الاعتكاف في المساجد سنّة نبوية أم أبواب خلفية لتجنيد الشباب

وزارة الأوقاف تحدد جملة من الضوابط لتنظيم سنّة الاعتكاف في المساجد، والسيطرة على إحدى أهم نقاط انطلاق التنظيمات الإسلامية لنشر أفكارها المتطرفة.
جاء على رأس الضوابط التي وضعتها الحكومة المصرية للحد من استغلال المساجد لصالح أي نشاط سياسي، تحديد 3470 مسجدا فقط من إجمالي أكثر من 120 ألف مسجد تابعة للوزارة للاعتكاف، ويكون المعتكفون من أبناء المنطقة المحيطة بالمسجد.
ويسلّم المعتكف صورة من بطاقته الشخصية للمشرف على الاعتكاف والذي بدوره يسلّم نسخة منها إلى إدارة الأوقاف التابع لها المسجد قبل الاعتكاف بأسبوع للتحري عنه، ورفض من تدور حوله الشبهات أو ينتمي إلى الإخوان.
وحظرت وزارة الأوقاف تنظيم الاعتكاف داخل المساجد الصغيرة أو ما يطلق عليها “الزوايا”، وكانت تعدّ بوابة التنظيمات الإسلامية للتواصل مع المواطنين خلال السنوات الماضية، كما استبعدت جميع مساجد الجمعيات الشرعية (التابعة للجماعة الإسلامية)، الموجودة في المناطق ذات التواجد السلفي من الاعتكاف بداخلها.
اشترطت الأوقاف أيضا أن تنظم الفعاليات الدينية التي تقام بالمساجد خلال تلك الفترة بإشراف أئمة الأوقاف أو واعظ من وعّاظ الأزهر أو خطيب مصرّح له من وزارة الأوقاف. وحذّرت الأئمة من ذكر أيّ مؤسسات أو أشخاص مدحا أو قدحا على المنبر، ومنعت الحديث في القضايا السياسية، مشددة على التركيز فقط على الأمور المتعلقة بفريضة الصيام.
واعتادت الحكومة اتخاذ مثل هذه الإجراءات كل عام منذ أن تصاعدت حدة العمليات الإرهابية في العام 2014، غير أن فعاليتها تبدو محدودة في ظل عدم سيطرتها على جميع المساجد، خاصة في المناطق التي تتواجد فيها عناصر تلك التنظيمات بكثافة، بجانب عدم تركيزها على منطلقات فكرية واضحة من الممكن أن تكون بديلا للأفكار المتطرفة.
كشفت جولة قامت بها “العرب”، داخل عدد من المساجد الكبيرة والصغيرة في القاهرة الكبرى مع بداية العشرة الأواخر عن محدودية تأثير هذه القرارات، وعدم التزام العديد من المساجد بها، لا سيما تلك التي لم تشملها قائمة الأوقاف.
الوزارة فشلت في تقديم البديل الذي من الممكن أن يساهم في مواجهة الأفكار المتطرفة التي يسوقها الإسلاميون
داخل مسجد عمرو بن العاص (أكبر المساجد المصرية وأشهرها) يتم تطبيق القرار داخل جزء صغير من المسجد لا يتجاوز عدد المعتكفين فيه 1500 شخص في حين أن أعداد المعتكفين داخل المسجد كانت تصل في العام الواحد إلى أكثر من عشرة آلاف معتكف، وهو ما أرجعه أحد القائمين على الاعتكاف بالمسجد -رفض ذكر اسمه- إلى صعوبة رقابة وتوفير وجبات الطعام لجميع المعتكفين داخل المسجد.
وأضاف أن إدارة المسجد تحدد منطقة صغيرة للاعتكاف بداخله، على أن يحظر دخول تلك المنطقة دون هوية شخصية يحملها المعتكف معه بعدها يسمح له بالدخول.
ويشمل دور وزارة الأوقاف تنظيم الدروس الدينية للمعتكفين داخل تلك المنطقة وتوفير الرعاية الصحية لهم وتقديم وجبات الإفطار والسحور، والحفاظ على متعلقاتهم الشخصية.
وأفصح إبراهيم محمود، أحد المعتكفين داخل المسجد، عن الصراع الذي يدور بين التنظيمات الإسلامية للسيطرة على عقول المصلين، قائلا “على مدار السنوات الماضية كان يدور داخل المسجد صراع بين التنظيمات الإسلامية على جذب المعتكفين، تحديدا من قبل جماعة الإخوان والدعوة السلفية”.
وأوضح أن سيطرة الأوقاف على جزء صغير من المسجد للاعتكاف لم يكن يمثّل تهديدا مباشرا على تواجد عناصر التنظيمات الإسلامية التي اعتادت تنظيم حلقات نقاشية صغيرة في فترات الاعتكاف، وتقديم خدمات توازي ما تقوم به الوزارة.
ويعدّ مسجد أسد بن الفرات، في حي الدقي بمحافظة الجيزة القريبة من القاهرة، أحد المساجد التي تتواجد فيها عناصر التنظيمات الإسلامية بكثافة، لكن حضور وزارة الأوقاف داخل المسجد الذي وضعته على قائمة الاعتكاف غير ملحوظ، ويقتصر فقط على تحديد إمام للصلاة، غير أن العديد من الخطب التي تلقى بالمسجد تتم بواسطة عناصر تابعة للسلفيين، لكن بحسب المعتكفين تحاول الابتعاد عن مناقشة القضايا السياسية وتركز على الجانب الدعوي.
وتكمن المشكلة الأكبر داخل المساجد الصغيرة والزوايا في عدم وجود إحصاءات رسمية بشأن عددها، لكن تشير بعض التقديرات إلى أنها تتخطى الـ100 ألف مسجد صغير وزاوية يخضع أغلبها لإشراف الأهالي أو بعض جماعات الإسلام السياسي.
ويشير خبراء في مجال الإسلام السياسي إلى أن عدم سيطرة الأوقاف على الزوايا الصغيرة أكثر خطورة من ذي قبل، لأنها تستخدم لبث الأفكار الأكثر تطرفا وتتماشي مع لجوء هذه التنظيمات إلى العنف، الأمر الذي يساهم في تفريخ عناصر إرهابية جديدة.
جماعة الإخوان كانت تجذب إليها أعضاء جددا خلال فترات الاعتكاف وتنتهي بتنظيمها صلاة عيد الفطر داخل الساحات الكبيرة بالقاهرة والمحافظات الأخرى
وداخل زاوية “الرحمن”، بمنطقة السيدة زينب في وسط القاهرة، تقام سنّة الاعتكاف كل عام حتى بعد القرارات الحكومية. وقال أشرف حمدي، أحد الأهالي القاطنين بالحارة الصغيرة التي يتواجد فيها المسجد، إن الأوقاف لا تعرف شيئا عن هذا المسجد، فهو يخضع إلى بعض شيوخ السلفية بالمنطقة.
وأكد ربيع شلبي، القيادي المنشق عن الجماعة الإسلامية، أن جماعات الإسلام السياسي عملت على بناء أكبر عدد من المساجد الصغيرة حتى تصعّب المهمة على الحكومة وتجعلها بعيدة عن رقابتها.
وأضاف لـ”العرب”، أن الإجراءات الأمنية وقرارات وزارة الأوقاف قد تكون لها مردودات إيجابية في القاهرة والمدن الكبيرة، غير أن المشكلة الأكبر تتمثل في وجود معاقل كثيرة لهذه التنظيمات داخل مساجد صغيرة تتبعها في الأقاليم البعيدة، من دون أن يكون هناك تحرك لضمها إلى مساجد الوزارة.
وأكد أنه على مدار السنوات الماضية كانت هذه المساجد تشكّل معقلا لكل تنظيم داخل المحافظة أو المنطقة التي تتواجد فيها، وساهمت العناصر المسيطرة عليها في تمويل أعضاء في خلايا إرهابية صغيرة.
ويرى مراقبون أن قرارات الأوقاف التي اتخذتها منذ عام 2013 وحتى الآن، تعبّر عن رغبة في منافسة التيارات الإسلامية التي تتصارع للسيطرة على المساجد، لكن حتى الآن لم تستطع أن تجذب المواطنين إليها.
ويرجع ذلك إلى أن الوزارة فشلت في تقديم البديل الفكري الذي من الممكن أن يساهم انتشاره في مواجهة الأفكار المتطرفة التي تسوقها التنظيمات الإسلامية، كما أن الصراع الدائم بينها وبين الأزهر على مرجعية هذا الفكر وإقناع القيادة السياسية بتطبيقه جعل من قراراتها تأخذ الطابع الشكلي بعيدا عن تحقيق هدفها المعلن والمرتبط بمواجهة التنظيمات المتطرفة.
 وذكر بيان صدر عن وزارة الأوقاف بالتزامن مع بدء تطبيق القرار بالمساجد، الثلاثاء الماضي، أن الهدف من تطبيق ضوابط الاعتكاف منع تسلل الدخلاء والتيارات المتشددة كما حدث في الماضي، حيث يعتبر الاعتكاف بابا خلفيا لتلك الجماعات لنشر أفكارهم غير الشرعية والهادمة ضد الدولة والمواطنة في مصر.
وقال أحمد بان، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، إن جماعة الإخوان كانت تجذب إليها أعضاء جددا خلال فترات الاعتكاف وتنتهي بتنظيمها صلاة عيد الفطر داخل الساحات الكبيرة بالقاهرة والمحافظات الأخرى.
أحمد جمال - صحافي مصري/العرب

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال