السلطة في حياتنا اليومية: من يحكمنا؟

لا يعيش الفاعلُ السياسيُ الذي يحترفُ السياسة من أجل السياسة فقط، وإنما يعيشُ أيضا، حسب ماكس فيبر، منها وبفضلها. وهو يمارس السياسة خدمَة لمصالحه الخاصة لأنه يجد فيها مصدرا دائما لدخل مادي، ويمارسها أيضا كممثل لمجموعات لها مصالح. وحسب بورديو فإن "جزءا من أنشطة السياسيين لا وظيفة لها ما عدا إعادة إنتاج الجهاز السياسي وإعادة إنتاج الفاعلين السياسيين".
 لا يمكن أن يُوجد الفاعل السياسِي إلا اعتمادا على السيطرة، وعلى اللامساواة، وعلى ممارسة الإكراه والعنف على أفراد وفئات معينة من أجل تحقيق هدف استراتيجي هو: فرض امتثال المواطنين لقرارات الحكومة. وهذا ما يفسره ماكس فيبر بالقول بأن "كل سياسة تستعمل القوة كوسيلة خاصة، هذه القوة التي تعلنُ عن وجود العنف مُختفيا خلفها". 
لكن من يحكم فعليا وعمليا؟ هل هو الفاعلُ السياسي؟ أم المجتمع؟ أم بنيات اقتصادية وسياسية خفية؟ يتم تعيين موظفين وتغيير مسؤولين، وتُعيّنُ الحكومات تلوى الاخرى، وتؤسس مؤسسات سياسية وإدارية لكن لا نعرف بالتدقيق من يتخذ القرار، وكيف ينفذ أو كيف تتم محاربته رغم اتخاذه. يبدو أنه لا وجودَ لعلاقة الضرورة ما بين القصد الأولي للفاعل السياسي ونتيجة فعله السياسي. يقول ماكس فيبر في هذا الصدد: "من النادر أن تستجيب النتيجة النهائية للعمل السياسي لما توخاه القصد الأولي للفاعل السياسي". ويمكنُ إرجاعُ ذلك إلى أن الفاعل السياسي يُمارس فعله في صلب نسق من الوقائع. ويؤدي تفاعل هذه الوقائع إلى التأثير على مسار الفعل السياسي. يقول دوركايم في هذا الخصوص: "تتضامن كل واقعة مع الوقائع الأخرى، ولا يمكن تغيير الواقعة دون تغيير الوقائع الأخرى، ومن الصعب أن نحدد مسبقا النتيجة النهائية لهذه التأثيرات". كما أن عامل الزمن يتدخل بدوره للتأثير في العمل السياسي, وهكذا قد لا تظهر نتائج فعل سياسي إلا بعد سنين عديدة. فالحاكم لا يتحكم في قراراته بفعل هذا التعقيد وبفعل الزمن. يتدخل المجتمع ليؤثر بدوره على الفعل السياسي فوريا أو بعد مدة زمنية محددة على شكل احتجاج أو تمرد أو عصيان. 
أما في حالة الأزمة فإن قدرات السلطة تتعرض للانهيار، فيغيبُ التحكم في القرارات السياسية، وتظهرُ للوجود "مناطق اللاشرعية"، أو "مناطق مستقلة استقلالا مؤقتا" يطلق عليها "المناطق الخارجة عن القانون". وفي هذه الحالة تُطرحُ للنقاش مسألة شرعية الدولة برمّتها، أي تُطرحُ مسألة من سيحكم ولمن ستكون الغلبة؟ وينبغي القول أن المجتمع يظل جزئيا خارج السيطرة، وخارج الحكم. وهذا ما يجعل السلطة تنشغل بشكل مهووس بهاجس التمرد والانقلاب والثورة. 
إن حياة المجتمع بأسرها تتمحور حول السلطة بمعناها الدقيق والجزئي، السلطة التي لا تظهر للعيان (حسب ميشال فوكو). لا يتعلق الأمر بالسلطة المرئية التي هي سلطة الحاكم أو الدولة كأجهزة. وإنها يتعلق الأمر بسلطة مجهرية أو ميكروفيزيائية، تتجسد في علاقات بين القوى، لا يملكها أحدٌ، وإنما تتمُ ممارستها، ولا تكون حاضرة وفعالة إلى من خلال ممارستها، لا يتم تفويتها لأنها ليست إرثا، منتشرة في كل مكان، يشارك جميع أفراد المجتمع في ممارستها ومنحها الوجود، من الصعب التحكم فيها لأنها متعددة المكونات وغير منسجمة في تركيبتها، وتختفي بعيدا عن الحواس، وبالتالي فهي سلطة مجزأة منتشرة عبر علاقات بين القوى التي هي علاقات سلطة. ومن أبرز الأماكن التي يمكن أن تدرس فيها هذه السلطة المجهرية بشكل نموذجي: المدارس والمعامل والسجون والثكنات العسكرية والمصحات العقلية...
يتوهم الفرد أنه حر في أفعاله، والواقع أنه عبارة عن "مجموع تدابير وإجراءات" تتكرر وتمنحه هويات محددة، ويتم ذلك عبر خطابات، فالفرد ينطق بخطابات، وينصت لخطابات، ويفكر في خطابات. فهو يختار خطابات، ويرفض أخرى، وينتج بعضها، ويكررها بعضها الآخر: وهذه الخطابات تبرّرُ الأفعال وتقدم معلومات عن الفرد مما يجعله قابلا للمعرفة والتأثير عليه. 
ليست السلطة حسب هذا المنظور شيئا يملكه الحاكمُ، وإنما هي إستراتيجية تستعمل ترتيبات وتاكتيكات ومناورات وتقنيات وكيفيات في التأثير وبلوغ الأهداف عبر شبكة من العلاقات. إنها لا تمارس من أعلى الدولة نحو أسفل المجتمع، وإنما تمارس في مواقع مثلما تُمارسُ الحرب. 
تستهدف هذه السلطة محاربة أي فوضى في المجتمع، ووضع أجساد المواطنين في سياج محكم، وتوزيعهم عبر مساحة المجال الترابي، والحرص على أن يظل كل فرد في مكانه حسب مرتبته ووظيفته وقواه. إنها تراقب نشاط الأفراد في كل مكان، وتعمل على بلوغ باطن الأفراد وحياتهم الروحية والحميمية. إنها تستهدف فرض الانضباط والتطبيع على الأجساد، واللجوء لعقوبات دقيقة أو خفيفة جدا (فوكو) ضد المتمردين غير الخاضعين لردعهم حتى لا يتمردوا من جديد. ولا يجب الخلط بين هذه العقوبات الدقيقة وبين الآليات القضائية الكبرى التي تلجأ لها السلطة السياسية أو سلطة الدولة. 
وهناك تفاعل ما بين السلطة السياسية والسلطة الميكروفيزيائية، فلما تكون السلطة السياسية قمعية، تستهدف إسكات المواطنين باحتكارها الحق في الكلام، وفرض الجهل على الناس، وقمع اللذات والرغبات، وممارسة التهديد بالعنف والقتل، فإن السلطات الميكروفيزيائية بالمقابل تقوم بإنتاج خطابات مختلفة وتحث المواطنين على الاعتراف بما ارتكبوه من أفعال مفترضة.
محمد الهلالي - الحوار المتمدن
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال