فسحة حرية بسجون تونس.. من مجرمين لمبدعين

قادمون من ذلك الحصن العسكري الفرنسي والذي تحول إلى سجن لتعذيب المقاومين أيام الاستعمار، ثم بات يعرف بسجن برج الرومي بعد الاستقلال، وفيه نكل الرئيسان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي بخصومهم السياسيين. إنه جحيم قابع في أعلى قمة جبل مطل على البحر بمحافظة بنزرت (أقصى شمال تونس).
من ذلك المكان الذي يقبع فيه أصحاب الأحكام التي تتجاوز 10 سنوات يأتون في عربة السجن تحت حراسة أمنية متوجهين إلى قلب العاصمة تونس لا يقصدون محكمة ولا نيابة ولا مستشفى بل يتوجهون لمدينة الثقافة، زادهم الزندالي (نوع موسيقي يغنى في السجون).
إنهم قادمون ووقودهم شجن المسجونين وصبرهم، أملهم ويأسهم، شوقهم للأهل والأحباب، هم الحالمون بالحرية والطامعون في الصفح والغفران وبحناجرهم سيصدحون في العرض الفني "الزندالي أغان من وراء القضبان" ضمن فعاليات أيام قرطاج الموسيقية (أكتوبر/تشرين الثاني 2018).
إنهم 16 سجينا من بين أكثر من خمسين آخرين تمنوا أن ينعموا بلحظة إبداعية فنية حرة أمام الجمهور، لكن مواهبهم كانت محدودة وفشلوا في اختبار الصوت الذي أشرف عليه مهندس العمل ومؤطره الموسيقي والحقوقي ظافر غريسة ضمن برنامج كامل للمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب.
16 سجينا تدربوا لأكثر من شهر ولساعات عدة تمنوا لو أنها تطول وتتواصل، فوحدها البروفات الموسيقية تهون عزلة السجن وساعاته التي تمر كدهر.
"إني في حلم" هكذا يقول محدثنا ببدلة رسمية أنيقة ويدين بلا قيود وصوت شجي صدح يغني أشهر وأقدم أغنية في مدونة الزندالي "ارضى علينا يا لميمة رانا موضامين" (رضاك يا أماه إننا مظلومون) "نستناوا في العفو ايجينا من عام 76"
(ننتظر صدور العفو واسترجاع حقوقنا المدنية منذ 1976).
أغنية كانت لسنوات محظورة فقد غناها صاحبها صالح الفرزيط بالسجن وناشد فيها الرئيس بورقيبة العفو، إنها الأغنية التي يرددها المساجين فتنهمر دموعهم وتسمعها الجماهير فتستذكر عزيزا قبر وراء قضبان السجون الباردة الكئيبة ينزف عمرا ضائعا ويفترش حزنا.
غنى الشاب الثلاثيني والمحكوم بـ 10 سنوات فصفق له الجمهور وفي مقدمتهم سجانوه على اختلاف رتبهم وعدد نجومهم، يستمعون لأصوات نجوم هذه السهرة الفنية الهاربة من الزمان والمكان في "فسحة حرية".
دور الثقافة
في السجن يحس المرء بقيمة الحرية، هكذا لسان حال محدثنا المرتبك فرحا والآمل في أن يصنع لنفسه مستقبلا موسيقيا وتكون حنجرته مصدر إبداعه ورزقه الحلال، وأن تتوب يده التي أخذت ما ليس له فكان العقاب سجنا له وحسرة ولوعة لأهله.
هؤلاء القادمون من سجن برج الرومي غنوا "صبرك مكتوب واصبرنا كيف صبر أيوب، مظلومة يا دنيا، علاش يا الايام" وغيرها من أغاني السجون التي كتبها ولحنها ساكنو "الزندالة " طيلة ثلاث حقب من بورقيبة إلى بن علي وصولا لما بعد الثورة.
أنشدت المجموعة أغاني وراء القضبان لأول مرة على ركح بلا قضبان تحت الأضواء رسالتهم: إننا بشر أخطأنا فكونوا لنا من المسامحين وإن لنا مواهب فكونوا لنا من الداعمين.
مواهب تحاول الإدارة العامة للإصلاح والسجون اكتشافها، فهؤلاء انتهكوا القانون فعوقبوا به لكنهم بشر وكل البشر خطاؤون، واعتماد الثقافة لإعادة تأهيلهم بالموسيقى والمسرح والسينما والرسم هدف المؤسسة، بحسب الناطق الرسمي باسمها سفيان مزغيش.
وترى المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب أن هذا البرنامج -الذي تم الشروع في تنفيذه بكل السجون التونسية ويجمع المجرمين- قادر على أن يجعل من بعضهم مبدعين.
المصدر : الجزيرة
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال