الإتحاد المغاربي في ذكراه 29.. مقاربة لإعادة تفعيله

تعود فكرة النقاش والجدل حول إعادة تفعيل مؤسسات الإتحاد المغاربي ومن وراء تجميدها في كل 17فيفري من كل عام دون أن نجد لكل النقاشات والمقترحات أي متابعة أو تأثير فيما بعد، وكأنها مجرد حديث أجوف لملأ الفضاءات الإعلامية، وما يستغربه المتتبع هو عجز المغاربيون على تحقيق حلمهم الوحدوي رغم التجانس الكبير بين شعوبها، فهي تشترك في عدة مقومات ومنها: 
الجغرافية والتاريخ والمصير المشترك والثقافة وغيرها من العوامل التي تدفع كلها إلى تحقيق وحدتها بشكل أو بآخر، وقد حملت شعوب المنطقة هذا الحلم منذ زمن بعيد، ويعود ذلك إلى عهد ماسنيسا في القرن الثاني قبل الميلاد، والذي عمل من أجل توحيد كل المنطقة في دولة واحدة، وقد تحققت هذه الوحدة تحت عدة أشكال بعد إعتناق شعوبها للإسلام، لكن عرفت عبر هذا التاريخ الطويل فترات وحدة كاملة مثلما وقع في العهد الفاطمي ووالمرابطي والموحدي، كما عرفت أيضا فترات تجزئة إلى دول تشبه إلى حد ما في الكثير من الأحيان في حدودها الدول القائمة اليوم، خاصة الأقطار المغاربية الرئيسية الثلاث الجزائر وتونس والمغرب الأقصى، كما عرفت فترات تفكك كبيرة جدا، أين نجد في القطر الواحد من هذه الأقطار عدة دويلات وإمارات مثلما وقع في الجزائر عشية العهد العثماني أي القرن 16 الميلادي.
راود هذا الحلم الوحدوي الشعوب المغاربية في تاريخها المعاصر إبتداء بإنشاء نجم شمال أفريقيا عام 1926 ثم لجنة التحرير المغاربي بقيادة عبد الكريم الخطابي، ثم محاولة توحيد الكفاح المسلح بإنشاء جيش التحرير المغاربي في عام 1955، ثم مؤتمر طنجة عام 1958، وبعد إسترجاع الإستقلال ظهرت اللجنة الإستشارية الدائمة المغاربية عام 1964 التي توقفت عن العمل بعد بروز مشكلة الصحراء الغربية عام 1975، ثم عقدت قمة مغاربية بزرالدة عام 1988 الذي سينبثق عنه إنشاء الإتحاد المغاربي بمراكش عام 1989.
وباءت هذه المحاولات الوحدوية كلها بالفشل والتجميد لعدة عوامل وأسباب وعوائق، خاصة بعد إسترجاع الإستقلال، مما يتطلب من الأكاديميين تفكيك هذه العوائق والتمييز بين الموضوعية منها والهيكيلية والذاتية والوهمية بهدف تجاوزها.
عادة ما يردد مؤرخو شمال أفريقيا القول بأن الطبيعة الجغرافية والصراعات القبلية وراء فشل المغاربيون في إقامة دولة واحدة ثابتة ومستقرة في القديم، أما في الحاضر ما فتأ يردد الأكاديميون العديد من العوامل المعيقة للإتحاد المغاربي وتفعيله ومن أهمها:
-إختلاف الأنظمة السياسية والإقتصادية منذ إسترجاع الإستقلال.
-تأثيرات الحرب الباردة على المنطقة، وكذلك الصراعات الأقليمية مثل الصراعات بين الدول االتي كانت تسمى ب"التقدمية" والدول التي كانت تسمى ب"الرجعية". 
-مبدأ الإجماع في إتخاذ القرار في مؤسسات الإتحاد المغاربي، والذي يعود في الحقيقة إلى التنظيمات التقليدية الأمازيغية بشأن الجماعة، أين تتخذ القرارات بالإجماع، وهو نفس ما تعاني منه جامعة الدول العربية، مما يتطلب إصلاح ميثاقها في هذا الشأن.
-تركيز القرارات في يد مجلس قمة رؤساء الإتحاد المغاربي وضعف صلاحيات مؤسساته الأخرى مثل مجلس الشوري المغاربي.
-عدم دخول الإتفاقيات حيز التنفيد إلا بعد قبولها من جميع أعضاء الإتحاد، وهو الأمر الذي أدى إلى تجميد الكثير من الإتفاقيات التي تبلغ حوالي 50إتفاقية.
كما يركز أغلب الباحثين على
-مشكلة الصحراء الغربية
-عرقلة القوى الغربية لهذا الإتحاد
فإن كنا نتفق نوعا ما على العوائق التي ذكرت في البداية، إلا أننا نختلف معهم حول المسألتين الأخيرتين، فبإمكان أن تجد مشكلة الصحراء الغربية حلا في إطار هذا الإتحاد المغاربي، والمسؤول الوحيد على عرقلة ذلك هو ربط المغرب الأقصى مسألة الصحراء الغربية بإعادة تفعيل مؤسسات الإتحاد المغاربي، حيث لم ينعقد مؤتمر قمة رؤسائها منذ إتهام المغرب الأقصى للجزائر بأنها وراء العملية الإرهابية في مراكش في1994 بكل إنعكاسات ذلك على الحدود الجزائرية-المغربية، أما بشأن عرقلة القوى الغربية لذلك، فنعتقد أن أوروبا ليس من مصلحتها بقاء الإتحاد المغاربي جامدا، لأنها تريد ضفة جنوبية للمتوسط قوية إقتصاديا وأمنيا تمنع عنها التأثيرات السلبية للإضطرابات في المنطقة على أمن الضفة الشمالية للمتوسط، وذلك على عكس أمريكا التي تريد إقلاق أوروبا بالإضطرابات الأمنية في جنوب المتوسط في إطار الصراع على الزعامة العالمية بين أوروبا وأمريكا،(أنظر مقالتنا: وحدة سياسات الغرب تجاه المنطقة المغاربية بين الوهم والحقيقة، الحوار المتمدن عدد4909 يوم28/08/2015)، لكن ما يثيرنا هو إهمال هؤلاء الباحثين اليوم لعامل مؤثر في ذلك، وهو ضعف إن لم نقل إنعدام طبقة برجوازية مغاربية وطنية، التي كان بإمكانها أن تكون عاملا فعالا في دفع عملية الإندماج المغاربي.
وهذا الإختلاف هو الذي يجعلنا نقدم مقاربة أخرى في تحليلنا لمختلف العوائق للإتحاد المغاربي من خلال إعادة النظر في البعض منها، ويأتي على رأسها ضعف البرجوازية المغاربية الوطنية.
يعود عدم إشارة الباحثين إلى ضعف إن لم نقل غياب برجوازية مغاربية وطنية كعامل رئيسي في ضعف الإندماج المغاربي إلى تراجع توظيف المنهج الماركسي في التحليل وتفسير العديد من الظواهر السياسية والإقتصادية والإجتماعية في السنوات الأخيرة، ويعود هذا التراجع إلى عدم تمييز بعض الباحثين بين الماركسية كأيديولوجية تراجعت بعد سقوط المعسكر الشيوعي والماركسية كمنهج تحليل وتفسير للعديد من الظواهر لازال صالحا إلى حد اليوم، فنجد أكبر المدافعين عن الليبيرالية في الولايات المتحدة الأمريكية يستخدمون هذا المنهج، ومنهم فرانسيس فوكوياما مثلا الذي أستند على المنهج الماركسي في العديد من أعماله.
فقد غاب عن الكثير من الباحثين أن الطبقات البرجوازية هي عامل رئيسي ودافع إنشاء التكتلات وتوسيع نطاق الدول بهدف توسيع السوق لتصريف منتجاتها وسلعها، فقد كانت وراء إنشاء الدول القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، كما أن البرجوازية العالمية اليوم وراء الدفع بإتجاه إقامة دولة عالمية تضمن سوقا عالمية واحدة، فكان بالإمكان لو توفرت البلاد المغاربية على برجوازية وطنية قوية، خاصة الصناعية منها، فإنها ستضغط على حكوماتها من أجل إقامة سوق مغاربية واحدة، ولما لا إقامة دولة مغاربية واحدة .
لكن للأسف نكاد أن نقول أن هذه البرجوازية ضعيفة جدا إن لم نقل منعدمة تماما في البلاد المغاربية، وإن وجدت، فهي تابعة للبرجوازية الرأسمالية في الغرب، ويمكن لنا القول أن ما هو موجود هي الكمبرادورية بمعنى الذين يستوردون السلع الغربية وحتى الصينية اليوم ثم يعيدون تسويقها في الأسواق المغاربية، اي بتعبير آخر وكلاء تجاريين للمؤسسات الصناعية الغربية والصينية، وبالتعبير البسيط هم الذين يقومون بعملية إستيراد-إستيراد.
وهذا هو الذي يفسر لنا ضعف التبادلات التجارية بين البلدان المغاربية، والتي لا تتعدى 3% في أحسن الأحوال على عكس التبادلات مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث تصل إلى 60% مع أوروبا في أسوأ الأحوال، لكن بالإمكان تحويل هذا الكمبرادور إلى برجوازية وطنية تدور حول الذات، وتقيم إقتصاد منتج، ومنها الصناعات في بلدانها، فتدفع وتضغط من أجل توسيع السوق المغاربية لتسويق الإنتاج والبحث عن مناطق للإستثمار، ويمكن أن نعطي مثالا بسيطا، فالنظام المغربي اليوم يعاني من ضغوط حادة من المنتجين الزراعيين الذين يضغطون على حكومتهم للعمل بكل قوة لإقناع الجزائر بفتح حدودها بهدف التسويق والتخلص من فائض إنتاجهم الزراعي، فلنتصور لو وجد فائض في عدة منتجات، خاصة إذا تخصص كل بلد في إنتاج معين . 
إن هذه المسألة هي التي تطرح أمامنا اليوم قضية هامة جدا، يجب أن تشغل بال الأكاديميين، خاصة الإقتصاديين منهم، وهو كيف نحول الكمبرادور من الإكتفاء بعمليات الإستيراد فقط إلى الإستثمار المنتج في بلدانهم، وهو ما من شأنه خلق صناعات محلية ومناصب شغل وغيرها من الفوائد التي تعود على بلادنا، مما سيحفظ إستقرارها، وهو ما يضاف إلى قضية أخرى كفيلة بحلها وهو كيفية الإنتقال من إقتصاد ريعي مدمر إلى إقتصاد منتج في بلداننا، وهو ماتطرقنا إليه في عدة مقالات لنا حول فك الإرتباط بالمركز الرأسمالي بتحويل برجوازياتنا من برجوازيات تابعة إلى برجوازيات منتجة تدور حول الذات(أنظر مثلا مقالتنا: لاتقدم إلا بفك الإرتباط بالمركز الرأسمالي، الحوار المتمدن عدد 5386 يوم 29/12/2016).
البروفسور رابح لونيسي - جامعة وهران

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال