سينما الخيال العلمي: "المفترس" ملاحقات لا تنتهي لكائن فضائي ذي قدرات خارقة

المخرج شاين بلاك يؤسس في فيلمه لنوعين من البطولة الفردية، الأول يتمثل في المفترس الذي يقتنص ضحاياه بلا رحمة، والثاني هو ماكينا الذي يطارده.
تعد الشخصية الدرامية ذات المواصفات الخارقة في سينما الخيال العلمي عنصرا أساسيا، لا سيما عندما تبنى الدراما الفيلمية على فكرة التفوق، وفي هذا النوع من أفلام الخيال العلمي سنكون أمام نوعين من الشخصيات، فإما أن يتم تطوير شخصيّات أرضية جينيا وعضليا فتغدو ذات قدرات خارقة، وإما أن تبنى الدراما الفيلمية على أساس المواجهة مع شخصية واحدة أو شخصيات عدة قادمة من كواكب ومجرّات أخرى، وبين النموذجين هنالك هامش بسيط لنمط شخصيات الزومبي التي تتحول إلى كائنات متوحشة بسبب وباء أو عدوى جرثومية.
قدمت سينما الخيال العلمي العشرات من الأفلام التي عالجت ثيمة القدرات الخارقة، والتي حظيت بشعبية واسعة ونجاح كبير، لا سيما تلك الأفلام ذات الإنتاج الضخم.
وفي المقابل نجد أن هناك استسهالا في مجال الأفلام قليلة التكلفة أو نوع السينما المستقلة في تقديم الشخصيات الخارقة، وبسبب ضعف المتطلبات الإنتاجية لا يتحقق الكثير ممّا يرتبط بتلك الشخصيات من اشتراطات لكي تغدو مقنعة وأفعالها مبرّرة.
وفي فيلم “المفترس” للمخرج شاين بلاك سوف نمضي مع هذه السلسلة الناجحة من الأفلام حتى وصلنا إلى الفيلم الرابع مع مخرجين مختلفين، إذ ظهر الفيلم الأول في العام 1987 للمخرج جون مكتيرنان وحصد نجاحا كبيرا، حيث جمع قرابة مئة مليون من الدولارات، تبعه الفيلم الثاني في العام 1990 للمخرج ستيفين هوبكينز، لكنه لم يصب النجاح الذي حققه الفيلم الأول بحصيلة زادت على 50 مليون دولار، فيما أطلق الفيلم الثالث للعرض الجماهيري في العام 2010 للمخرج نمرود إنتال، وهنا تم تعديل الاسم إلى “مفترسون” وحقق عائدا وصل إلى أكثر من 125 مليون دولار في شباك التذاكر.
وتتحدث قصة الفيلم في جزئه الرابع عن قيام القناص المحترف كوين ماكينا (الممثل بويد هولبروك) بمهمة إلى جانب فريق من القناصين والقوات الخاصة بتعقّب وحش مفترس، وربما مجموعة وحوش، هبطت مركبتهم في منطقة أحراش معزولة، وهناك تقع مواجهة دامية تنتهي بمقتل الفريق ونجاة ماكينا ومن ثم اتهامه بأن لا دخل للوحش في مقتل أحد أفراد المجموعة، وأن من ارتكب الجريمة هو ما كينا نفسه.
هنا سوف يتم تأسيس نوعين من البطولة الفردية، الأول يتمثل في المفترس الذي مازال يقتنص ضحاياه في وسط قرارات بيروقراطية من الجهات الحكومية وبطء في رد الفعل، في مقابل بطولة فردية أخرى يمثلها ماكينا، وهنا يتم تأسيس الصراع بين الشخصيتين.
وما بين هذا التأسيس وخلاله سوف نعود إلى أسرة ماكينا، ابنه الطفل الصغير المصاب بالتوحّد وزوجته التي سوف تجد نفسها وسط دوامة الصراع، خلال ذلك تتمكن السلطات من أسر المفترس وتقييده وجلب البروفيسورة كاسي (الممثلة أوليفيا مون) المتخصصة في التطور الجيني والبيولوجي للكائنات الفضائية.
ولغرض الزج بالحبكات الثانوية تباعا لتطوير هيكل الصراع والدفع بالأحداث نحو مواجهات درامية متسارعة، يغنم ماكينا قناعا وذراعا آلية تخص المفترس يقوم بشحنها بالبريد لتقع في يدي الطفل الصغير الذي سوف يستخدمها للقصاص ممّن يشاكسه من زملائه في المدرسة، لكن ما لم يكن في الحسبان أن القناع والذراع إذا ما تم استخدامهما سيطلقان إشارات تدفع المفترسين لتعقب المكان الذي توجد فيه، وبذلك ينزلان إلى المدينة في مواجهة حاسمة ودامية.
وإذا توقفنا عند المواجهات الحاسمة، وهي متوزعة على الزمن الفيلمي بعناية كبيرة، فإن أفظعها وأكثرها شراسة تلك التي تقع في داخل المختبرات، حيث يتخلص الوحش من القيود الهشة التي تم تقييده بها ويقوم بالفتك بأغلب العاملين بلا تردد.
وإذا عدنا إلى الشخصية الرئيسية، ماكينا، فإنه وقع بين يدي المفترس مرات عدة، ولكن من دون أن يقتله، كما أن المفترس بعد الإجهاز على من في المختبر جميعا يستثني البروفيسورة من دون أن يؤذيها.
وفي مشهد آخر حاسم في المواجهة بين ماكينا والمفترس، لم يجد كاتب السيناريو والمخرج حلا لإنقاذ ماكينا، سوى أن يعيد شخصية البروفيسورة لتجهز على المفترس وتنقذ ماكينا، وهي من المشاهد غير المقنعة ولا المبرّرة دراميا.
ولعل من المشاهد التي منحت الفيلم جوا من المرح في وسط الشد النفسي والصراعات الدامية، تلك التي جمعت ماكينا مع مجموعة من العسكريين والمجندين الذين ارتكبوا مخالفات ويتم إرسالهم جميعا إلى السجن في باص كبير، لكن ذلك الباص سوف يتحول إلى ساحة معركة مع الوحش.
فثلة العسكريين المخالفين حملوا حسّا من الفكاهة في وسط الأحداث خفف من جرعة الصراعات المحتدمة، لا سيما مع تطوير شخصية وأدوات المفترس مع تتابع هذه السلسلة.
وكما أشرنا آنفا، فإن الإنتاج الضخم الذي تولته مؤسسة “ديفس مع فوكس للقرن العشرين” وبميزانية زادت على 80 مليون دولار قد وفّر وضعا إنتاجيا مريحا لجهة استخدام شتى التقنيات والخدع السينمائية، فضلا عن طواقم التصوير وفرق الانفجارات وتوظيف المؤثرات البصرية الخاصة، ليقدم لنا فيلما جذابا وناجحا تجاريا جمع بين الحركة والعنف والخيال العلمي في مزيج ناجح.
طاهر علوان - كاتب عراقي


Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال