انتخابات تونسية بطعم حالة الطوارئ

على إثر اجتماع مجلس الأمن القومي في تونس في 6 مارس/ آذار الجاري، أعلن رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، تمديد حالة الطوارئ، في كل تراب الجمهورية التونسية سبعة أشهر، ابتداء من 12 مارس/ آذار الجاري، وهي الفترة التي ستجرى فيها الانتخابات البلدية، الأولى من نوعها في تاريخ البلاد.
المفارقة في هذا أن الدولة التي صُنّفت أيقونة الربيع العربي، ورائدة العرب في تمثيل الديمقراطية وتجسيدها، ستجري انتخاباتها "الديمقراطية"، في مايو/ أيار المقبل، في ظل قوانين الطوارئ، أي في ظل وضع يتنافى والديمقراطية. قوانين الطوارئ تلغي كل القوانين العادية التي تحمي حقوق المواطنين، وتبيح للسلطة التنفيذية، ممثلة في وزير الداخلية، ومن دون اللجوء إلى النيابة العمومية، للحصول على إذن مسبق، وضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية، وحظر تجوالهم، ومنع اجتماعاتهم، ومراقبة إعلامهم ونشاطاتهم الثقافية، وحتى الحكم على نواياهم، فهي تبيح ما لا يمكن أن يستباح في دولة ديمقراطية، فهي تسلب الناس حقوقهم، إلى حدّ الاستعباد.
تبرير رئاسة الجمهورية لتمديد حالة الطوارئ، سبعة أشهر، حسب ما جاء على صفحتها على "فيسبوك"، لم يكن مقنعا لكثيرين من الطيف التونسي، فكيف لحالة الطوارئ أن تؤمن الموسم السياحي وشهر رمضان والانتخابات البلدية؟ 
الحل في هذه الحالات تفعيل المنظومة الأمنية، وحث رجال الأمن على القيام بعملهم بحرفية، وليس الحل بفرض قانون الطوارئ. ربما تكون للرئاسة أسباب أخرى، لا يمكن أن تعلن عليها، لحساسية الوضع، إلا أن الأمر يبدو مخيفا، خصوصا حينما يتعلّق الأمر بالانتخابات البلدية. سيبلغ الشد والجذب، في هذه الانتخابات، منتهاه بين كل الأطراف المتنافسة، ككل تنافس انتخابي، فهل سيتدخل وزير الداخلية، حسب تقديره، فيما سيعتبره ضررا للبلاد، أو أنه قد ينحاز إلى طرف على حساب طرف أخر؟ حقيقة يبدو الأمر مخيفا.
لم يعتد الشعب التونسي على إقرار حالات الطوارئ إلا في الأحداث الكبرى التي اتسمت غالبا بطابعها الدموي. قبل الثورة تم فرض حالة الطوارئ في مناسبتين، في يناير/ كانون الثاني 1978، بمناسبة ما سمي الخميس الأسود، إثر الصدامات العنيفة بين نظام بورقيبة والاتحاد العام التونسي للشغل. وفي يناير/ كانون الثانيس 1984، بمناسبة ثورة الخبر. وفي كلا السنتين سقط عشرات من القتلى المدنيين بسلاح السلطة الحاكمة التي أقرت حالة الطوارئ. وكذلك ما بعد الثورة، فقد تم إقرار حالة الطوارئ، في سنوات 2011 و2012 و2013 و2015 و2016 و2017، كلها كانت متعلقة بعمليات إرهابية موجعة. أما سنة 2018 فقد اتسمت بالهدوء، وتحسن الوضع الأمني جليا. 
وهنا جاء التساؤل: ما الداعي، إذا، لتمديد حالة الطوارئ سبعة أشهر؟ هل ثمّة أحداث جسيمة، تهدد الأمن القومي، متوقع حدوثها، ولا تريد رئاسة الجمهورية الإفصاح عنها؟ أم يرتبط الأمر أساسا بالانتخابات البلدية؟ وما الذي يخيف في الانتخابات البلدية، إن كانت هي السبب في قرار الرئيس؟
الحدث الوحيد المتوقع في الانتخابات البلدية المقبلة، إن أجريت في ظروف نزيهة وشفافة، هو الانتصار الكاسح الذي ستحققه حركة النهضة الاسلامية، فهي الحزب الوحيد الذي ظل متماسكا، وأثبت أنه قادر، وحده، على تمثيل التونسيين في مجمل البلديات، وعددها 350. إلا أن تسريبات إعلامية كثيرة تتحدث عن مخطط للتأثير في نوايا الانتخاب لمنع نجاح حركة النهضة، ومثلما قال برهان بسيس، من حزب نداء تونس، لو تنجح "النهضة" في الانتخابات فستحكم لمئة سنة مقبلة، يتمثل هذا المخطط في تدخل فرنسا ودولتين خليجيتين للتأثير على نتائج الانتخابات. ولا نرجو مطلقا أن تكون حالة الطوارئ، هذه، جزءا من هذا المخطط، ونتمنى بأن يكون آلية لإفشاله.
لا أحد يدرك حقيقة ما سيحدث في تونس في الأيام المقبلة، إلا أن المؤكد أن الانتخابات البلدية ستكون بطعم حالة الطوارئ، مرّة، وثقيلة، ومخيفة للمواطن التونسي، الذي لا زال يبحث على الأمان، مع أن كل الرسائل التي أرسلتها إليه سلطته، بعد ثورة يناير، مقلقة و مخيفة جدا.
محجوب أحمد قاهري - تونس
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال