى القراءة مرات ومرات من أجل فهمها وحل الألغاز التي بين طياتها، وأنها كتبت خصيصاً للصفوة من الناس.
إلا أن الحقيقة غير ذلك، بالأحجية النفسية التي وضعها الكاتب والتي تحتاج بالفعل إلى قدح زناد العقل مع كل تفاصيل الرواية، تجعل القارئ قد يرى نفسه فيها، وكأنها مرآة له يرى فيها حياته الشخصية. ولعل القارئ يصل من خلال تصاعد الأحداث في القسمين، إلى أن يقر في كينونة نفسه أنه وجد الحل، أو بالأحرى فهم المغزى من رسالة الرواية ككل، والتي يفهمها القارئ وفق معارفه وتفكيره ومنطقه في تفسير الأحداث والذي يختلف من قارئ إلى قارئ، وهو فيما يبدو ما قصده الكاتب من كون تلك الرواية عبارة عن عدد من الأحجيات المشتركة والمتداخلة مع بعضها البعض.
لوحات تشكيلية خدمت النص الأدبي كثيراً:
من مظاهر التجديد في رواية "حمام الدار"، هي اللوحات الفنية التشكيلية التي تميزت بها الرواية سواء الغلاف الخارجي المعبّر تماماً عن فكرة القصة، وهي عبارة عن جسد واحد لوجهين يشبهان بعضهما تماماً. ولعل هذا يقصد به بطلي الرواية عرزال ومنوال إلى جانب وجود نافذة شباك صغيرة نحو السماء الزرقاء. ولعلها ترمز إلى أزرق الكيان المغلف لأحداث الرواية وعليها حمامة تشبه وجهها قليلاً شخصيات الرواية، وهي كناية أن "حمام الدار" جزء أصيل من أحداث عرزال ومنوال طوال أحداث الرواية إلى جانب منضدة عليها كوب القهوة.
ولعل هذه اللوحة التشكيلية المعبّرة، قصدت منها الفنانة التشكيلية الكويتية "مشاعل الفيصل" التعبير عن عرزال ومنوال وحمام الدار بكل صدق وكأن هذه اللوحات جزء من النص الأدبي، وهي في الحقيقة أضافت إلى النص رونقاً وأثراً كبيرين في نفس القارئ المندمج مع أحداث الرواية والخيال المغلف بها.
واللوحات عددها عشر بالإضافة إلى غلاف الرواية المميز باللون البني في الخلفية والرمادي في ملبس الشخصية والمختلط بالأزرق، وهذه ملحوظة أخرى، حيث أن اختيار الألوان مقصود هنا في أحداث الرواية التي تختلط ما بين الرمادي والأزرق. وهذا نجده في النص الأدبي مباشرة في العديد من الأجزاء والحكايات على لسان الأبطال سواء في ماضيها وحاضرها.
أما عدد صفحات الرواية فهي لم تتعدَ المائتي صفحة، وهي أصغر الروايات التي كتبها السنعوسي خلال مسيرته الأدبية، إلا أنها أقوى تاثيراً في الأسلوب والتجديد كما رأينا، وهو ما نحاول إلقاء الضوء عليه خلال مناقشة الشخصيات وبعض من الأحداث والأحجية بها خلال النقاط التالية.
العهد القديم.. نص لقيط على لسان عرزال:
أختار السنعوسي هذا العنوان ليكون عنوان القسم الأول من الرواية والذي أسماه العهد القديم صباحات عرزال ابن أزرق، والتي تعبّر تماماً عن هذه الشخصية التي تحكي ماضيها وحاضرها في لغة متداخلة وتذكر للأحداث في الماضي لمجرد أن يرى الحاضر.
أما عن النص اللقيط، فهو النص الذي وجد من العدم لكاتب يصوّره السنعوسي بأنه يريد أن يكتب ويقدح زناد عقله من أجل إخراج نص من لا شيء وقد نجح على مدار 12 ساعة متتالية على كتابته وهذا كان مدخلاً جيداً للرواية ككل، والتي تبدأ بالصباحات التي يحكيها عرزال إبن أزرق عن حياته السابقة واللاحقة.
أما عن الصباحات "الرمادية" التي يحكيها عرزال، فهي عبارة عن صباحات كسولة مملة من شخص يعاني الإكتئاب في غرفة مهملة لها نافذة على البراح الأزرق والذي لعله هنا ماضي هذا الشخص. ومن خلال حمامات تستقر على النافذة وتغدو وتروح كيفما شاءت لكنها لا تغيب، ومن هنا جاءت تيمة هذه الرواية أن "حمام الدار لا يغيب"، يتذكر عرزال بيته العربي القديم وأباه أزرق والحمامتين "رحال وزينة" واللتين لهما قصة أخرى في العهد الجديد، في شي رائع من تقنيات الكتابة التي قصدها السنعوسي، وحمامة أخرى تدعى فيروز لها صغار تقوم برعايتهم بين الفينة والأخرى.
بطل هذا العهد عرزال يقوم بتذكر الدار وخاصة بصيرة جدة والده، الذي يطلق عليها أنها سيدة قديمة جداً لا يدري هل أنها جدة والده حقاً، أم جدة جدته، تعيش في أسفل السلم للبيت العربي الذي تربى فيه عرزال صغيراً، لكن أباه أزرق لا يرى لها وجوداً، ويتهم ولده أنها من نسج خياله، وهنا تبدأ أحجية إبن أزرق في الظهور، لكن بصيرة على كل حال جزء مهم في الرواية وفي تفسير هذه الأحجية.
ينتقل السنعوسي برشاقة على لسان عرزال إبن ازرق من صباح أول وثانٍ وثالث في محاولة لظهور الأحجية مرة بعد مرة، وتذكر الأحداث الماضية مع الحاضر، وتأثر عرزال بحالته الحاضرة. عرزال هنا شخص منفصل عن زوجته، يرى أطفاله بالكاد كل فترة، يعاني من الإكتئاب والحياة الرمادية والتي تعبر أحداث حياته، ملطخة بالأزرق وهو الماضي المتمثل في أبيه أزرق الذي كان يربّي الحمام على سطح منزلهم. ويتأثر الإبن بالحمام الذي يذهب بعيداً من دون أن يعود كما أخبره والده، لكن الإبن ينسج خيالاته الخاصة حول الحمام، ليصنع عالماً مليئاً بالتساؤلات الأبدية والتي كأنها تساؤلات البشرية جمعاء من لدن آدم حتى يومنا هذا.
العهد الجديد.. صباحات متكررة لمنوال ابن أزرق:
في هذا القسم الثاني من الرواية، يبدأ السنعوسي في الإنتقال إلى منوال إبن أزرق، وهي شخصية جديدة بعيدة عن عرزال، إلا أن الأحداث متكررة إلى حد بعيد. منوال مثل عرزال في كل التفاصيل الحياتية والمعاناة التي يعانيها، وبعد تداخل كبير في الأحداث، نجد أن الحمامتين اللتين هربتا من أزرق في أول الأمر ولم تعودا وهما زينة ورحال ما هما إلا ولدا منوال اللذين ابتعدا عنه نحو الفضاء الأزرق في البحر المتلاطمة أمواجه.
يبدأ منوال بالجملة المتكررة في معظم أحداث الرواية "حمام الدار لا يعود". ثم يحكي الراوي على لسانه حكايته الماضية مع أزرق والحمامات في حكاية تشبه قصة عرزال السابقة، ومع الكثير من الأحداث المتوالية عن حياته مع زوجته السابقة وإبنيه التوأم واللذين للمصادفة اسمهما رحال وزينة وهما الحمامتان اللتان غابتا عن عرزال وأبيه، وكأن هاتين الحمامتين استقرتا عند منوال إلى حين.
تتوالى الأحداث في رشاقة وخفة لغويتين رائعتين تحسبان للسنعوسي حتى تنتهي الرواية بأحداث غير متوقعة، لكنها تتمحور حول أحجية وتساؤلات أخرى عن الحياة وفلسفتها وكينونة العيش فيها، وهي أسئلة وجودية قلما نجدها في نص أدبي ممتع.
في النهاية؛ من خلال تلك الرواية لا يمكن وضع جميع التفسيرات والتأويلات بشكل عام، في إطار خاص أو قالب معين، وذلك لأن القرّاء هم من سيضعون تفسيراتهم الخاصة حول تلك الرواية وما يتعلق بها من تساؤلات إنسانية محضة، فهي مرآة يرى فيها الفرد نفسه من خلال نص أدبي فريد من نوعه غامر به السنعوسي بطرحه على الجميع.
هيثم السايس / الميادين نت
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال