معنى الفيتو الأميركي وتداعياته

بدا موقف الإدارة الأميركية عنصرا مساعدا على رواج الخطاب الإيراني الذي يتكئ على مسألة القدس وفلسطين، لتضييق هوامش ومساحات التحرك العربي لمواجهة ما اصطلح على تسميته الخطر الإيراني.
مثلما كان متوقعا، أجهضت الولايات المتحدة الأميركية مشروع القرار الذي تقدمت به مصر باسم المجموعة العربية، لدحض مشروعية إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس.
ولم تنجح محاولات التخفيف من صيغة القرار وإسقاط اسم ترامب نفسه من صيغته، وظل الموقف الرسمي الأميركي قائما ومعطوفا على شخص رئيس الولايات المتحدة ومساعديه.
ومع بقاء هذا الموقف قائما تتواصل تداعياته في الإقليم وفي العالم بعد أن أعلنت الأطراف الدولية النافذة عن لا مشروعيته، وعلى كونه منافيا للقانون الدولي ولما استقرت عليه الأمم، ولعملية التسوية المتعثرة نفسها، التي لطالما بذلت الإدارات السابقة جهودا لكي تستمر المفاوضات بشأنها، وتحاذر من قيام أي طرف بأي خطوات من جانب واحد.
وفي توصيف القرار الرئاسي الأميركي، قيل ويُقال إن ما فعله ترامب أربك الأطراف العربية في الإقليم، لا سيما وأن هـذه الأطراف سعت إلى توظيف الموقف الأميركي من إيران لصالحها في عملية المكاسرة الجارية بين الإرادات.
فقد أصبح التحالف العربي مع الولايات المتحدة محرجا للحكومات المتحالفة، وبدا موقف الإدارة الأميركية عنصرا مساعدا على رواج الخطاب الإيراني الذي يتكئ على مسألة القدس وفلسطين، لتضييق هوامش ومساحات التحرك العربي لمواجهة ما اصطلح على تسميته الخطر الإيراني، ما يعني أن طهران وتل أبيب كانتا المستفيدتين من إعلان ترامب المجافي لحقائق التاريخ وقواعد العمل السياسي الذي تضطلع به القوة الأولى في العالم.
فلا يختلف اثنان اليوم على أن إدارة ترامب غير جديرة بأن تكون وسيطا أو راعيا للعملية السلمية المزعومة.
وفي الوقت نفسه، سقطت فرضية الصفقة التي جرى الحديث عنها دون الإفصاح عن حيثياتها، إذ ماتت قبل أن تولد، بل لو تكرر الحديث عنها فلن يستمع إليه أحد، طالما أن الولايات المتحدة أرادت أن تحسم مسألة القدس الشرقية، قبل طرح مشروع ما سماه الأميركيون “صفقة القرن”.
بدا واضحا أن دونالد ترامب وإدارته، لا يعرفان عن القدس سوى أن إسرائيل تريدها كاملة، وعاصمة لدولتها، وأنهما يعتبرانها محض مطلب إسرائيلي يريدان تكريسه، ذلك علما بأن القدس الغربية نفسها لم تكن ضمن حدود إسرائيل التي اعترفت بها الأمم المتحدة استنادا إلى مشروع تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947.
اليوم تضع الولايات المتحدة الأميركية نفسها في موقع الخصم للمسلمين والمسيحيين. وتضرب عرض الحائط بكل الأعراف والقرارات الأممية، وتؤسس للنزاع المفتوح في المنطقة
فقـد كانت القدس وبيت لحم في مشروع التقسيم ذاك، خاضعتين للولاية الدولية، وقد احتلت إسرائيل الجزء الغربي من المدينة بالقوة العسكرية على الأرض، متجاوزة محددات مشروع التقسيم.
ولهذا السبب لم تحصل إسرائيل على اعتـراف الأمم بالقدس الغربية المحتلة قبل عام 1967 بأنها عاصمة لإسرائيل، لأن هذه المنطقة نفسها احتلت في تعد على القرارات الأممية.
وفي أسوأ الاحتمالات كان يُخشى خلال عشرات السنين أن تعود الولايات المتحدة عن التزامها حيال القدس، وتتواطأ مع إسرائيل على تكريس القدس الغربية عاصمة لها.
لذا فإن ما أعلنه دونالد ترامب لم يقف عند حدود القدس الغربية، وإنما تطاول إلى القدس الشرقية التي احتلت بالقوة أيضا في العام 1967.
فالبلدة القديمة في القدس الشرقية، وهي مساحة ضيقة لا يتجاوز قلبها كيلومترا مربعا واحدا، تحتشد فيها مقدسات ورمزيات الديانتين الإسلامية والمسيحية، وتزدحم فيها الشواهد على الحق العربي في القدس، ولم يعثر الأثريون اليهود على دليل واحد يعزز زعمهم بأن للأقدمين اليهود أي صلة بها، ناهيك عن اليهود المستجلبين من أوطانهم.
ومن المفارقات أن الأميركيين الذين تهللوا لاحتلال الجيش البريطاني للقدس ولاستعراض الجنرال أدموند آلنبي على خيله في البلدة القديمة يوم 11 ديسمبر 1917، كانوا يعتبرون الحدث يوما مسيحيا بهيجا، وليس يوما يهوديا، وهذا ما جاء في خبر الصفحة الأولى من عدد جريدة “نيويورك هيرالد” الصادر في اليوم المذكور وجاء فيه أن هذا الجيش أنقذ القدس بعد 673 عاما من الحكم الإسلامي.
كان الأميركيون، وقتها، يعتبرون الحدث نصرا للمسيحية البروتستانتية حصرا، ولم يكترثوا لمشاعر رعايا الكنائس الأخرى، الكاثوليكية والأرثوذكسية، من العرب ومن بينهم الفلسطينيون.
ففي ثقافتهم، آنذاك، كانوا على غير دراية بالمنحى الإمبريالي للسياسة البريطانية، الذي توافق عليه مخططو النشاط الاستعماري البريطاني في ما سُمي اجتماع كامبل في العام 1907.
فقد جرى اختيار العنصر اليهودي لكي يشغل كيانا يُصار إلى تأسيسه، ويكون مغايرا لثقافة وأهداف وطموحات شعوب المنطقة ويظل في خصومة معها، وله دور وظيفي يهدف إلى خلق كيانات هزيلة ومتباغضة.
وفي تلك الفترة كان الأميركيون يظنون أن المسيحية استعادت فلسطين من أيدي المسلمين، أما اليهود فلم يكونوا في الحسبة الأميركية يوم 11 ديسمبر 1917.
اليوم تضع الولايات المتحدة الأميركية نفسها في موقع الخصم للمسلمين والمسيحيين. وتضرب عرض الحائط بكل الأعراف والقرارات الأممية، وتؤسس للنزاع المفتوح في المنطقة، وتستثني نفسها من حق الخوض في أهم قضية دولية، وكل ذلك لكي تحابي تيارا صهيونيا أصوليا متطرفا وعنصريا، ينحو إلى جعل إسرائيل دولة دينية تؤجج صراعا دينيا، وتطيح بمبدأ المواطنة المتساوية للسكان، وهذا ما لا تتمناه الولايات المتحدة لنفسها.
عدلي صادق - كاتب وسياسي فلسطيني 
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال