سلطة الكلمات

عندما نسيء التعبير، نسيء التفكير أيضا أو لا نفكر أصلا، فنستبدل الإشارة بالمعنى، على غرار تغريدات كثيرة لكبار هذا العالم، لعل أشهرهم دونالد ترامب الذي يعبر عن مواقفه وسياسته من خلال تغريدة لا تتعدى مئة وأربعين حرفا.
في رواية “1984”، التي تتحدث عن مقاطعة متخيلة ترزح تحت نير أحد الطغاة، ابتكر جورج أورويل مصطلح اللغة الجديدة، نيوسبيك، أو نوفلانغ في ترجمتها الفرنسية، وهي لغة تهدف إلى إلغاء الفكر، وتدمير هوية الفرد، وتركيع الشعب، تحت إشراف حزب تسيره نخبة مسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ، تتولى السهر على تدمير المستندات الأصلية، وإلزام الموظفين بالتصحيحات الواجب إدخالها على أي وثيقة، قديمة أو جديدة، وما هي في الواقع سوى تزييف للتاريخ، الذي ينبغي أن يبدأ مع هذا الطاغية الملقب بـ”الأخ الأكبر”.
وإذا كان بعضهم قد اتخذ من هذه الرواية نموذجا على فرض الأنظمة رقابة مشددة على كل ما تراه تحركا مريبا، وتفكيرا خارجا عن قاموسها وناموسها، فإن آخرين ركزوا على هذه اللغة المستحدثة التي جُعلت كأداة للتدمير الفكري، عبر تقليص الخطاب المتداول إلى بضع كلمات، حيث بعث النظام قسما للبحوث في وزارة الحقيقة، كان يدمّر كل يوم مئات الألفاظ، ويجرّد اللغة حتى العظم، ليصير الفكر مبتسرا بشكل يتعذر معه نقله بواسطة الكلمات.
يقول أورويل على لسان أحد أعضاء ذلك القسم: “ستكون الثورة شاملة حينما تغدو اللغة جيدة”،أي متردية إلى حدودها الدنيا، عاجزة عن التعبير عما يشغل الذهن.
وكان أورويل في أواسط الأربعينات من القرن الماضي، أي زمن تأليف روايته الشهيرة تلك، يشعر أنه يعيش مرحلة تتسم بتدهور اللغة، ما يجعل وصف الواقع بأمانة أكثر صعوبة، ويدين الضبابية التي تحجب الفكر، والميل إلى شعارات غايتها فرض أفكار خاطئة بمجرد الإعادة والتكرار، واللغة الخاصة المتسترة بالعلم، التي تحاول أن تضفي الحياد على ذرائع هي في الأصل أيديولوجية، باستعمال غير نزيه للكلمات.
ذلك أن الشرط في اللغة، أي لغة، أن تفتح على الواقع، لا أن تمنع الوصول إليه. أما اللغة المسخّرة، والكلمات المدجّنة، والخطاب الآلي فهي تحول دون قيام حوار مثمر، لأنها لا تفتح إلا على الإخبار، وعلى معلومة يلفظها فكر جاهز.
عندما نسيء التعبير، نسيء التفكير أيضا أو لا نفكر أصلا، فنستبدل الإشارة بالمعنى، على غرار تغريدات كثيرة لكبار هذا العالم، لعل أشهرهم دونالد ترامب الذي يعبر عن مواقفه وسياسته من خلال تغريدة لا تتعدى مئة وأربعين حرفا، وفي ذلك دلالة على ما حاق باللغة اليوم من تدهور يهدف أساسا إلى إلغاء كل فكر حرّ، وفي الأقل التضييق عليه حتى يقنع بترديد المقولات الجاهزة.
يقول أورويل: “إن أخطر ما يواجه الكاتب استسلامه لسلطة الكلمات تفكر بدلا عنه، فتغدو مقدَّمة على المعنى”.
أبو بكر العيادي - كاتب تونسي

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال