رواية أثلام ملغومة بالورد للكاتبة الفلسطينية صابرين فرعون

رواية « أثلام ملغومة بالورد »، تغوص تحت الجلد الفلسطيني وتحكي ما لا نريد رؤيته والاعتراف به، وتلغم أحاسيس القراء وتحملهم عبر وقع أحداثها للسير على طريق الآلام والجُلجُلة…
صدر مؤخرا عن دار فصاءات للنشر والتوزيع رواية جديدة للكاتبة الفلسطينية صابرين عايد فرعون بعنوان « أثلام ملغومة بالورد ». وهي رواية تسير بالقارئ على درب الآلام والجُلجُلة، عبر عذابات نساء كثيرات في مجتمعاتنا الذكورية التي يُعْتبر فيها قهر الرجال، وعدم احترامهم للمرأة؛ زوجة، أو ابنة، أو أختا، أمرا من صفات الرجولة. إنها رواية تحمل القارئ أيضا إلى ما تحت الجلد الفلسطيني، وتكشف له جانبا مهما لا يُرى من الواقع الاجتماعي المُرِّ للشعب الفلسطيني.
تبدأ الرواية بحوار مبسط ومثالي، بين أمّ وابنتها التي أنهت دراستها الجامعية، ولم تبحث عن عمل. إنما تفعل ما تحب في الحياة، وهو المطالعة، والكتابة الهادفة. مدركة بوعي كامل مسؤولية الكاتب، وما يقدمه على مائدة القارئ. وطموحه في أن يكون لذلك أثره عليه، دون أن يبغي الكاتب من وراء ذلك ربحا ماديا. بل وكما تصرح الكاتية فإن « مربح الكاتب ما يمنحه للقارئ من تجربة ومعرفة ووعي لا قيمة للمال أمام بصمة يتركها في التاريخ ». دون أن تنسى الكاتبة التلميح إلى معاناة الكاتب بصفة عامة، وهمومه الحياتية وفي تطوير أسلوبه، وأفكاره، والوصول إلى أكبر عدد من القراء.
تتسلل الكاتبة بهدوء في ثياب بطلة قصتها لتسكنها وتستريح في داخلها، ومن ثم تبدأ في سردية متداخلة، مستنفزة للمشاعر والأحاسيس، في عبارات سهلة تُقيد القارئ وتأسره، فلا تجعله يلتفت إلى معرفة معاني بعض الكلمات. إنها لغة سهلة لأنها لغة يستخدمها الناس العاديون في كل تصاريف حياتهم كل يوم. وتتناثر عبارات الرواية بهدوء تام في دواخل القارئ، فتعرفه بداية بالشخصي والإنساني لبطلة الرواية. لتفتح الكاتبة شيئا فشيئا أبواب العالم الخاص ببطلتها، فتدخلنا إليه بهدوء من خلال قصة ميلاد أخيها الصغير، الذي ولد في شهره السابع. ومن خلال التلميح إلى وضع أسرتها المتأزم. وبإشارة سريعة أيضا إلى انتماء أبيها السياسي، الذي هو في الأساس من أجل قضاء بعض المصالح، والحصول على بعض الامتيازات.
وما أن يقطع القارئ عدة صفحات، حتى تبدأ الإشارات الحمراء التي تنبعث من سطور الرواية بالإضاءة، STOP…!لتستوقفه عند محطات لا يمكنه بأية حال من الأحوال تجاهلها، أو عدم الوقوف عندها. كونها تشد به وبمشاعره، بل تجبره على التوقف، وطرح الأسئلة. خصوصا وقد استفزه السرد وأسلوبه، وحبس أنفاسه على وقع موسيقى المعاناة الاجتماعية، والعائلية. والقوانين التي تفرضها القبيلة. والعادات والتقاليد التي هي تارة باسم الدين، وتارة أخرى بدون اسم، ولا عنوان. اللهم إلا التوحش الإنساني المُسْتهجَن والمقيت، والذي بلا حدود. 
حيث تبلغ القساوة أقسى حدودها عندما تصف لنا الكاتبة مشهدا لا أظن أن هناك ما يعادله قساوة، وهو أن يتوقف الطفل الصغير الذي نظن فيه البراءة، وعدم الوعي، والفهم لحقائق الأشياء، عن ترديد أو مناداة والده بتلك الكلمة السحرية التي هي منحة من رب السماء: بابا…!
تتناول الكاتبة في سردها بعض جوانب التسلط الذكوري في مجتمعاتنا من ألفها. أي منذ أن تُعلم الأم طفلها الذكر في صغره، أنه مصدر قوة البيت، وأن صوته يجب أن يكون عاليا يملأ أركان البيت، لكي تخافه أخواته، والنساء بصفة عامة، ويحسب حسابه، وأنه دائما على حق، ولو أخطأ…! مُؤكدة أن التوحش الذكوري تزرعه الأمهات في صدور وعقول الأبناء الصبيان، ولا علاقة لذلك بالمستوى الاجتماعي، والمادي، والتعليمي.
لنعايش ونعيش من خلال السرد في داخل أسرة فلسطينية بسيطة فعليا، بعدما نكون قد اطلعنا على خباياها وتفاصيل يومياتها. فنكتشف أنها عائلة تعيش أزمات متداخلة ببعضها، في ظل تسلط أبوي مطلق على كل شيء في الأسرة…! أب يقوم بضرب مبرح لزوجته وأولاده ويمارس عليهم شتى أنواع العقاب والامتهان للكرامة، وعدم احترام الرغبات الإنسانية البسيطة، ولا حتى القيم. إنه الواقع الأليم لكثير من العائلات، التي تعيش بيننا، ولكنها تنتمي إلى عصور أخرى. ونكتشف في ذلك شكلا مركبا من البطريركية، أو التداخل في سلطات نمطية من نمطيات القبيلة…
فالبيت الذي تعيش فيه تلك الأسرة، عبارة عن سجن داخل سجن، صنعته لنفسها كالشرنقة. والرجل سيد البيت، والسجان. الحاكم الآمر الناهي بل هو برتبة الإله… وأن أمُّه الحماة الكبيرة في السن، هي في درجة ما فوق ذلك الإله.  تصدر له الأوامر لينفذها، ويضطهد زوجته، وأولاده، من أجل إرضائها…! عجوز سادية بامتياز، تفرح لضرب أحفادها، وعقابهم، وامتهان كرامة زوجة ابنها. جدَّة تحسب أنفاس الأحفاد وأمهاتهم، وتمسك بكل شاردة وواردة. وما بين أب مُتعنتٍ، له حِساباته الخاصة التي لا تتطابق مع كل الشباب الذين تقدموا لبناته، وأهلهم… وإخوة يظنون في زواج أخواتهم مقايضة أشبه بالبيع والشراء، وما حواه من ربح وخسارة. وسادية أم عجوز قاسية الطباع والقلب. يُوجد عمَّات عانسات، حُرمْن منْ نِعْمة تكوين أسرة، وأن يَكُنَّ أمهات. فغدون حاقدات على كل من حولهن، ويغرن من كل شيء، حتى من نسمات الهواء لو لاطفت خد زوجة الأخ.
طبعا لا تنسى الكاتبة أن تحكي لنا عن جدة أخرى مُعَششة في كيان كثيرين، يستحضرون في كل وقت ذكرياتهم معها. فترجعها الكاتبة إليهم لتحكي لهم الحكايات، وتصدح بالمواويل والأغاني الشعبية، وتزغرد مرحة بعدما قطعت كل علاقاتها بالعبوس. تعيدها لهم بكل ما فيها؛ بلسانها الحلو كالسكر، إذا تكلمت سحرت؛ وبهمتها العالية، إذا ما شمرت عن زنديها، دب النشاط في كل البيت، فتخبز، وتطبخ، وتكنس، وتغسل، وتمد يد المساعدة لجاراتها في أفراحهم وأتراحهم، وفي فترات الحمل والإنجاب، وتحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم…
وبوعي من الكاتبة، تقوم بتلطف وقع طواحين كلامها على مشاعر القراء، فتفترض أنهم لا يعرفون مدينة القدس الشريف كما يجب. فتبدأ معهم رحلة لتعرفهم بها على تلك المدينة القديمة بأسواقها، ومحلاتها، التي تسميها بأسمائها، وبتوصيف دقيق، وما تبيعه من سلع، هي نفسها تحبها. فتتحدث كطفلة تحب السمسمية، وتسحرها روائح العطور والبخور المنبعثة من المحلات. بل كعاشقة لذلك العبق السماوي في تلك المدينة المقدسة. والتي هي مقدسة بكل ما فيها، حتى حجارتها، وترابها. فذاك بائع واقف عند درجات باب العمود، يبيع حلوى السمسمية الخشنة بالمكسرات، المحمصة الطازجة. وأولئك فلاحات قادمات من قضاء بيت لحم والخليل، ليبعن ما حملنه من خيرات الأرض والوطن. فيحس القارئ في لحظة وكأنه يشم رائحة المِيرَامِية، والزعتر بأنواعه، وما حملنه خصوصا الزعْتمانة، والنعناع، والبقدونس، والفجل الذي يدخل طعمه الأفواه وكأن الأضراس تقضمه مع زيتونات الصباح… فيسافر بعدها عبر أحلام، وحكايات سمعها من الجد، والجدة، عن زهور الوطن: كالريحان، والياسمين، والفل، وعباد الشمس. متذكرا كل ما هو جميل في تلك القرى الفلسطينية، وحياة فلاحيها. مرددا مع شاعرها: إن على هذه الأرض ما يستحق الحياة…
رواية تحكي لنا رحلة العذاب، وانتقال الفلسطينيين بين مناطق الوطن المختلفة. وكما ان السجين يحمل رقما، ويحمل الجناح الذي يسكنه حرفا، أو رمزا، فكذلك مناطق الفلسطينيين الذين تبعثروا في سجن كبير، أعني مناطق ومربعات حملت رمزا، أو بالأحرى حروفا A B C D الخ… تدفعهم بشكل دائم إلى تذكر أبجديات الوطن والوطنية… وإلى تذكر فجاجة أبجديات إنسانية المجتمع الدولي المنافق والعاهر، وتآمره عليهم كشعب كان له وطن، وأرض، أصبح فيها لاجئا، سجينا. بل أصبحت أرضه محرمة عليه…!
قضايا كثيرة تطرحها الرواية التي تعج وتضج بأحداث المجتمع الفلسطيني الذي مزقه الاحتلال الصهيوني إربا أشبه بالفسيفساء الغير متناسقة مع بعضها، ولا تشكل لوحة متكاملة، ويصعب بل من المستحيل أن تلتقي ببعضها لتُكوِّن شيئا ما… احتلال بعثر كل جميل في ذلك المجتمع، وحول كثير من الفلسطينيين الذين تحت سلطته إلى انفعاليين ممزقين نفسيا، وخلقيا، وعائليا. ولكنهم مع ذلك يجيدون التحايل على القانون في صفقات قبلية لكي يزوجوا بناتهم وهن في سن الثالثة عشرة من عمرهن…!
وفي الختام فإن القارئ سوف يجد نفسه يردد مع الكاتبة عبارتها: « كم كرهت مجتمعي المنافق، الذي يُطبق عادات وتقاليد زائفة لا جذور ولا منبت لها في الديانات السماوية والقانون المدني ولا في تطور الحضارات والإنسانية »…
خالد برش - باريس
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال