بعصر التحولات الكبرى.. لا يكفي أن تكون متفرجا

صعود اليمين المتطرف في أوروبا وانتخاب دونالد ترمب لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية على وقع ثورات الربيع العربي وتصدر التيار الإسلامي للمشهد وما تبع ذلك من تصدع في جدار الوطن العربي وقبل ذلك كله زلزال الحادي عشر من سبتمبر/أيلول/، كلها أحداث كبرى ستغير وجه العالم عموما والعالم العربي بصفة خاصة.
 فهل يكفي أن يبقى المواطن العربي متفرجا سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، أم لابد من انخراط الأفراد والجماعات بشكل أو بآخر في الحراك الجاري بغية تحديد موقعهم في التغيير القادم؟ ما هي تجليات هذه الأحداث على الواقع وأثرها في تشكيل المستقبل؟ ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الأفراد والجماعات والدول للتأثير على مآلات الأحداث المذكورة بما يؤدي إلى إفشال مخططات الأعداء وتغيير الواقع إلى الأفضل؟
يُروى عن الزعيم تشرشل قوله إن "الديمقراطية أسوأ نظم الحكم". وهو اعتراف بأن الديمقراطية بها سوءات، وأهمها التأثير في نتيجة صندوق الاقتراع بواسطة أقلية لها نفوذ مالي وإعلامي. ولإحداث التغيير المطلوب في الرأي العام ثم توجيهه نحو الهدف المطلوب لابد من اصطناع عدو وهمي كفزاعة لتخويف الناس ثم تلميع شخصية معينة باعتباره المخلص من هذا العدو. وفي هذا السياق جاء التخويف من صدام حسين وما يمتلكه من "ترسانة نووية" تشكل تهديدا وجوديا للغرب، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول/ التي يشكك الخبراء بأدلة دامغة في الرواية القائلة بأنها من صنع القاعدة. وعلى وقع هذا التخويف تم اصطناع الدولة الإسلامية (داعش) في مختبرات السي آس إيه وقبلها القاعدة وحتى طالبان لمن لا يعرفون. ولا شك أن المخابرات دعمت بصورة مباشرة أو بغض الطرف، أو بتشجيع تيارات إسلامية معينة متشددة لتضخيم أفعالها في الإعلام على أنها الإسلام.
الاتجاه السائد حاليا يرمي إلى تصفية القضية الفلسطينية تماما وتمكين الدولة الصهيونية ليس على فلسطين فحسب، وإنما على العرب، بحيث تكون إسرائيل المشرفة على تنصيب وإقالة أنظمة الحكم
النتيجة الطبيعية لهذا كله هي بروز التيار اليميني المتطرف المدعوم صهيونيا والمعادي للإسلام والعرب والأجانب وكل ما هو مصنف على أنه "الآخر". ومع أن هذا التيار في أوروبا لم يتجاوز بعد مرحلة الظاهرة الصوتية إلى واقع، فقد تحققت أهدافه في الولايات المتحدة الأميريكية بتولي دونالد ترمب السلطة عبر صندوق الاقتراع، ولئن أشعل ترمب الحرائق في كل أنحاء العالم خلال عامه الأول، فإن إستيلاء أمثاله على السلطة في عدد من الدول الأوروبية يعني بالضرورة نهاية "الآخر".
الفوضى العارمة التي تجتاح العالم العربي ليست إلا صدى للتحولات السياسية والاجتماعية في المجتمعات الغربية. ولئن حرصت النظم السياسية الغربية الراعية للنظام العربي القمعي على العناية بالإسلام الشكلي الشعائري، فإن اليمين الصهيوني المتطرف لا يحتمل اسم الإسلام سواء أكان معتدلا أو متطرفا، صوفيا أو سلفيا، إخوانيا أو داعشيا. وعلى الرغم من أن بعض النظم العربية حاولت أن تتخلى عن أي شكل من أشكال الإسلام وتتبرأ منه، بل وتعلن عن توجهها صراحة نحو العلمانية وعن هرولتها للدولة الصهيونية تقربا إلى الرعاة الجدد، إلا أن هؤلاء الرعاة الجدد واضحون في توجههم المعادي للعرب وللإسلام لدرجة يصعب معها أي شكل من أشكال التبرير.
 العالم العربي لن يعود كما كان، وإنما هناك احتمالان فإما أن يتحقق مراد اليمين المتطرف بإشراف الدولة الصهيونية على إخضاع العالم العربي للكيان الصهيوني، وإما أن يتحقق مراد الشعوب التي ثارت ضد أنظمة الاستبداد
الاتجاه السائد حاليا يرمي إلى تصفية القضية الفلسطينية تماما وتمكين الدولة الصهيونية ليس على فلسطين فحسب، وإنما على العرب، بحيث تكون إسرائيل هي المشرفة على تنصيب وإقالة أنظمة الحكم في العالم العربي بالإنابة عن الرعاة الجدد، وهذه مهمة وظيفية كما يسميها د.عبد الوهاب المسيري باعتبار أن اليهود عموما كانوا يؤدون أدوارا وظيفية كأفراد وجماعات في أوروبا في القرون الوسطى، وبعد أن أصبحوا فائضا بشريا إثر تولي الدولة القُطرية المهام التي كانوا يقومون بها، أصبح من الضرورة بمكان البحث لهم عن دولة يؤدون الدور الظيفي من خلالها لصالح الغرب.
وتمهيدا لهذا السيناريو يتم تفتيت وحدة أراضي الدول العربية، ولن تخمد نيران الحروب الدائرة في اليمن وسوريا والعراق وليبيا حتى نرى دويلات جديدة تبرز من تحت أنقاض الدول القديمة، ولكن بقيادات جديدة ترفع التقارير لتل أبيب. لذلك نرى الإجراءات التالية على الأرض وعبر وسائل الإعلام وربما شاركنا في تأييدها بلا وعي:
أولا: إشعال حرب شعواء على تيار ما يسمى بالإسلام السياسي والتيارات اليسارية والقومية الأكثر دعما لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبث الفرقة بين هذه التيارات السياسية حتى لا يحصل تعاون بينها حول المصالح المشتركة.  
ثانياً: تفكيك الكيانات الجماعية للعرب كالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي، وذلك حتى لا تؤثر هذه الكيانات على فرض رؤى جماعية على الدول العربية لأن في ذلك مناهضة للتقارب مع الدولة الصهيونية، على أن تبقى هذه الدول منفردة لتسهيل الانفراد بها.
ثالثا: تشجيع ظاهرة الصهاينة العرب الذين يثيرون الضجيج عبر الإعلام التقليدي وعبر منصات التواصل الاجتماعي لتجميل وجه الدولة الصهيونية لجعلها مستصاغة لدى الجمهور العربي، مقابل إثارة بعبع إيران لدرجة أنهم لا يرون غضاضة في التعاون مع الدولة الصهيونية للقضاء على إيران، وإذا كانت إيران تشكل خطرا محتملا على الدول العربية فإن الدولة الصهيونية تمثل خطرا واقعا منذ ما يقارب الستة عقود.
رابعا: منع الحديث عن الديمقراطية وحكم القانون، مع تضخيم خطاب محاربة الإرهاب لأن محاربة الإرهاب ستكون مسوغا لقمع التيارات الاستقلالية سواء أكانت إسلامية أو يسارية أو حتى ليبرالية. ولعله من السذاجة بمكان القول بأن الانقلاب على محمد مرسي في مصر هو انقلاب على الإخوان المسلمين. الحقيقة أن الانقلاب كان سيحصل لو كان محمد مرسي يساريا أو ليبراليا جاء إلى الحكم بإرادة شعبية.
المقصود هو ألا تُحكم أي دولة عربية بإرادة شعبية. وبما أن الديمقراطية لا تخدم المصالح الغربية فقد اختفى الحديث عنها تماما هذه الأيام وأصبحت محاربة الإرهاب النغمة التي لا يعلى عليها، وعبرها يتم تصفية العناصر غير المرغوب فيها. 
 اليمين المتطرف لا يقبل بأقل من وضع يده على الموارد المالية للدول العربية تحت تصرفها المباشر وفي سبيل تحقيق ذلك لا بد من القضاء على أي جماعة أو فكر يحول دون ذلك، وهو ما عبر عنه دونالد ترمب بلغة واضحة.
الدول التي تسارع الخطى نحو التطبيع عليها أن تدرك أنها ستكون الضحية الأولى، لأن الصهيونية لا أمان لها، فهي ليست منظمة خيرية ولا تحكمها قيم وأخلاق وإنما تحكمها المصالح
لعله من نافلة القول أن العالم العربي لن يعود كما كان، وإنما هناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أن يتحقق مراد اليمين المتطرف بإشراف الدولة الصهيونية بإخضاع العالم العربي تحت إشراف الكيان الصهيوني، وإما أن يتحقق مراد الشعوب التي ثارت ضد أنظمة الاستبداد، وبالتالي إبطال المخطط ، وهو ما يتوقف على الدور الذي ستؤديه هذه الشعوب في المرحلة القادمة على مستوى الأفراد والجماعات والدول.
إذن، لا يكفي في وجه هذه الرياح الهوجاء أن يبقى المواطن العادي متفرجا، مترددا، لا سيما وأنه هو المقصود بكل هذه الإجراءات المذكورة! أضعف الإيمان أن يتسلح المواطن العادي بسلاح المعرفة، لأن عدم المعرفة ضلال. فإذا كان المواطن ملما بالخارطة السياسية العامة فبإمكانه إيجاد المخرج المناسب بالطريقة الصحيحة عندما يحين أوان التصرف، وأما الدول التي لا تزال تقاوم الوضع المذكور أعلاه فليس أفضل لها من أن تحتمي ببعضها لتشكل كتلة قوية ضد الاختراق وهذا ما يدركه حتى الأبقار الوحشية عندما يهاجمها الأسد، وأما الدول التي تسارع الخطى نحو التطبيع فعليها أن تدرك أنها ستكون الضحية الأولى لأن الصهيونية لا أمان لها، فهي ليست منظمة خيرية ولا تحكمها قيم وأخلاق وإنما تحكمها المصالح، متى ما انتهت فإنها تتخلص من أدواتها كما يتخلص أحدنا من جواربه البالية. وليس هناك أفضل لأنظمة الحكم من التصالح مع الشعوب بمختلف تياراتها السياسية والفكرية والدينية في وجه هذا المخاض العسير.
رمضان أحمد بريمة - كاتب وإعلامي سوداني
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال