عن أي أملٍ نتحدّث

تنقل الصين مبنى ضخما جدا عبر النهر من مكان إلى آخر، بتقنيةٍ هندسيةٍ وعلميةٍ مذهلة، بحيث بدا المبنى في الفيديوهات التي تم تناقلها كما لو أنه عبّارة نهرية بالغة الضخامة، لكنه بناء ضخم، تم نقله بساكنيه وبكل ما فيه، من دون أن يُصاب جزءٌ منه بأي خدش. 
قبل سنتين، نقلت تركيا قصرا أثريا عبر البوسفور، على ما أذكر، بسبب تعرّض منطقته الأصلية لفيضانات دائمة، قد تؤثر عليه وتتلفه. 
وفي السويد وبريطانيا، سوف يتم اعتماد شرائح إلكترونية تُزرع في الأكفّ، لتكون بديلا عن الهوية أو البطاقة الشخصية. إيران وكوريا الشمالية والهند تتقدّم نووياً بشكل مذهل. لا داعي طبعا للحديث عن اليابان، ولا عن مستوى التقدّم العلمي والحضاري والإنساني في ذلك البلد المذهل، ولا عن جديد الاكتشافات الطبية والتجارب التي ستقضي على الأمراض المزمنة والوراثية في أميركا وأوروبا. ويقال أيضا إن كوكب المريخ سوف يصبح قابلا للحياة البشرية.
 قرأت يوما عن محاولة اختراع مصعد فضائي، يعمل حسب دوران محور الأرض، ينقل الناس من أقصى الأرض إلى أقصاها في زمنٍ قصير جدا، مخترقا المجال الأرضي. وقبل مدة، انتشر تقرير عن إمكانية قريبة لزراعة رحم لدى الرجال، وتخصيبه بالبويضات الأنثوية، فلا يعود الحمل مقتصرا على النساء! كل يوم هناك أخبار عن اختراعات جديدة، وعن وصول العلم إلى درجةٍ مذهلة، لم تخطر على بال أحد. 
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مروّج هذه الأخبار الأول، فتنتشر خلال دقائق، وتصل إلى أكبر شريحةٍ من مستخدمي هذه المواقع. في الوقت الذي تنتشر فيه أخبار أمة العرب الرائعة، ليس فقط أخبار الحروب والموت والجوع والعنصرية واللجوء والخلافات والحصار والتقطيع والإخفاء والخطف، وغيرها، بل أيضا أخبار الاختراعات العربية المذهلة، كإبعاد الجن واستحضار الحبيب الخائن، وجعل الأهل يوافقون على الزواج، واختراع هاتف يتصل مباشرة بالحسين عليه السلام، واختراع جهاز (كفتة) للشفاء من الإيدز وفيروس سي، والقدرات الخارقة لدى مذيعة تلفزيونية على إيقاف العاصفة القادمة إلى بلادنا، والطلب من الوافدين، في بعض بلدان شرقنا السعيد، الكف عن صلاة الاستسقاء بسبب تحوّل المطر إلى سيول.
 وتنتشر لدينا أخبار عن اختراع وسائل جديدة لتعذيب معارضي السلطات وقتلهم، واختراع مصطلحات جديدة أكثر لطفا في بيانات القتل. والأهم من ذلك كله، الفتاوى المتوالدة من مشايخ المؤسسات الدينية المحسوبة على الأنظمة، وعلى معارضيها في الوقت نفسه، فمقابل التقدّم العلمي لدى كل ما لا يمت للعرب بصلة، لدينا نكوصٌ ماضويٌّ، أو ربما ما قبل ماضوي، لفرط تخلفه ورجعيته وانحطاطه، وكأننا نتبارى مع الآخرين، كلما تقدّموا هم في مجالٍ أثبتنا نحن أننا أكثر قدرةً على التخلف، ليس فقط على مستوى الشعوب المغلوب على أمرها بطبيعة الحال، بل الأهم على مستوى الأنظمة ومؤسساتها، وهيكلة الدول المهترئة والمتعفنة بفسادها. 
لم نقدّم، مجتمعاتٍ عربيةً ودولاً وأنظمةً ومؤسسات، للحضارة شيئاً منذ زمن طويل جدا، وعلى أي مستوى، لا العلمي ولا الثقافي ولا الفكري ولا الإنساني ولا الأخلاقي ولا المعرفي. لم نقدم حتى لأنفسنا ولأولادنا ولمستقبلهم أي شيء غير الخراب واليأس. وإذا كانت هناك ظواهر فردية في مكانٍ ما، فهي تؤكّد الحالة العامة: أننا كأمة فاشلون على المستويات كافة، ولا شيء يمكنه أن ينقذنا، طالما نحن مصرّون على وضع عقولنا في أكياس سوداء. 
ولا يلغي الحديث عن حضارة الدول الأخرى أن غالبيتها أيضا تحكمها أنظمة قمعية واستبدادية، ولا تلقي بالاً لحقوق شعوبها، ولا لمستوى تحضّرها، ولا للعدالة الفردية والجمعية، ولا لحقوق الإنسان. وبعضها الآخر دول كولونيالية وما بعد كولونيالية، ما زالت تستعبد شعوب العالم الثالث، وتتحكّم في العالم بمنطق الشركات، وتنتج الأسلحة وتتاجر فيها، وترسلها إلى الشعوب المتخلفة وأنظمتها الفاجرة المستبدة. 
كما أن الحديث عن التقدّم العلمي في تلك الدول لا ينفي أن الديموقراطية تحولت بازارات اقتصادية وسياسية، ولم تعد منظومةً أخلاقية وقيمية، كما تستحق التضحيات التي قدمتها أوروبا عبر عقودٍ للحصول عليها. على أنه حتى هذا كله يجعلنا، نحن الأمة البائسة، نحلم بتحقيق إنجاز عظيم واحد على أي مستوى، وسط الكوارث المرعبة التي نعيشها، كي نقول إننا أمة لم تفقد الأمل بالكامل.
رشا عمران - شاعرة وكاتبة سورية
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال