الراديو والسياسة وما بينهما

عرفت هذا الساحر الغريب المثير للعجب، وأنا أدرج نحو أول عام دراسي. ربح أخي الكبير خمسين دينارا في بطاقة يانصيب، كانت مبلغا كبيرا في ذلك الزمان.
اشترى راديو "كرونديك" الألماني، ووضعه على طاولةٍ صغيرةٍ في رواق منزلنا، وتحلقنا من حوله، جالسين على تخوت خشبية مرتفعة قليلا عن الأرض منصتين للصوت الذي يخرج من شبكة الراديو بلهفةٍ وحيرة، بعد دزينة سنين، قدّر لي أن أعمل في الإذاعة، وشرع صوتي يخرج من شبكة الراديو، وعديد يستمعون لي في أصقاع قريبة وبعيدة، لكنهم لم يكونوا ليحملوا تلك اللهفة والحيرة اللتين عرفناهما ونحن أطفال، فقد تغير الزمان، وأصبح الراديو صديقا لكل أفراد الأسرة الذين عرفوا كيف يتعاملون مع "التكنولوجيا" التي دخلت منازلهم على غير استئذان، بألفةٍ وحميميةٍ، وتقلص العالم حتى أصبح "قرية صغيرة" على النحو الذي قال به الكندي مارشال ماكلوهان. 
مبعث هذا الاستذكار مبادرة سجلت الريادة فيها لمنظمة اليونسكو التي كرست 13 فبراير/ شباط من كل عام يوما عالميا للراديو، باعتباره اليوم الذي أطلقت فيه الأمم المتحدة أول بث إذاعي لها قبل أكثر من سبعة عقود. و"ثيمة" المبادرة هذا العام "العلاقة بين الراديو والرياضة"، حيث تملك "الرياضة" القدرة على توحيد عقول الناس وقلوبهم في كل مكان، وتعمل على تعزيز التنوع والسلام والتنمية في العالم، وقد أصبحت جزءا من الحياة اليومية لقطاعاتٍ واسعةٍ من البشر في مختلف الأرجاء. 
حتى العساكر اكتشفوا أن لا سلاح يوصلهم إلى الجمهور العريض سوى الراديو
هذا كله جميل. لكن ماذا لو طرحت المنظمة العلاقة بين الراديو والسياسة، بعد أن كفت "السياسة" في عصرنا عن أن تكون شغل الناس العاديين، خصوصا في بلدان منكوبة مثلنا بطبقة من الأفاقين، احتكروا لأنفسهم شغل "السياسة"، وروّضونا على السمع والطاعة، ليخلو لهم الأمر والنهي ورسم السياسات التي يريدون، من دون حسيب ولا رقيب! 
وسقى الله زمانا نشأنا فيه على حب هذا الجهاز السحري الذي كان مثار عجبنا، وقد تعلمنا منه، وتثقفنا عليه، وساهم في صياغة طموحاتنا ومطامحنا في ذروة تصاعد آمال قومنا في بناء دولة مواطنين يتساوون فيها، لا رعايا تفرّقهم الطائفة أو العرق أو العشيرة أو المدينة الصغيرة، زمانا حلمنا فيه أن تتكافأ الفرص أمامنا، وتتوفر الرعاية والحماية والضمانات الإنسانية والحقوق. وفي ظله أدركتنا السياسة، سمعنا منه أخبار حرب فلسطين الأولى، يوم كنا سبع دول، وتعرّفنا عبره على رئيس عربي رضي أن يتنازل عن السلطة، كي تتحقق الوحدة، وآخرين يعضون بالنواجذ على كراسيهم، كي لا تهرب منهم، وحفظنا أسماء ملوك ووزراء وشعراء، ومواقع مدن وجبال وأنهار، وحكايات لم تروها لنا أمهاتنا، عن ساندريلا، وجزيرة الكنز، وأحدب نوتردام. كان الراديو دولتنا التي منحتنا رعايتها، ونجومها من مذيعين، ومطربين، وكتاب، ومقدّمي برامج كانوا سفراء لها في أسرنا، نعرفهم ونتتبع أخبارهم، وقد أصبحوا موضع ثقتنا، يصدقون معنا الكلام، وينقلون لنا الأحداث، ويسهرون معنا حتى ما بعد منصف الليل، ثم يغفون ساعات قليلة، قبل أن يلتقوا بنا في الصباح التالي. 
سقى الله زمانا كان فيه هذا الساحر العجيب المثير للدهشة صوت مدينتنا التي صنعت الحضارة، ووضعتنا على مدارج الحداثة، كان الممثل للطبقة المتوسطة المثقفة، والمعبر عن تطلعاتها، كان يؤسس دولا، ويقيم أنظمةً وحكومات، ويدرّبنا على الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، حتى العساكر اكتشفوا أن لا سلاح يوصلهم إلى الجمهور العريض سوى الراديو. لا انقلاب من دون "بيان أول"، ولا بيان أول من دون راديو. ولكن تغير الحال عندما تنمّر العساكر، وتجبّر السياسيون، إذ ريفوا المدينة، وأسقطوا حضارتها، وما لبثوا أن اغتصبوا "الراديو"، وجعلوه صوتا واحدا أوحد لهم، حتى فقدنا ثقتنا فيه، ولم يعد له ذلك السحر الحلال، والتأثير الذي ليس له حدود، وتخلى عن مكانه على الطاولة المتواضعة التي تتصدّر أروقة منازلنا، ولم يبق لنا سوى أن نترجل مرغمين لنفتح الطريق أمام عوالم وأكوان ومآلات حياة جديدة. وقد آن لنا اليوم أن نعلن، وبمقادير من الأسى الممزوج بالألم، أن مبادرة "اليونسكو" حسنة النية لن تنفع في إحياء دور الراديو، وبعثه من جديد، فلكل زمان آية، وآية هذا الزمان هذا السيل المتدفق في "القرية" التي تنبأ بها ماكلوهان، والذي حمل جينات نقلة تكنولوجية لم يشهدها العالم من قبل، فيما تدخل بلداننا نفقا مرعبا، يقذف بها خارج التاريخ، وسقى الله أياما مضت.
عبد اللطيف السعدون - كاتب عراقي
كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال