عن النظر إلى القدس.. من فوهة بندقية

نعم، التاريخ يعيد نفسه، أو الأجزاء البائسة منه على الأقلّ، كم يبدو التاريخ مكررًا ومملًا هذه الأيام! يزعمون أنّ حوارًا مثيرًا دار بين الرئيس الراحل ياسر عرفات، والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، في "كامب ديفيد" الثانية، يُقال: إن عرفات رحمه الله قال لكلينتون: "لا يمكنني التنازل عن المسجد الأقصى، إن فلسطينيًا سيقتلني إذا وقّعتُ على هذا، وأنا أفضّل أن يقتلني الإسرائيليّون"، وقد كان ما قاله.
اليوم، تدور حكاياتٌ عن عرضٍ لا يمكنُ رفضُه -على طريقة الدون فيتو كورليوني في فيلم العرّاب- قُدّم للرئيس عبّاس، إذ عليه أن يوافق على بلدة "أبو ديس" عاصمةً بدلًا من القُدس، وإلا فإن عليه أن يغادر منصبه -وحياته السياسية بطبيعة الحال- في أقلّ من شهرين. المثيرُ في هذه الحكاية -إن صدقت- أنّ الذي قدّم العرض الإجباريّ لم يكن الرئيس الأميركيّ كما في الحالة العرفاتيّة، بل يُقال: إن الأمير المغامر محمّد بن سلمان هو الذي لعب دور العرّاب فيها!
 أما عرفات، فاختار طريقه منذ تلك اللحظة، عاد من "كامب ديفيد"، فأشعل انتفاضة الأقصى، جنّد تلفزيونه وأذرعه التعبوية والإعلامية والشعبية كلّها من أجل قلب الطاولة على "إسرائيل" والأميركان من خلفها، وارتدّ عن الطريق التي منحته نوبل ردّة لا تُغتفر. فتح أبواب السجون أمام أبناء حماس والجهاد، وأطلق أيديهم للتنكيل بالعدوّ، ووجه نفرًا من خاصّة أصحابه لتشكيل كتائب شهداء الأقصى، وتورّط في قضية "كارين إيه"، سفينة الأسلحة التي قتلته، لقد تحلل عرفات من كلّ شيء، وخاض حربه الأخيرة بخطّ انتحاريّ، ظلّ متصاعدًا حتى وصل نهايته المحتومة، القتل على يد "إسرائيل". كان عرفات يُبلي حسنًا، لا أزعم أنه كان قادرًا على تحقيق نصر، إذ لم يكن قادرًا على الحركة بما يتناسبُ مع موقفه السياسيّ، لم يكن دخول "أوسلو" كالخروج منها، لكنّ عرفات استطاع أن يسبب إزعاجًا وإرباكًا أوجب إزاحته عن الساحة في أسرع وقت.
 ما يثير الاستغراب هو كيف يجلسُ عباس مطمئنًّا على كرسيّ الرئيس القتيل! ألا يخافُ مصيره؟! يعلمُ جيّدًا -وبقدر ما يعرفُ خسة نفسه- أن ثمة من هو أنذل منه!
ضغطت أمريكا بكلّ أوراقها، لا سيّما ورقة المال التي تذلّ الرقاب، وفرضت على عرفات أن يعيّن رئيسًا للوزراء، كانت الخطة أن تُنقل صلاحياتُ عرفات إليه، ويبقى على رأس السلطة خيال مآتة، والحكم كلّه بيد رئيس الوزراء المرضيّ، تُرى من كان السيف الذي شهره الأمريكان في وجه عرفات حينها؟! لم يكن ذلك الرجل إلا محمود عباس، وريث عرفات فيما بعد. وافق عرفات -ظاهريًّا- على الفرض الأمريكيّ، وعيّن عباس رئيس وزرائه، لكنّه منذ اللحظة الأولى أشعل حربًا داخليّة صامتةً ضدّه في أجهزة السلطة، لم تكن صامتةً جدًّا، فقد خلع عليه عرفات لقب "كرزاي" فلسطين! ووضع له العصيّ في كل دواليب السلطة التي بناها بيديه، وعرف جيّدًا دهاليزها ومواطن قوتها وضعفها.
لم يصمد عباسُ غير مائة يوم، واستقال، زعم أنّه ترك الجمل بما حمل، وأنه تعب، وأن "الختيار" لا يريد له أن يعمل أو ينجز، وكان مطلوبًا أن يُصدّق الشعبُ أن الرجل قد ملّ فعلًا، ولن يكون له مكانٌ في المستقبل القريب! حتى وقعت الواقعة، قُتل عرفات بعد وقتٍ قصير، وعاد "كرزاي" الأمس إلى السلطة، مرتاحًا من عرفات وعصيّه والألقاب ثقيلة الظلّ التي كان يخلعها عليه.
 منذ ذاك اليوم وأنا شديد الاستغراب من أبناء فتح والسلطة، كيف أغفلوا كل قواعد المنطق في البحث عن الجاني في قتل عرفات، لماذا لم يتهموا عباس بالشراكة على الأقل؟! لديه الدافع (الخصومة الكبيرة مع عرفات)، وهو المستفيد (عاد إلى السلطة زعيمًا أوحد)! أما الذي أثار استغرابي أكثر، هو كيف يجلسُ عباس مطمئنًّا على كرسيّ الرئيس القتيل! ألا يخافُ مصيره؟! يعلمُ جيّدًا -وبقدر ما يعرفُ خسة نفسه- أن ثمة من هو أنذل منه! وأنّ "البديل الأفضل" سيبقى في مرمى عيني "إسرائيل" وأمريكا على الدوام، وهو فوق ذلك خَبِر طمع قادة "إسرائيل"، وعاصر تقلبات السياسة الدولية منذ عقود، لقد كان عليه أن يتوقّع أنّه يومًا ما.. ستحين اللحظة!

بدو أن اللحظة قد حانت أخيرًا، لا يملكُ عبّاس تاريخ عرفات ولا روحه، ذاك رجلٌ قاتل يومًا، وتعوّدت كتفه حمل البنادق سنين مديدة، وبارز الموت مرارًا وتكرارًا، فماذا جرّب عباس حتى يكون أهلًا لمواجهة "إسرائيل" وأمريكا والعرب جميعًا هذه المرّة! لن يواجه عبّاس، سيحتجّ و"يفاعص" قليلًا كما نقول بالعامية الفلسطينية، لكنه في النهاية ابن هذه المنظومة، قد يتمرّد قليلًا، لكن سيطيع أخيرًا، إنه فرسٌ يستحقّ المراهنة عليه في ميادين الذلّ والانبطاح، وسيثبتُ لسادة العالم أنهم إن وجدوا بديلًا ينافسه، فلن يجدوا أبدًا من يتفوّق عليه! لا أعلمُ إن كان هؤلاء سيرضون منه بالتنازل، أخشى أن يرضى ثُم يُستبدل، بعضهم لا يحبّه، يراه عجوزًا منتهي الصلاحية، ولديهم وريثٌ شابُّ أكثرُ قربًا وأعظم حظوة!
يستبقُ "ترمب" موقف عباس من عاصمته الجديدة، بإعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، معلنًا موقفًا رسميًّا أمريكيًّا يعترفُ بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال، هو موقفٌ يضعُ عبّاس وجهًا لوجه أمام الحقيقة: لقد أضعتَ القضيّة، كذبتَ على نفسك وعلى الناس، وبعتهم الوهم، وسلّمت للعدوّ عاصمة فلسطين، ودرّة تاج العرب والمسلمين.
بعيدًا عن عبّاس وما صنعه، ثمة نور خافت بعيد، هذا الموقف الأمريكيّ، بقدر ما هو خسارةٌ سياسيّة تُسجّلُ للقضية الفلسطينية، وواقعٌ جديدٌ يرسمه الأقوياء الفجرة، فإنّه يجعلُ الحلول "الواقعيّة" أبعد وأعسر، والحلول الثورية الحالمة أقرب وأجدر بالعمل، ويجعلُ أولياء القدس الحقيقيين، أكثر إصرارًا على الطريق، فإنّ من يرى القُدس من فَوهة بندقيّة، لن يرى فرقًا بعد خطوة "ترمب" الجديدة، بل لن يرى "ترمب" كلّه، والله أعلم.
براء نزار ريان - محاضرٌ بالجامعة الإسلامية بغزة
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال