مأساة الجنوب اليمني

الأحلام التي لا تدعمها الأفعال، لتجعل منها واقعاً معاشاً، تبقى مجرّد أوهام، أوهام يسوقها المستبد والطامع ونهمه في السلطة والثروة والأرض، الأرض التي قال عنها غاندي: "الأرض تملك كل ما يحتاج إليه الناس، لكنها لا تسع لجشع كل واحد منهم".
أمرُ حزينٌ أن يُخدع الناس في الجنوب اليمني، التوّاقين للحرية والعدالة والمساواة والدولة الضامنة للمواطنة، شعب حالم باستعادة الدولة، فسعى، بكلّ أطيافه، ليقيم مكون سياسي يجمع الناس حول أسسها وقيمها ومبادئها، فتعرّض للابتزاز والخداع بمكوّن، رهن نفسه لتحالفات صراع إقليمي، لن يخدم الجنوب ولا اليمن.
المؤسف أنّه وقع في مصيدة التبعية، التبعية لدولة الإمارات لها مصالح عميقة مع النظام السابق، النظام الاستبدادي الهمجي الذي ظلم الشمال والجنوب معا، وعمل في ظلّ محاربة الإرهاب على تفكيك المشهد السياسي، وإعادة صياغته بما يخدم النظام السابق، في الانتقام من قوى الثورة الحية، ووجد نفسه حليفا، من حيث يدرك أو لا يدرك، مع هذا النظام، في تهيئة معسكراته، وبل احتضانه بعض رموزه من الجنوبيين، بينما معظم مؤسّسي الحراك الجنوبي خارج إطاره السياسي.
يقول بمحاربة الإرهاب، وإذا به يحارب الرأي المختلف، وكل من يعارضه، ويدير السجون والمعتقلات، ويمارس أبشع أنواع الانتهاكات، ما يزيد من عدد خصومه، وبالتالي تتراجع شعبيته.
مكوّن يفترض أن يستمد شرعيته من الشعب، وإذا به يمجّد الفرد ويصنع صنم القائد الأوحد، في تشابه عجيبٍ مع ماضينا العفن، يمارس ممارساته، ويرسخ صراعاته وثاراته وأحقاده على الأرض، أراد له المكوّن أن يكون صورة طبق الأصل، تهيئ الناس لتقبل الاستبداد، وجد ليهدم أركان الثورة الشعبية وقيمها ومبادئها، من مخرجات حوار ودولة اتحادية ضامنة للمواطنة، يواصل دوره في الشرخ الاجتماعي والوطني في الجنوب اليمني ومع الشمال، مكوّن رمى خلفه التصالح والتسامح، وقبول الآخر المختلف.
أتذكّر المشهد التراجيدي لنشأة مكونٍ كهذا، ظاهره الشعب والجماهير، وحقيقته فقدان المصالح مع السلطة والثروة، وعندما وجدتهم السلطة عضو لا بد من تغييره، كان الأمر كأنه مجرّد رد فعل! لا زالت ذممهم غير بريئة من العُهد، وما كان تحت مسؤليتهم، مكوّن فرض كأمر واقع بدعم غير بريء من الإمارات، خارج إطار الشرعية، ورقة ضغط للابتزاز والأطماع وانتهاك السيادة والإرادة.
كل ما يملك من قوة هي تحت أمر الإمارات، تحركّها كيفما تشاء، سيطرته على مؤسسات الدولة، مبنى المحافظ والمنافذ والإيرادات... هي سيطرة إماراتية، والعائق أمام مهام الحكومة وعملها وإصلاح الأحوال واستتباب الحياة وتفعيل مؤسسات الرقابة والمحاسبة والقضاء والنيابة، بل تعطيل مشروع الموازنة العامة الضرورية الموضوعية لتنظيم الدخل وغيره.
وظل الفساد ينخر مؤسسات الدولة والحكومة والمكون ذاته، لنصل إلى ما وصلنا إليه من انهيار اقتصادي. وما بيانات والتهديد والوعيد، إلا ضغط التحالف، وبالذات الإمارات على الشرعية والحكومة لفرض تنازلات، بالضرورة، تمس السيادة والإرادة.
ما نحتاجه اليوم إيمان جديد مؤسس على مبادئ روحية مبدعة، تضم وتحمي قيم الدولة الضامنة وأسسها، يقودها إجماع وتوافق ولغة مشتركه للتفاهم. ولا يملك مكوّن كهذا الوعي الكافي لأمر كهذا، لذلك نحن نبحث من جديد عمّن يملك الوعي والروح والتسامح والإخاء ليكون حامل مشروع هذه الدولة، متصالح مع ماضيه وحاضره، قادر على الولوج إلى المستقبل، مع قدرة فائقة على تجاوز الماضي وعثراته.
أحمد ناصر حميدان - اليمن

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال