التجربة الشعرية واللغة الشعرية

لقد انفجر العمود الشعرى، وتطور مفهوم الشعر، وأصبح الشعر الجديد بمثابة ثورة داخل الفن الشعرى، وكان ذلك نتيجة تضافر عوامل متعددة أدت إلى هذا الانقلاب، وهذا التغير.
لقد حدثت تغيرات اجتماعية وسياسية كانت بالغة التأثير على نفسية الشاعر، وعلى أدواته. كانت بمثابة تجربة جديدة، أو بمعنى أدق، إدخل الشاعر، والقارئ فى تجربة حقيقية مع الشعر، هذه التجربة هى التى أنتجت هذا الشعر الجديد وفق معطيات جديدة.
"إذا كانـت التجربة الشعرية تنبثق من منظومة علاقات يحتل الشاعر مركزها، باتجاه التراث والتشكيلة الاجتماعية والبيئة الطبيعيـة، وتصبح هذه العلاقات مشكلة تتزايد حدتها فى الزمان كلما تراكمت التجارب الشعرية، وتنوعت استقصاءات الشعراء بالتجـاور مع تطور التشكيلة الاجتماعية والمستوى المادى والمعرفى الذى بلغته، بحيث يصبح القول أن ألد أعداء الفعالية الشعرية هو تراثها"(1) فإن دور الشاعر فى التجربة يكون هو دور الفاعل، حتى وإن كان المجتمع وجملة العلاقات الأخرى، تمثل أهمية كبرى بالنسبة للتجربة.
لقد قذف الإنسان إلى الوجود. وصار جزءًا من هذا العالم الذى يغصّ بما يبعث القلق والضجر، وهو يحاول أن يجد مكانا لذاته. إنه للوهلة الأولى يجد ذاته فى صدام مع العالم، مع منظوماته، وآلياته، مع حقائقه التى لم تكتشف بعد، وحقائقه التى تم إماطة اللثام عنها. كل هذا يلقى فى بئر ذاته، ويغوص إلى دهاليز نفسه، حتى إذا تراكمت الأحداث، والمؤثرات صار طابعها بارزاً على صفحة النفس، وأحس الانسان بعمق المأساة، مضافا إليها الحياة اليومية بكل ما فيها من ابتذال، وتفاهة، وماتسـم به الإنسان المعاصر من ضياع، وما تقدمه له من إحباط، وانكسار.
إن الإنسان عندما يجد نفسه فى هذا الموقف، ولكى يخرج من الواقـع اليومىّ عليه "أن يختار بين طريقتين : الشعر، أى الهـروب نحو عالم أمثل، أو الفلسفة، أى إبادة العالم الواقعى"(2) - على حد تعبير "هويسمان" - ولعل هذا هو موقف الإنسان غير العـادى - الشاعـر أو الفيلسوف - أما الإنسان العادى، فإما أن يغرق فى الحياة اليومية، أو يصاب - وهذا يمكن أن يحدث أيضا للشاعر والمفكر - بالاكتئاب أو المرض النفسى، أو يلجأ أيضا إلى الشعر والفلسفة ولكن هنا كمتلق، كقارئ.
التجربة الشعرية إذن هى ملاذ الشاعر هنا. "فإذا كان الإنسـان العادى غير قادر على لملمة أطراف التجربة التى خاضها، وتجميع أشلائها المبعثرة، فإن الشاعر الحاذق ينظم خرزاتها فى سلك واحد ويستخلص منها نتائجها، ويربط بينها ربطا خفيا بما يضبط هذه العلاقات فى أعماقه ولكنها تقفز إلى القمة حين ينفجر البركان، ويتطاير شظى الأحداث المترسبة فى تلك الأعماق فى غير نظام كما يظهر للرائي، وإن كانت تنطلق - فى حقيقتها - من الرؤية الفنية الخاصـة التى كونها الشاعر من عصارة اتصالاته واحتكاكاته، ومن خلال تناقضه عما يحيط به"(3). 
والشاعـر إذ يكابد التجربة الشعرية، فإنما هو "يكابد نوعا من العذاب يحاول أن يتخلص منه، كما يتخلص الجسد السليم من جرثومة ضارة"(4) وإن كان ما يقدمه الشاعر، أو يتخلص منه إنما هـو عمل فنى جميل، قد تعلو درجته أو تقلّ - من حيث القيمة الفنية - وفقا لتضافر مجموعة من العناصر بعضها خاص بذات الشاعر، وقدراته الفنية، والبعض الآخر خاص بخصوبة التجربة والمؤثرات المحيطة به.
يقول "روستريفور هاملتون" :
"يجدر بنا فى المحلّ الأول أن نذكر هذه الحقيقة البسيطة، وهـى أنه حينما نقبل على القصيدة كما نقبل على أى عمل فنى يكـون لكل منا وضعه السابق الخاص به : أى حساسيته التى تختلف فى نوعها عن حساسية غيره، وقسطه من الثقافة، وآراؤه وموقفه من الحياة، وهذه جميعا تختلف من فرد إلى آخر"(5).
ولذا فإن الشاعر أو القارئ إنما يبدع أو يتلقى القصيدة، وفقا لإمكانياته الذاتية، مضافا إليها وضعه الخاص فى هذه اللحظة أو تلك، وفى هذا الظرف أو ذاك.
* ماذا يفعل الشاعر عندما يكون موشكا على إبداع قصيدة؟
" يجلس الشاعر على محور الأشياء ويتأمل سر الكون، ويغذى عواطفه وعقله على مآثر الماضى العظيمة، وإذْ يتقلب مع الفصول الأربعة، يتنهد لمرور الزمن. وإذْ ينظر إلى ملايين الأشياء، يفكر فى تعقيد هذا العالم. فيحزن لتساقط الأوراق فى الخريف المفعم عنفوانا.
وتملؤه غبطة أكمام الزهر الناعمة فى الربيع العطر. ويعانى البرودة وقلبه حافل بالرهبة.
فإذا اطمأنت روحه حول نظرته إلى الغيوم، وروى نتاج الأسبقين الفائض، وأخذ يتغنى بالعبير النقى الذى خلقه القدامى المتفوقون وتجول فى غابة الأدب، ممتدحاً تناسق الفن العظيم، وإذا اهتز هزة المنفعل، رمى بالكتب بعيداً، وتناول ريشته ليعبر عن نفسه فى كلمات"(6).
إن هذا الحديث رغم ما فيه صيغة بلاغية تقليدية، إلا أنه - كما يـرى "أرشيبالد مكليش" - هو تقرير عن كيفية ولادة القصيدة، بل ويضـم أيضا تلميحا وإشارة إلى ماهية القصيدة - أى كيف يكون حالها لو تفجرّ عنها المخاض فى العراء فى تلك البرية التى فيها يتم وجودها، وفيها يحسّ كل إنسان أنه وحيد(7).
إن الفكرة الشائعة عن إيداع العمل الشعرى. تذهب إلى أن "الإنسـان الذى يوشك أن يصبح شاعرًا إنما هو إنسان غارق فى ذاتـه، عاجز عن الرؤية الخارجية، قادر فقط على النظر داخل نفسه - (عين تتقلب فى جنون رائع)، وإن عينا كهذه تعجز عن الرؤية. فالشاعر لا يدرك إلا أحوال ذاته، ولا يشعر إلا بها، إنه لهيب شمعة غذاؤها من ذاتها، غواص لؤلؤ يخرج من محيط نفسه أعمى البصر متقطع الأنفاس .. وإن اعتناق هذا المفهوم لنظم القصيدة يحتم بالطبع اعتناق نفس المفهوم لطبيعة الشعر نفسه. فإذا كانت عملية الفنّ مجرد انتظار سلبى لانبثاق الرمز من أعماق اللاّوعى، فالقصيدة إذن حدث سرّى منعزل عن سواه، صرخة منغومة، شئ ينطلق فى الظلام(8).
إن هذا التصور - الذى يعرضه "مكليش" من اجل انتقاده، إنما يتعارض مع ماسبق وأن طرحنا، سواء على المستوى النفسى، من أن عملية الإبداع هى، بمثابة تطهير للنفس، أو على المستويات الأخرى الاجتماعية والسياسية بأنها عملية تتشابك فيها العلاقات الداخلية مع الخارجية بالنسبة للشاعر، ويشتبك فيها الخاص والعام، وان كان الشاعر بالنسبة لها بمثابة المركز.
إن وعى الإنسان شاعرًا أو قارئاً يتشكل فى جدله مع الواقع وارتباطه بالزمان والمكان المحددّين. ورؤية الشاعر، وتعبيره عن تجربته إنما تعكس جملة منظومة من العلاقات تتداخل فيها طاقة الشاعر الإبداعية مع تأثره بما يحيط به. وإن "ميلاد قصيدة بالنسبة للشاعـر لا يتضمن قطباً كهربيا مغموساً فى أعماق حوامض الذات، بل قطبين اثنين هما الإنسان والعالم إزاءه. فالقصيدة لا تبدأ من العـزلة، بل فى نطاق من العلاقات فهنا الناظم. وهناك إزاءه سرّ الكون - الفصول الأربعة - ملايين الأشياء - تعقيد العالم . وبدلا من الرمز الذى ينبثق كما تنبثق "فينوس" من البحر بقوة حركتهـا التلقائية، نجد هنالك صورة، قصيدة، تتحقق فى المدى الذى ننظر إليه جميعنا، المدى مابين أنفسنا من جهة والعالم من جهة أخرى وأخيرا نجد بدلا من المترقب المنتظر اليقظ الذى يجثم مطرقاً فوق صمته الذاتى - نجد الإنسان الذى يتخذ لنفسه وضعاً - يتخذ (وضعه) وأين؟ "على محور الأشياء"(9).
الإبداع الشعرى لا يبدأ من أعماق الشاعر المنعزل، بل يكون نتيجة لعملية معقدة نتجت عن مجموعة متباينة، ومتعارضة أيضا من العلاقات بين الأشياء، يكون الشاعر فيها فاعلاً، ويكون الواقع المحيط أيضا بجوانبه الإيجابية والسلبية فاعلا ..
إن إبداع قصيدة، هو دخول فى تجربة إبداعية وانسانية، دخـول إلى عالم عميق، بعيد الغور. وإذا كانت التجربة "الإنسانية فى جوهرها مجموعة من العوامل المتفاعلة التى يكون من نتائجها بروز شئ متميّز يلفت الانتباه، ويسلط الأضواء عليه، ويخلف لدى الشاعر حاسّة فنية تربط بين الأشياء المجاورة لهذا الكائن الفنّى المتميّز، على درجة فائقة من الخفاء، لا تستطيع العقول العادية إدراكها وتحسّسها. والتجربة الجمالية تساعد الشاعر على خلق ذاته الفنيه وتمييزها من جديد"(10). 
الشاعر ليس منفصلاً عن العالم، وليس كائنا خرافيا هبط مع أحـد النيازك، وليس مجرّد كائن يعيش الحياة اليومية بكل ما فيها من ابتذال وضحالة، واستهلاك.. أنه كائن فريد يتفاعل مع الواقع وعبر تجـربة إنسانية عميقة، تتطور حاسته الفنية وتصقل عبر حوار غامض بين ذات الشاعر وواقعه، حوار لا يدركه العقل العملى، بل هو ساكن فى أعماق الشاعر، والذى قد يصعب عليه هو نفسه تفسيره، وتأطيره فى أطر ثابته.
والشاعر فى إطار خلقه للقصيدة يعيش تجربة خصبة، وعميقة هى التجربة الشعوريةن تلك التى هى بمثابة "الصورة الكاملة النفسية أو الكونية التى يصوّرها الشاعر حين يفكر فى أمر من الأمور تفكيراً ينمّ عن عميق شعوره وإحساسه. وفيها يرجع الشاعر إلى اقتناع ذاتى، وإخلاص فنى، لا إلى مجرّد مهارته فى صياغة القول ليعبث بالحقائق أو يجارى شعور الآخرين لينال رضاهم. بل إنه يغذّى شاعريتـه بجميع الأفكار النبيلة، ودواعى الإيثار التى تنبعث عن الدوافع المقدّسة. وأصول المروءة النبيلة. وتشفّ عن جمال الطبيعة والنفس"(11).
الشعر ليس صناعة، بل هو إدراك عميق للعالم، ودخول فى تجـربة انسانية عميقة، يستعمل الشاعر - بالضرورة - أدواته الفنية التى تساعده على نقل هذه التجربة بشكل أفضل، لكن هذه الأدوات ليست إلا وسائل. وبذلك يمكن تبديل هذه الوسائل بغيرها، وهكذا كان تطوّر الشعر، هو تطوّر لعملية معقّدة، تتضمن إلى جانبا إدراك العالم، وموقف الشاعر وخبرته، وحالاته النفسية والشعورية.. الخ، الوسائل التى كان يجب أن تتطور أيضا لمواكبة الأوضاع والحالات الجديدة.
والشاعر عندما بدخل إلى عالم القصيدة، فإنه يحاول التعبير عما يجول بأعماقه من صراع بين أفكار ومواقف، وصور .. الخ. متعارضـة، "سواء كان ذلك تعبيراً عن حالة من حالات نفسه هو، أم عن موقف انسانى عام تمثله، ولذا كان فى طبيعة التجربة والتعبير عنها ما يحمل الجمهور على تتبعها والتجاوب معها، لأنه يتوقّع أن يرى فيها ما يتحاوب وطبيعة التجربة التى جعلها الشاعر موضوع خواطره ليجلو صورتها"(12). 
إن ما يجمع الشاعر، والإنسان العادى، أو الجمهور، هو كون الشاعر ليس كائنا منعزلا، يعبر عن أشياء غامضة غير مفهومه، وغير متوقعة، بل إنه - أى الشاعر - حين يعبّر عما يدور فى أعماقه، إنما يعبر عما يمكن أن يكون فى نفس الوقت تجربة إنسانية عامة، موضوعاً عاما تجربة مشتركة مع غيره من الناس، لأنه ككائن إنسانى إنما يبوح بما يجول فى أعماق أى كائن إنسانى آخر، أو يمكن أن يجول فى أعماقه، وإن كانت قدرة الشاعر على التقاط هذا الإحساس، وذلك الشعور أكبر بكثير من الإنسان العادى.
وقد رأى "ستيفن سبندر Stephen Spender" أن التجربة الشعرية هى إفضاء بذات النفس، بالحقيقة كما هى فى خواطر الشاعر وتفكيره، فى إخلاص يشبه إخلاص الصوفىّ لعقيدته، ويتطلب هذا تركيز قواه وانتباهه فى تجربته(13).
إن ما يعتمل فى أعماق الشاعر، هو نتيجة تفاعله مع العالم، ومع الكون بأسره، ثم يتعمق هذا الشعور بداخله حتى لكأنه عندما يفصح عنه فى صورة قصيدة، إنما يكون مفصحاً عن شئ خاص، ذاتى فقد صارت الذات موضوعاً، وصار الموضوع كأنه ذات فى نفس الوقت.
ولكن مع أن الرباط وثيق بين الشاعر، وبين الواقع إلا أن ذلك لم يمنع "سبندر" من أن يفصل الشاعر عن الواقع، وذلك عبر تشبيهه بالصوفىّ الـذى ينفصل عن العالم ويغيب فى حالة من الوجد. هذه الحال التى أشار إليها العديد من الشعراء، والنقاد، والتى تعيدنا إلى الرؤية الأفلاطونية من جديد، مع كل ما يشوب هذه الرؤية من سلبيات.
وقد كان تركيز الاتجاهات المثالية على هذه الرؤية التى تفصل بين الفن بشكل عام - والشعر بوجه خاص - وبين الواقع محاولة لجعل الشاعر كائنا غريبا عن المجتمع، وإن لم تكن هذه الرؤية المعاصرة تقصد سلبه عناصر قوّته مثل ما فعل "أفلاطون".
يقول برادلى :
"ليست طبيعة الشعر فى كونه جزءاً أو صورة من العالم الحقيقـى (بالمدلول الشائع لهذه العبارة)، بل هى فى كونه عالما قائما بذاته كاملا ومستقلا. ولكى تمتلك الشعر كل الامتلاك يتحتم عليك أن تدخل هذا العالم وتراعى قوانينه وتتجاهل إبان ذلك كل ما يخصك فى العالم الحقيقى الآخر من معتقدات وغايات وظروف خاصة"(14).
إن هذه النظرية تفصل بين الشعر، وبين الواقع، وتجعل الشعر مستقلا عن كل ما عداه، وقد اعترض على هذه النظرية "ريتشاردز"وإن كان "برادلى" نفسه قد توقع مثل هذا الاعتراض وحاول الردّ عليه بقوله : "إن هناك علاقة كبرى بين الحياة والشعر، ولكنها علاقة خفية أو باطنة إذا جاز هذا القول .. ولكل من الشعر والحياة نوع مختلف من الوجود" غير أن "ريشاردز" يعترض أيضا على هذا الكلام قائلا : إن ما يسمى بالعلاقة الخفية هى أهم ما فى الموضوع، (فكل ما تحتويه التجربة الشعرية، إنما جاء عن طريق هذه العلاقة) (15).
إن التجربة الشعرية هى تجربة لشاعر، على صلة بالحقائق النفسية والكونية التى تتقوم بها تجربته، كما أن مركزها هو الشاعر. والعلاقة غير المنظورة، أو غير المتعينة بين الشاعر والعالم، أى أن العلاقة الخفية، هى عنصر جوهرى فى هذه التجربة، إنها بمثابة الخط الناظم لذات الشاعر، وعالمه.
هل يختلف عالم الشعر فى وجوده عن بقية العالم؟
يجيب "ريشاردز" بأنه "ليس لعالم الشعر بأى معنى من المعانى وجود يختلف عن بقية العالم، لا، وليست له قوانين خاصة أو صفات مختلفة عن صفات العالم. بـل إن التجارب التى يتألف منها هى من نفس نوع التجارب التى نحصل عليها بطرق أخرى غيـر الشعر. ولكن كل قصيدة عبارة عن قطعة من التجربة، محددة تحديداً كاملا، ينهار بناؤها حين تدخلها عوامل دخيلة، وتختلف تجربة القصيدة عن التجارب العادية، مثل تجربة وجودنا فى الطريق، أو تجربة رؤيتنا تلاًّ من التلال فى كونها منظمة نظاما أدق وأعقد تركيبا، ولذلك فهى تجربة هشّة. وفضلا عن ذلك فهى تجربة يمكن إيصالها، تجربة من الممكن أن تعانيها أذهان مختلفة بقدر طفيف من التغيير. وإمكـان إيصالها شرط من شروط تركيبها. إنها تختلف عن غيرها من التجارب ذات القيمة المماثلة فى كونها قابلة للإيصال. ولهذه الاعتبارات إنما نفصل بين القصيدة وبين ما هو غير القصيدة فى تجربتنـا ونضع حدّاً بينهما. إلا أن هذا الفصل ليس فصلا بين أشياء مختلفة، وانما هو فصل بين نظامين مختلفين من نفس النشاط"(16).
إن التجربة الشعرية تختلف عن التجربة العادية، فى أن التجـربة الشعرية منظمة تنظيماً دقيقا تركيبها أكثر تعقيداً - فى رأى "ريتشاردز" - وفى أنها قابلة للإيصال. ولكن "برادلى" يفصل بين عالمين العالم الشعرى أو عالم التجربة الشعرية، والعالم الحقيقى الذى يمسنـا من الناحية العملية بوصفنا كائنات تحتلّ وضعاً معينًا فى الزمان والمكان ولها مشاعر ورغبات وغايات مصدرها هذا الوضع.
إن ما يفصل بين الشاعر، وغيره من الناس العاديين، هو مقـدرة الشاعر على السيطرة على رقعة كبيرة من المنبهات إذا كان بحاجة لذلك. وذلك يختلف عن الإنسان العادى الذى يبدو عاجزاً عن الربط بين أشياء تبدو فى الحياة العادية لا رابط بينها، لكنها فى التجربة الشعرية مترابطة، وتشكل عناصر جوهرية فى العمل الشعرى.
إن الشاعر حين تمر به "عدة حادثات نجده يقف فجأة أمام إحداها، ثم يترك مجال الواقع العملى ويندفع فى مجال الإبداع الذى هو مزيج من الواقع والتهويم، وينتهى من ذلك بقصيدة. ومن الجلىّ أن حادثا معينا هو الذى ألهمه الشعر، وليس صحيحا ما يقول "كولنجوود" من أن كل حادث يمكن أن يكون ملهما. غير أننا إذا نظرنا فى عدة حالات لإلهام الشاعر ألفينا الأمر على خلاف ذلك"(17).
إن الشاعر إذْ يستغرق فى التجربة الشعرية، فإنما يقوم بعملية تركيز للانتباه تجاه الحدث أو الموقف، وهذا الموقف الذى هو بمثابة الدافع له على الدخول إلى العملية الشعرية المعقدة، إنما يتوقف توصيفه على طبيعة الشاعر والعالم المحيط به والزمان والمكان. كما أن هناك اختلافاً دينامياً عميقاً، لتلقى كل شاعر لتجربته التى تتباين مع الشاعر الآخر. ولعل تجارب الحياة العادية هى الأخرى تمثل تأكيداً لذلك.
"إن التجربة التى يمر بها الشاعر حين يأخذ موقفا جماليا (وحتى الشاعر لا يستطيع أن يحافظ على الموقف الجمالى دائما) هى بالمقارنة تجربة فنية منغمة، ويتلقى ذهنه فيها مختلف الانطباعات ويرحب بها لذاتها. أما تجربة الإنسان الذى لا يهتم بالفن، أو قلْ التجربة العادية، فتتصف بتيار غامض غير منغم من الانطباعات السطحية قد يتخلله التفكير فى المشكلات العملية"(18). 
فتجربة الشاعر، تجربة جمالية، وهو فى موقف جمالى، من أهم شروطه أنه منزه عن الغرض، بينما تجربة الإنسان العادى، هى على نحو مباشر متعلقة بالمصالح الشخصية، والمنافع العملية، كما أنها قد تضيع فى خضم الانطباعات السطحية، وتغرق فى يمّ لمشكلات اليومية.
ويرى "ريشاردز"(19) أن الفرق بين التجربة الشعرية والتجربـة العادية فرق كمّى، إذْ أن مجال أجهزة الدوافع وتركّبها أقل بكثير فى شئون الحياة العملية عنها فى التجربة الشعرية. فضـرورة الفعل تقف دون الحد الأقصى للإشباع، لأنها تتطلب اشباع بعض الدوافع واستبعاد البعض الآخر، على حين أنه يمكن التنغيـم والتوفيق بين هذه الدوافع جميعًا فى التجربة الشعرية، ويؤكـد على ذلك بموقفنا إزاء مشاهدة عرض مسرحى لجريمة قتل، مقارنا بموقفنا إزاء الجريمة لو حدثت أمامنا بالفعل. إن الفعل الصّورى يتفوق على الفعل الصريح فى المجالين الجمالى والفكرى.
فى حيـن نرى أن "برادلى" يؤكد على أن الشعر والحياة لهما "نوعـان مختلفان من الوجود. فنحن فى الحياة نغضب أو نخاف، أما فى الشعر فنحصل على معرفة قائمة على المشاركة الوجدانية لإحساس الغضب والخوف كما نفضّل نحن أن نحسّ بهذه الإحساسات (أو تثيرنا هذه الإحساسات) فى الخيال"(20). أى أن الفارق بين الشعرى والعادى لدى "ريتشاردز" هو فارق كمى بينما يمثل فارقا كيفيا بالنسبة "لبرادلى".
يرى "وردزورث" أن "الشعر انسياب تلقائي للمشاعر القوية. إنه يصدر عن العواطف التى تُستعاد فى حالة سكينة. وهنالك يتم نوع من التأمل فى هذه المشاعر تختفى فيه تلك السكينة بالتدريج، وتحل مكانها عاطفة قريبة من تلك العاطفة التى كانت موجودة قبل عملية التأمل هذه، حيث تحتل هذه العاطفة الأخيرة الذهن بالفعل. فى مثل تلك الحالة تبدأ كتابة الشعر العظيم عادة، وفى حالة شبيهة بتلك الحالة تستمر هذه العملية"(21). 
إذن العملية هكذا عملية مركبة، يشحذ فيها الشاعر كلّ طاقاته الذهنية والنفسية والتعبيرية، ثم يصوغ الصور الفنية المعبرة عن هذه المشاعر. أى أن الشعر - من وجهة النظر هذه - تعبير مقصود عن المشاعر، جاء نتيجة لجهد فنى وتأمل وليس تعبيراً بسيطا ولا انسيابيا تلقائيا(22). 
إن هذه الرؤية للتجربة الشعرية تختلف أيضا عن التجربة العادية فى أنها تحتوى على التأمل وتركيز الانتباه والقصدية.
يتساءل "برادلى"(23) ما الذى تعنيه لنا نظرية الشعر للشعر، عن التجربة الشعرية؟
ثم يجيب قائلا : إنها تعنى هذه الأشياء :
أولا : أن هذه التجربة هى غاية فى ذاتها، وإنها جديرة بالعيش لذاتها، وأن قيمتها ذاتية صرفة.
ثانيا : أن قيمتها الشعرية ليست إلا هذه القيمة الذاتية عينها.
فقد تكون للشعر قيمة بعيدة باعتباره وسيلة للثقافة أو الدّين لأنه قد يعلّمنا شيئاً، او قد يرقق من عواطفنا، أو يدعو إلى قضية خيّرة، أو لأنه قد يجلب على الشاعر الشهرة، أو المال أوراحة الضمير، وليس هذا مما بسئ إلى الشعر فى شئ، وإنما هو العكس، فلندع الناس يقدرّون الشعر لهذه الأسباب أيضا. ولكن هذه القيمة البعيدة للشعر ليست هى قيمته الشعرية، ولا يمكن أن تحدد قيمته الشعرية باعتباره تجربة خيالية مرضية، فالقيمة الشعرية لا يمكن الحكم عليها إلا من داخلها.
واذا كنا نرغب فى مقارنة قصيدتين فإننا يجب ألا نضع فى اعتبارنـا القيم البعيدة، فقد يحدث أن تكون فضائل القارئ ذاتها عقبة فى تذوقه للشعر، وقد يجد المفكر الناضج مثلا أنه ينفر مما فى أفكار (شيلى) من صفات المراهقة، الأمر الذى حدث لـ (اليوت) فيما يقوله لنا، وتكون نتيجة ذلك أنه يعجز عن الدخول إلى عالمه الشعرى(24).
منذ وجد الفن كان الإبداع عملية يقوم بها الفنان للإمساك باللحظة الخلاقة للفعل من أجل التكيف، وقد التقتْ عند ذلك كل الفنون وتضافرت جميع العبقريات الفنية. إنّ التكيف الذى يسعى إليه الفنان بواسطة الفن يشكل نوعاً معقداً من أشكال التكيف التى يحققها الإنسان فى مجالات أخرى من الحياة عندما تتحداه ضرورتها فتسبب له توتراً واختلالا فى علاقاته الطبيعية فيسعى لإعادة ذلك التوازن وخفض ذلك التوتر، ويختلف التكيف عن طريق الفن باعتبـاره يتم فى مجال غاية فى التعقيد تشذّ به بعيداً عن سائر أنواع النشاط الإنسـاني، وتعطيه تفسيراً ميتافيزيقيا أو سحرياً، فعملية الإبداع الفنى تنتسب عموما إلى دائرة النشاط الإنساني، وتمتد جذورها فى أعماق الحياة(25).
إن تكيف الفنان يعد نوعا معقدا من التكيف، إنه من خلال تجربة عميقة تتفاعل مع العالم المعيش، وتتغلغل إلى أعماقه، يبدع عملا فنيا، يعيد إليه التوازن السيكولوجى. فالفنان يعبر دون علمه عن "اندفاعات أو عقبات داخلية يئن منها دون أن يعرف ما هى"(26). فانعكاس العقد والعمليات الأخرى لا يعطينا فكرة إلا عن الظواهر الثانوية، وإن مولد العمل الفنى لا يفسّر إلا ثانويا فى ضوء التحليل النفسى، وقد اعترف "فرويد" بذلك حين قال : "حيث إن المـوهبة الفنية والقدرة على العمل يرتبطان ارتباطاً وثيقاً يرفع العمل إلى مرتبة السمو، فإن علينا أن نعترف بأن عصارة الوظيفة الفنية تظل بالنسبة لنا، فى إطار التحليل النفسى بعيدة المنال"(27).
إن التجربة الشعرية والفنية تمتد جذورها إلى أعماق الحياة امتدادها إلى مناطق اللاّشعور المجهولة، وهى إذْ تنتسب إلى النشاط الإنساني فى عمومه وإلى ذات محددة هى الذات الشاعرة، فإنها بذلك تكون محققة ذلك الانسجام الذى يتم فى لحظة الفعل الخالقـة، تلك اللحظة التى "لهثت وراءها المحاولات الفنية منذ طفولة الفن، فأفلحت أحيانا فى تأكيد تلك اللحظة وفشلت فى ذلك أحيانا كثيـرة وأخفقت فى الوصـول إلى ذلك إخفاقا مؤسفا"(28). فكان هذا الخلط بين الأفكار عن هذه اللحظة، والتباس الإدراك الحقيقى لها.
إن التجربة الشعرية إذْ تضرب بجذورها فى أعماق الذات الشاعرة، معتمدة على الطاقة الهائلة المختزنة فى أعماقها، والقدرة الفائقة على التوصيل، والتفاعل، فإنها أيضا وثيقة الصلة بالواقع، بكل ما فيه من غموض والتباس، وكل ما يطبعه على ذهن الشاعر من سمات، وما يجذّره فى أعماقه من رؤى.
واذا كان التكوين المختلف لكلّ شاعر يؤثر تأثيراً هاما فى قدرتـه على صياغة تجربته، فإن "التكوين المختلف لكل قارئ أيضا يؤثر بشكل حيوى فى نوع التجربة التى يمكن أن يتلقاها من القصيـدة غير أن هذه الحقيقة - أى حقيقة تنوع التجربة - قلماّ تجـد ما تستحق من اهتمام الناس. فحينما نفكر فى هذه المسائل نحيـل إلى صرف النظر عنها باعتبارها شيئاً بديهياً، وحينما لا نفكر ننزع إلى إصدار أحكامنا كما لو لم نكن نؤمن بأنها من الحقائق المسلم بها"(29). 
ولكن ألا يوجد وضع أو موقف يمكن أن يبدع فيه الشاعر، أو يتلقـى فيه القارئ القصيدة، بعيداً عن تأثير المعتقدات، والظروف الاجتماعية، والواقع بكل ما فيه من أمور تحجب الرؤية الجمالية، والاستمتاع بالشعر، رؤية حقيقية، واستمتاعاً حقيقياً.
للإجابة على هذا التساؤل فإننا سوف نبدأ فى فحص الموقف الجمالى وشروطه، ومحاولة دراسة إمكانية تحققه من عدمها.
(2) التجربة الشعرية والتأمل الجمالى
لقد كان الشعر يفسر، ويقدر فى العصور السابقة ومازال البعض يقوّمه ـ حتى وقتنا الحاضر ـ على أسس غير شعرية أو غير جماليـة، إذْ يقدر وفقا لما يبثه فى النفوس من معتقدات دينية، أو لأنه يدعو إلى الفضيلة، أو من أجل الدعوة إلى المنافع الاجتماعية، أو لأنه مصدر للمعلومات أو المعرفة، أو لطرافة فى الموضوع أو الشخصية المتعلق بها الشعر .. الخ. ولكن حدث فى هذا القرن - بالنسبة للشعر العربى ـ ان تغيّر مركز الشاعر، فلم يعد هو المطرود من جمهورية "أفلاطون"، ولا المنوط به الدور الأخلاقى والدينى، ولا هو شاعر القبيلة المدّاح الهجّاء وفقا لتقاليد القبيلة ومصالحها، ولا هو المندمج اندماجا كليا فى مجتمعه. بل صـار أكثر انفصالا عن المجتمع، وأصبح شعره يمكن أن يقرأ لذاته (أى لذات الشعر)، وصار نشاطه الإبداعى منفصلاً عن الوظائف الأخرى للمجتمع، وصارت له درجة من الخصوصية والتفرد، وأصبح من الممكن قراءة الشعر للاستمتاع به، بصرف النظر عما يحمله من مضامين قريبة أو بعيدة.
واذا كنا فى حياتنا العملية ندرك الأشياء على أساس فائدتها فى تحقيق أغراضنا، أو أضرارها الممكنة والمحتملة، وبالتالى فإن الإدراك يكون جزئيا ومحدودا.
"والحق إننا لو فكرنا فى مقدار ما نراه حقيقة من العالم لأدهشتنا ضآلته. فنحن نقرأ (البطاقات) على الأشياء لنعرف كيف نسلك إزاءها، ولكن لا نكاد نرى الأشياء ذاتها .. وإنه لا مفر من أن تفعل ذلك حتى يتسنى لنا أن ننجر ما نريده فى العالم. ومع ذلك فعلينا ألا نفترض أن الإدراك الحسّى هو دائما (عملى) عادة، كما هو فى حضـارتنا على الأرجح. بل إن هناك مجتمعات أخرى تختلف عن مجتمعنا فى هذا الصدد"(30). 
ولكن الإدراك العملى - أى القائم على الفائدة - ليس هو شكل الإدراك الوحيد. ذلك "أننا نوجّه انتباهنا، من آن لآخر، نحو شئ معين لمجرد الاستمتاع بمرآه أو مسمعه أو ملمسه. وهذا هو الموقف الاستطيقى فى الإدراك وهو يظهر حيثما أصبح الناس مهتمين بمسرحية أورواية، وحينما استمعوا بانتباه إلى قطعة موسيقية. بل إنه يحدث حتى فى وسط الإدراك العملى وذلك فى لمحات شاردة نقـوم بها من آن لأخر نحو الأشياء المحيطة بنا عندما نملّ إلحاح الحياة العملية، أو نتخلىّ عنها لحظة لنفرغ لأحوالنا نحن"(31).
يقول هاملتون :
إن البحث عن ملكة جمالية خالصة أو انفعال معين فى نظرنا بحث لا أمل فيه، انه مجرد دليل من الدلائل الكثيرة التى تظهر لنا رغبة العقل فى التشريح"(32). 
ولكن ألا توجد فروق بين إدراك الموضوع العادى، والموضوع الجمالى، أى بين الموقف الذى يقفه شخص مشغول بالتفكير أو العمل، أو بالتحليل الفكرى وبالأمور العملية، وبين الموقـف الذى يقفه شخص يتأمل منظراً طبيعياً، أو عملا فنياً، سواء كان لوحة أو قصيدة، أو موسيقى؟
إن الموقف الثانى هو الذى يمكن أن نسميه موقفا جماليا، وتجربته تجربـة جمالية، وهى ذلك النوع من التجربة التى يؤدى اليها الموقف الجمالى.
والموقف الجمالى Aesthetic Atitude أو الطريقة الجمالية للنظر إلى العالـم هو موقف مضاد للموقف العملى ومواجـه له. إنه طريقة يتخلى فيها الانسان عن النظرة الشائعة إلى الأشياء، والتى تتعلق بالغرض من الشيء وعلّته، والزمان والمكان اللذين تم فيهما الشيء والامتناع عن التفكير فيه كموضوع معرفة بل يغرق الانسان نفسه فى الشيء فى حالة تأمل تام.
ويتميـز الموقف الجمالى عن الموقف العملى أو العلمى، فالناقد الذى يدرس قصيدة من الشعر لكى يحدد البحر الذى كتبت عليه، أو التفعيلة - إذا كان من شعر التفعيلة - أو لكى يقدم تحليلا بيانيا لها، يختلف عن المتذوق الذى يغرق ذاته فى القصيدة دون سؤال عن تفعيلاتها أو بحرها، بل هو يستوعب موسيقاها الداخلية ككل، وبشكل تلقائى.
وقد يكون من المفيد تحليل القصيدة عروضيا أو بيانيا - وهو مفيد حقـا من جوانب مختلفة - ولكن حالة التحليل، والبحث عن معلومات عن القصيدة أو الكشف عن أخطاء - إن كانت هناك أخطاء - أو دراسة موسيقاها بشكل يرتبط بأشياء أخرى - كلّ هذا مهم، ومفيد، ولكنه فى الأساس يبحث عن منفعة، ولذا يقف حائلا دون الاستمتاع الجمالى بالقصيدة.
أما إذا كانت القصيدة التى نقوم بدراستها، إنما نفعل ذلك من أجل تحديد عصرها، أو ما كان يدور فى ذلك العصر من أحداث، والوصول إلى معلومات تاريخية أو اجتماعية معينة، أو علاقة الشاعر - كالمتنبى مثلا ـ "بسيف الدولة" أو "كافور" من الناحية النفسية والعملية، فإن هذا يعدّ دراسة تهتم بجانب غير الجانب الجمالى، ولغرض غير المتعة الجمالية.
أما إذا كان تقدير الشخص لقصيدة ينبع من أنها تتعلق به، أو بموقف هو طرف فيه، دون أن يضع فى اعتباره الاستغراق فى موضوع القصيدة، وكل ما يهمه هو الإشارات والتلميحات الخاصة بشخصـه، فإن هذا يمثل نوعا من الاستمتاع الشخصى غير الجمالى، لأنه يثير فى الشخص شيئا لا يتعلق بجماليات الموضوع.
وهكذا، فإن أموراً كثيرة يمكن استبعادها من مجال المتعة الجمالية، والرؤية الجمالية، وهى كل ما يتعلق بالفائدة والمنفعة، وتبتعد عن "الاهتمام الفنّى النزيه الذى لا يهدف إلى غاية Disinterested"(33). أى عن الموقف الجمالى.
والسؤال الذى نحاول أن نبدأ بالإجابة عليه هو : ما طبيعة الموقف الجمالى؟
"الموقف الجمالى" موقف يخلو من الاستطلاع، ومن المصلحة العمليـة على حدّ سواء. فهو لا يسعى وراء تفسير أو مصلحة سواء كانت هذه المصلحة شخصية أو على العكس، وإنما هو استمتاع يستقر على موضوعه الذى يبدو له فيه بالتدريج أحيانا معنى خلاّب وجمال أخاذ، وهو لا يهدف إلى غاية بعيدة. ولا يستهدف لنفسه فعلا أو معرفة"(34). 
وهذا هو ما يمكن أن يطلق عليه أنه - أى الموقف الجمالى - منـزه عن الغرض Disinterested. (35) وهذا المعنى له أهميـة كبيرة فى مجال الدراسة الجمالية للشعر. فهو يعنى أنه لا هدف وراء ممارسة التجربة - سواء كانت من الشاعر أو القارئ - إلا التجربة ذاتها، وان تركيزنا يكون على القصيدة دون سواها.
والتنزه عن الغرض يعنى استبعاد العواطف الشخصية والميـول والمعتقدات، أو الرؤى الأخلاقية، أى أن الحكم يكون بعيداً عن جميع الأغراض النفعية، ويصير تعاملنا مع القصيدة تعاملا مباشرا مركزين اهتمامنا على عناصرها الجمالية.
واذا كان لا ينبغى أن نخلط بين الموقف التأملى وبين الطاقة الإبداعية للفنان، إلا أن "النزعة أو العـادة التأملية فى الذهن هى التى ينشأ عنها الدافع الإبـداعي - ذلك الدافع الذى يخلق أثناء تحقيقه لذاته موضوعات جـديدة للتأمل، والعلاقة بين الموقف التأملى والطاقة الإبداعية علاقة وثيقة كالعلاقة بين النبات والتربة"(36).
فالموقف الجمالى، أو موقف التأمل المنزه عن الغرض موقف مشترك بين المبدع، والمتلقى. فالشاعر عندما يعبر بالألفاظ عن موقف، إنما "يستخدم هذه الألفاظ لأن النزعات التى يثيرها الموقف الذى يوجد فيه الشاعر تتآلف على ايجاد هذه الصورة دون غيرها فى وعيه كوسيلة لتنظيم التجربة التى يعبر عنها بأسرها وللسيطرة عليها. فالتجربة ذاتها، أى أمواج الدوافع التى تندفع خلال العقل، هى التى تأتى بهذه الألفاظ وتعتمدها … إن الدوافع الدقيقة تتجمع بطريقة معقدة فى عقل الشاعر وتنتج هذه الألفاظ معا. أما ما يحدث فى عقل القارىء فهو عكس هذه العملية"(37).
أى أن موقف التأمل المنزّه عن الغرض ضرورى جدا للشاعـر، كما هو ضرورى للقارئ إذا كان يريد أن يسترجع تجربة الشاعر، أو تجربة أقرب إلى تلك التجربة.
ويؤكد "ريتشاردز" ان "الشعر (الصادق) هو وحده الذى يولد فى القارئ الذى يتناوله بالطريقة السليمة استجابة لا تقل فى الحرارة والنبل والصفاء عن تجربة الشاعر نفسه"(38). 
والطريقة السليمة هنا - هى الطريقة الجمالية - أى استقبال القصيدة استقبالا جماليا، وان كان من السهل أن نحيد عن هذه الطريقة كأن تكون قراءتنا سطحية، أو نظن أن شيئا ما هو الاستجابة دون ان تكون له علاقة حقيقية بها "فنحن نفقد جوهر القصيدة حين لانقرؤها بعناية، كذلك وفى بعض الحالات الشعورية - إذا كنا ثملين مثلاً - فإننا نحسب الكلام المنظوم المبتذل إنتاجاً سامياً، وفى هذه الحال لا يكون مصدر استجاباتنا هو الكلام المنظوم وإنما المسْكر الذى ثملنا به"(39). 
وإذا كان الموقف الجمالى موقف منزّه عن الغرض، فهذا لا يعنى أنه غير عابئ أو غير مكترث Uninterested. (40) فإذا "كان التأمل كسولا فإننا لا نتوقع منه أى إبداع حيوى. وهكذا نجد أن المحللّيـن النفسانيين لا يفسرون لنا عمل الفنان تفسيراً كاملاً حين يفسـرون الفن على أنه ضرب من أحلام اليقظة يسعى فيه الفنان إلى إشباع رغبته المكبوتة"(41). وهم "يميلون إلى المناداة بأنه يتحتم على اللاشعـور أن يتحرر من سيطرة الشعور لكى يكون قادراً على الإنتاج"(42). 
إن الموقف الجمالى موقف تأملى، ولكنه أيضا موقف مضاد لعدم الاكتراث. والشاعر الفذّ هو ذلك الذى يقوم بضبط اهتماماته، والسيطرة على نزعاته غير الجمالية. وكذلك القارئ الذى يتلقى قصيـدة يكون مطالبا بنفس الموقف، وبقدر سيطرته على ما هو غيـر جمالى، أو دخوله فى حالة التأمل الجمالى، بقدر ما يكون استمتاعه جماليا بالقصيدة.
إن فعل الخلق - الذى يقوم به الشاعر - لا يزيد عن كونه تذبذبا بين الدوافع اللاّشعورية وتحققها التدريجى، فإن التلقائى اللاّشعورى من ناحية، والتقليدى الشعورى من ناحية أخرى يتطابقان على نحو ما، ومع ذلك فلا ينبغى أن يغيب عن أذهاننا أن ما يعتقد بتلقائيته قد تمهد له مقدمات شعورية إن فى قليل أو كثير، وما يبدو تقليديـا قد لا يعدو كونه آلية لا شعورية من آليات الدفاع ضد حوافز عزيزية غير مأمونة. ولكن العناصر التقليدية والعناصر التلقائية فى العمل الفنى إنما هى أقل تطابقا مع العناصر التى يمكن الإفصاح عنها ولا يمكن الإفصاح عنها. وهذا بدوره لا يجعلنا نتحدث عن مرحلتين فى الخلق الفنى، مرحة من الإلهام القهرى، وأخرى من الجهد الشعورى، فما يميز الخطوات المتلاحقة للإبداع ليس هو التقدم من مرحلة إلى أخرى، بل التغيير الدائم للبؤرة. وقد تأتى الفكرة الأولى نتيجة لجهد عمدى مقصود، وإن كان ذلك لا ينفى أن تشتمل اللمسة الأخيرة فى الأثر الفنى عناصر لا شعورية(40).
يرى "أرنولدهاوزر" أن مبدأ الفصْل بين القدرة الإبداعية اللاشعورية وبين التنظيم العقلى المشعور به، وإن كان لا يتعدّى الطابع التنظيمى فهو إنما يّدخل على فلسفة الفن طائفة من الحلول التبادلية غير الملائمة تماما، فكما أن الابتكار عملية عقلية، فقد لا يقل (الترتيب) - بوصفة جزءًا من نشـاط الفنان - حظاً من الإبـداع. ومع ذلك فإن تصوّر الإبداع الفنى فى صورة ذهنية متميعة مهوشة إن فى قليل أو كثير تنبثق عنها أفكار مبلورة محددة. إن ذلك التصوّر يعرب عن وجهة نظر الرومانسية فى (الفوضى المنتجة). وهنا يتردّد مدة أخرى القول بأن اللاعقلية التى لاسبيل إلى استكناهها هى المنشأ الحقيقى للإبداع الفنى وأن الحالات الممتنعة على التعبير فى علم الجمال الرومانتيكى، لازالت تعتبر أشد سمات الأثر الفنى أصالة ونفاسة(44). 
ولكن التأكيد على أن عملية الإبداع الفنى عملية تلقائية خالصة، ولا تخضع لمنطق العقل أمر يعوزه الكثير من البراهين. "فالحدس والإلهام والارتجال لا يكشف عن شئ إلا عن التجربة المنسية والمعرفة المطمورة فقد لا تزيد تلك المعرفة التى انبثقت فجأة أو تلك الومضة الفكرية التى لم تكن فى الحسبان، أو ذلك الابتكار الذى يبدو تلقائيا فى ظاهرة عن كونها قد جاءت نتيجة إعداد طويل، وإن كان هذا الإعداد لا شعورى الطابع أو غير محقق أو منمحياً(45).
إن القول بأن العمل الفنى عملية لاشعورية خالصة لا ينهض على أساس متين، وإن كان العكس أيضا ليس كذلك. ففى الفن تتضـافر العمليات اللاشعورية مع الشعورية، ويكون التعبير فى الفـن - أو الشعر - إنما عن مجمل حالات الإنسان وظروفه وجميع الملابسات التى يمر بها، وإن كان الفنان فى الحقيقة يمسك بالرئيسى ويتجنب الثانوى، يضع يده على الكليات، مهملا التفاصيل والجزئيات التى قد تغرق الإنسان العادى فى الحياة اليومية المبتذلة.
والقول بأن الشعر أو أى عمل فنى قد يكون "مهزباً، ومهدئاً وصورة للإبدال التعويضى، إلا أنه يظل مع ذلك عملا فنياً، وبنية ذات معنى وكيانا قائماً بذاته ولا تقضى على الماهية الجمالية للأثر الفنى طبيعة منشئه غير الفنية أو الهدف غير الفنى الذى ربما قصد إليه المؤلف من ابتكار لهذا الأثر(46). وهنا يكون من الجدير بنا التفرقة بين الحلم والأثر الفنى. فالأثر الفنى - فى نهاية المطاف - يأخذنا إلى الواقع، أما الحلم، والهذيان العصابى والسيكوباتى فإن أمره يخرج عن نطاق الشخص المعنى.
وبناءً على ذلك فإن الفنان أو الشاعر إنما يقوم فى عملية الإبداع بجانبين أحدهما تلقائى، والآخر متعمّد. وكلما اتسعت دائرة اهتمام الشاعر كلما كان الجانبان فى سواء اللاشعورى، أو الشعورى أوسع أفقا، ويتحرك فى أُطُرٍ فسيحة.
والجدير بالذكر أن الإنسان الذى لا يهتم الا بالشعر وحده متجنبا أمور الحياة العادية، وتدريب التفكير، مستغرقا فى اهتمامه، فإن ذلك قد يساعد على نمو شخصيته نمواً مستقيماً، فيصير شاعرا (متوسطا) أو من الطبقة الدنيا فحسْب. لأنه إذْ يعزل نفسه، إنما يفقد عملـه الإبداعي الثراء الذى تقدمه له الخبرة والتجربة، والانطباعات التى تقدمـها له الحياة. وهذا يختلف عن عزلة الشاعر أو تفرده فى لحظة الإبداع أو التأمل فالخبرة، وتجـارب الحيـاة هى المعين الذى لا ينضب بالنسبة للشاعر، خاصة إذا توافرت له القدرة، والوسائل الفنية التى تمكنه من تحويل هذه الخبرة، وهذا المخزون العقلى والحياتى إلى عمل فنى ينبض بالحياة.
إن الشاعر يحتاج إلى العيش وسط الناس لكى ينهل من التجـارب الإنسانية الثرية بالتفاصيل والمعانى، ولكنه فى نفس الوقت يحتاج إلى التواجد فى حالة - أو موقف جمالى - تجعله يتجنب العادى والمبتذل والسطحى ويضع يده على ماهو رئيس وجوهرى فى الواقع. 
إذا كان الموقف الجمالى موقف منزّه عن الغرض، وهو أبعد ما يكون عن الموقف الكسول أو السلبى أو غير المكترث، وكانت هذه هى طبيعته التى تجعله ينفصل عن الموقف العملى. فإننا نتساءل :
كيف ينشأ هذا الموقف؟
إننا نقوم فى حياتنا العملية بأداء مهامنا، دون أن نلاحـظ مظهر معظم الأشياء التى تحيط بنا أو التى نتعامل معها، إذْ يكون تعاملنا معها وفقا لما تشكّله بالنسبة لنا، فنحن لا يعنينا من القلم الموجود على المنضدة سوى أنه أداة للكتابة، أما لونه، طبيعته، المواد الداخلة فى تركيبه، وغير ذلك لا يشغل بالنا حين نلتقطه من أجـل كتابة رقـم تليفون بشكل عاجل، أو إجراء بعض التعديلات علـى مقال أو غير ذلك. غير أننا فى أثناء أدائنا لمهماتنا العملية قد يشدنا منظر جميل أو لوحة معلقة على الجدار - رغم كـونها موجودة من سنوات إلا أن التركيز تم عليها هذه اللحظة، فنسمح لعيوننـا بتأمل المنظر أو اللّوحة، وندهش لما فيه من جمال، وحيوية ونحس كما لو كنا نراه لأول مرة. فكثيراً "ما نجد ان الذى يثير الموقف الجمالى هو أمر مألوف نراه من وجهة نظر غير مألوفة"(47).
أى أن نشـأة الموقف الجمالى هى بمثابة تغير فى (رؤيتنا) للشيء - كأن نتحول فجأة من النظرة العادية إلى نظرة التأمل. أو مـن السماع (العشوائى) للقصيدة أو لمقطوعة موسيقية، إلى التأمـل و التركيز والانتباه.
إننا إذْ نقبل على الأشياء الشائعة، نتعامل معها وفقا لنظام البطاقـات المدونّة عليها. فالمقعد له فى ذهننا تصور، وكذلك الكتاب أو اللوحة، ولكننا لا نتأمل هذه الأشياء فى إطار تغير الزمان أو المكان، فى علاقتها بالوقت الذى نحن فيه، أو فى سياق تكوين أو تشكيل مكانى معين، كما أننا نتعامل كثيراً مع القصيدة على أنها للشاعر (س)، ونعمّم فكرتنا عن هذا الشاعر على كل ما قرأناه له، فلا نهتـم بموسيقى القصيدة أو صورها، وهذا يعترض تذوقنا للعمل، ويعترض بالضرورة تأمله تأملا جماليا. ولذا لكى نراه جماليا - أي من وجهة نظر غير وجهة النظر المألوفة - يجب أن نتحرر من "طبيعة نظرة التعود القوية فينا، كما أنه لابد لنا من البراءة التى مكنتْ (فان جوخ) من أن يرسم لوحته (المقعد الصغير)"(48). 
ففـى البداية يكون التحرر من العوائق والعقبات التى تقف فى طريق تأملنا للعمل الفنى.
يقول الشاعر:
"على المرآة بعض غبارْ
وفوق المخدع البالى، روائح نومْ
ومصباح .. صغير النارْ
وكل ملامح الغرفة
كما كانت، مساء القبلة الأولى
وحتى الثوب، حتى الثوب
وكنت بحافة المخدعْ
تردّين انبثاقة نهدك المترعْ
وراء الثوب
وكنت ترين فى عينىّ حديثا .. كان مجهولاً
وتبتسمين فى طيبهْ
وكان وداع"(49) 
فى هذا الجزء من قصيدة "كان لى قلب" للشاعر "أحمد عبد المعطـى حجازى"، لكى نقبل على هذه القصيدة أو هذا المقطع، يجب أن نتحرر من بعض الرؤى التى تقدر الشعر وفق فائدته الأخلاقية أو الدينية أو غيرها، ونتحرر أيضا من الآراء التى تجعل الشعر هو الكلام (الموزون والمقفى) ومن أى فكرة عن الشاعر قد تعوق تلقينا للعمل، ثم نبدأ بتركيز الانتباه على القصيدة لذاتها، على عناصرها الجمالية، على جرس الكلمات مثل : الثوب. نهدك المترعْ. غبارْ، المخدعْ … 
وأن نتأمل ما تشكله بعض العبارات أو الكلمات بالنسبة لنا، المرآة، غبار المخدع البالى، روائح نوم، مصباح صغير النار، انبثاقه نهدك المترع، وغيرها. كما نركز انتباهنا على الصور، ودلالاتها. وكذلك الشحنة الانفعالية فى بعض العبارات والكلمات. ثم نصل فى النهاية إلى تأمل شامل وكلّى للقصيدة - أو للمقطع - بعيداً عن الاهتمامات العملية.
إن هذا التدريب يساعدنا على الاستمتاع، واستيعاب القصيدة ككل، كمـا أنه بتركيزنا الانتباه على القصيدة، نكون مستغرقين فيها، فيكون ذلك بمثابة حاجز أمام ما يعوق التأمل.
والإدراك الجمالى ليس حملقة شاردة، أو إنصاتا سلبيا للعمل الفنـى (لوحة أو قصيدة .. ) بل هو استحواذ العمل الفنى على المتأمل (الملاحظ) واحتواء له. كما أن الموقف الجمالى موقف متجرد ومستقل، نعزل فيه اهتمامنا بالموضوع وكذلك الموضوع عن كل ما هو عملى، أو نفعى، والتجرد Detachment(50) يعنى عدم التحيز والتركيز الواعى على الموضوع.
إن التأمـل الجمالى، يتيح لنا فرصة السؤال عن ما هى الموضوعـات الجمالية؟ أو بمعنى آخر، هل هناك موضوعات تصلح للقصيدة دون سواها؟
يرى البعض أنه ليست كلّ الموضوعات يمكن أن تكون مجالا للشعر، غير أن ذلك قد لا يكون صحيحا تماماً. فتعريفنا للموقـف الجمالى بأنه (موقف منزه عن الغرض، ومتعاطف، وتركيز للانتباه) يجعلنا نرى أن الموضوع فى ذاته ليس هو الفيصل، بل طريقة التعامل مع الموضوع. وخير دليل على ذلك، قصائد بودلير (أزهار الشعر) أو كتابات (جان جنيه)، أو قصيدة "أحمـد عبد المعطى حجازى" (سلة ليمون) أو مذكرات (الملك عجيب بن خصيب) "لصلاح عبد الصبور" أو قصيدة (نوجـا) "لنجيـب سرور" أو غيـرها مما تطرق لموضوعات لم تكن - موضوعات شعرية من قبل - وما يحدث الآن فى القصيدة الجديدة. فمن المؤكد أن الشاعر يدرك "أمثال هذه الموضوعات بخيال وإحساس، وعندما تظهر فى العمل الفنى يكون قد أضفى عليها حيـوية وإثارة"(51) وذلك أن انتبـاه الشاعر لمثل هذه الموضوعات يدل على مدى اتساع نطاق التأمل الجمالى. وهذا بدوره يؤثر على القارئ الذى يبدأ بتلقّى موضوعات وصيغاً لم تكن مألوفة لديه، مما يوسع إدراكه الجمالى، ويجدد ذائقته الشعرية.
وهكذا ينشأ موقف جمالى جديد يبدأ به الشاعر، ويتدعم من خلال المتلقى.
ولكن إذا كان الموقف قد بدأ، مدعما بالتجرد والاستقلال وتركيز الانتباه، هل يقف عند هذا الحد؟ أم أن تغيراً يطرأ عليه؟.
إننا عند إدراكنا الجمالى لموضوع ما، نعمل من أجل تذوقه، وندرك إن كان الموضوع جذابا أو مثيراً أو مليئا بالحيوية، أو هذا كلـه، ونحن فى تذوقنا للموضوع، فإننا نأخذه بكامله، كما هو، وبذلك يتطـور الموقف الجمالى من مجرد التأمل المنزّه عن الغرض إلى التعاطف الجمالى. فيدخل الموضوع فى علاقة مع (المتأمل) بعيدا عن كل ما يعوق عملية التأمل، من الجوانب النفعية والعملية. وهذا التعاطف مع الموضوع هو تعاطف مع خواصه وبنيته الداخلية، ويختلف عن التقمص العاطفى Empathy، والذى يشبه العملية التى بواسطتها يتخيل الممثل المسرحى الشيء مثلما هو موجود وليس أكثر من "عملية سيكوفيزيقية Psycho - Phyoical Prosess"(52). 
فالتقمص العاطفى يمكن أن يحدث دون تأمل جمالى. والتأمل الجمالى الحقيقى لا صلة له بالتقمص العاطفى، بل يتطور من خلال التعاطف.
والموقف الجمالى يجعلنا نمّر بعمليتين مختلفتين : (53) 
الأولى : استجابة تنساب من باطن أنفسنا دون جهد بحيث يبدو لنا أننا نخضع بشكل سلبى لتأثير العمل الفنى الذى نتعامل معه. وهذا ما يتم فى بدء عملية التأمل، حتى نصل إلى عملية التعاطف. أما العملية الثانية : فهى مجهود واع للنشاط النقدى الذى يكون بالغ القسوة أحيانا يغزو الموقف الجمالى، وحينئذ يتعين علينا أن نفكر ونحلّل ونقارن، كما نفعل فى نشاطنا العملى، وذلك قبل أن نفهم المضمونات الفكرية والانفعالية للقصيدة، وطالما استمر هذا النشاط النقدى وجدت غالبا حركة منا إلى هذا العمل وبالعكس - على حد تعبير "هاملتون".
غير أن هذه - العملية الثانية - تتجاوز حقيقة الموقف الجمالى إلى الحكم الجمالى. فنحن فى هذا الموقف الجمالى نركز اهتمامنا على العلاقات الداخلية للموضوع (القصيدة) وعلى صفاته وخواصه. منصرفين عن العلاقة بالشاعر الذى أبدع القصيدة أو الثقافة التى أثمرته، وما إذا كان له بعد تاريخى أم لا. كما أننا نصب اهتمامنا على الصفات والخواص الكيفية للموضوع وليس مجرد الصفات الفيزيقية. فنحن نركز على العلاقات بين الكلمات فى القصيدة، وعلى جرسها والصور، ولا نركز على شكل القصيدة على الـورق (الكتابة) أو الوجود الفيزيقى الخالص لها على الورق (سواء كان طباعة ببنط معين، أو كتابة يدوية، أو نوعا محدداً من الخـط.. ). أما الربط والمقارنة فهذا يكون من دور الناقد الذى يقوم بعملية التحليل، "فالحكم يتضمن وجود وَعْىٍّ بالموضوع مميز من الذات التى تمر بالتجربة"(54) فى حين أن الموقف التأملى هو موقف ذات تتأمل موضوعا، وهذا ما يفرق بينه وبين الحكم الجمالى.
إننا فى الموقف الجمالى نكون بعيدين عن التفكير فى المستقبل. وقد يكون حدوث الموقف الجمالى أيسر ما يكون حينما نفكر فى أيامنا الماضبة لكى نعيش الماضى من جديد، لا لكى نبكى عدم استغلالنا لوقتنا أو لنستمد من الماضى عظة أو درساً مفيداً فى المستقبل. فمن طبيعة الموقف الجمالى أنه يتخلى عن النشاط المستمـر المتجه إلى المستقبل. ولكن التجربة الجمالية إذا نظر إليهـا بطريقة (غير جمالية) فإن نتائجها تتجاوز نطاق التجربة ذاتها، ذلك لأن التقاءنا بالموضوع الجمالى، شأنه شأن أى تجربة أخرى يغيرنا تغييراً قد يكون ضئيلا فحسب. وقد يكون عميقا، وبـذلك يبدّل تجربتنا المقبلة. فاعتيادنا مشاهدة الأعمال الفنية الجديدة يغير ذوقنا، فلا نعود نعجب بما كان يخلب ألبابنا فى سنى شبابنا الأولى(55). 
(3) التجربة الشعرية نموّها، وتشوّهها
يوجد الجمال فى القصيدة، وفقا للعناصر الجمالية، والعلاقات الداخلية لهذه العناصر المكونة لها (أى القصيدة)؛ أى فى استقلال تام عن تجربة تلقى القصيدة من القارئ. "وهذه الفكرة وثيقة الصلة بالفكرة الأخرى التى تقول : إن تجربتنا - التى يمكننا لأغراض عدة أن نحللها إلى الإحساسات والمعانى وما إليها - هى فعلا وفى طبيعتها المحسوسة كل يتألف من عدة أجزاء"(56).
فهل هذا الموقف - أى الذى يرى التجربة مؤلفة من أجزاء - صائب؟ أم أنه يتجاوز الحقيقة؟ 
إننا ننظر إلى العالم حولنا، وإلى حياتنا العادية، على أنها جملة اشياء غير مترابطة، أو مفككة، فيها المعانى، والصور، والمواقف البسيطة والمعقدة، فيبدو لنا أنه من الممكن تحليل هذا الواقع إلى عناصره الأولية، وكذلك يمكن تركيبه إلى الكل المؤتلف مرة أخرى.
لعـل هذا التصور عن الحياة العادية هو الذى يضلّلنا. فهو وإن كـان "يلائم حاجاتنا الاجتماعية، ويمكن النّاس على نحو تجريبى من أن يصفوا ويقارنوا ما يحسون به"(57). غير أننا لا نعيش كلّية وفقا لهذا الموقف وحده. فهذا لا ينطبـق إلا على العالم العادى، وعلى التجربة العادية. فرؤيتنا للأشياء وتعاملنا معها، وإدراكها، إنما يتم وفق حاجات نفعية، ولذا تكون رؤيةً جزئيةً، وإدراكاً جزئياً. أما بالنسبة للشاعر، فإن "عالم تجربته هو فى جوهره عالم من الصفات الممتزجة المختلطة، بحيث ينشأ عنها وحدة على قدر متفاوت من التماسك، إنه عالم لا تنطبق عليه حرفيا اصطلاحات المكان والكمية، مثل (أكبر) و(أصغر) و(كل) و(جزء)، فكما قال "هنرى برجسون" : (وبمقدار ما نتوغّل إلى ما هو أعمق من السطـح ونصل إلى الذات الحقيقية ندرك كيف أن حالات الشعـور لا تنفصل إحداها عن الأخرى وتتميز عنها. وإنما تأخذ فى التمازج والاختلاط وتتلون الحالة الواحدة منها بلون جميع الحالات). وهكذا فلكل منا أسلوبه الخاص فى الحب والبغض، ويعكس حبه وبغضاءه شخصيته بأسْرها. ولكن اللغة تشير إلى هذه الحالات بنفس الكلمات فى جميع المجالات بحيث أنها لم تتمكن من تثبيت الناحية الموضوعية اللاشخصية للحب والكراهية وآلاف الانفعالات التى تثير الروح"(58).
فعالم الشاعر وتجربته الشعرية، ليس عالما كميا، كما أن محتويات الشعور لا تنفصل أجزاؤها أبدا، ولا يمكن أن نفصلها، على نحـو ما نفعل حين نحلل الجسم تحليلا كيماويا. فالتجربة منسقـة بشكل فنى، وجميع عناصرها متداخلة، وهذا هو الذى يسمح بالاستخدام الخيالى للغة. كما أن اصطلاحي (الكل والجزء) لا ينطبقان حرفيا على هذا الكلّ المتداخلة عناصره والممتزجة. فاللتجربة الجمالية نفس نوع التعقيد الذى يوجد فى شخصية الفرد. وكل عنصر من عناصر تجربتنا لقصيدة من القصائد ملون بلون جميع العناصر الأخرى. فلولا معنى الأبيات وتأثيراتها الحسية وإيقاعاتها، وغير ذلك، لما كان لهذه الأبيات صوتها الذى يميزها، كـذلك لولا صوتها وإيقاعها وغير ذلك من الصفات الأخرى لما كان لها معناها الذى نجده فيها(59). 
التجربة الشعرية إذن تجربة كلية، ولا يمكن فصل عناصرها، أو تجزئتها، وما يتم خلال العلميات النقدية إنما هو نوع من التحليل - الفصل المؤقت - من أجل الدراسة فحسب، لكنها كتجربة، تكون شاملة وكلية فى كيان الشاعر والمتلقى.
* * * *
لقد رأينا فى دراستنا للموقف الجمالى، أن الوعى الجمالى يستقر عند الموضوع - أى القصيدة، وقد يؤدى ذلك إلى الاعتقاد بأن القارئ لا يهتم إلا بالاستمتاع باللحظة الحاضرة فحسب، وأنه لا يعبأ بالمستقبل. كما أن الاستغراق فيما هو مدرك (مباشرة) يشير إلى أن التجربة لا زمانية. ولكن ألا يحدث نوع من التعاقب فى وعينا، ونحن فى حالة استغراق فى التجربة، سواء كانت إبداعا أو تلقياًّ، وأن لحظات التجربة تترابط فى استمتاعنا الجمالى "ترابطاً أحكم مما يحدث فى التجربة العادية. وأن ما ندركه فى اللحظة الحاضرة يكون مرتبطا ارتباطاً وثيقاً بما سبقه، ويثير توقعا لما سيتلوه"(60).
وإذا كانت تجربتنا العادية تجربة عشوائية، تتعارض فيها المواقف واللحظات وأحداثها تفتقر إلى الإحكام. فالحياة هى مجموعة من اللحظات المتعاقبة، وهذا ما يجعلنا نتعامل مع أحداثها فى حياتـنا فى أحيان كثيرة دون اكتراث. وهذا على العكس من التجربة الشعرية التى تتميز بالإحكام والترابط بين لحظاتها، حتى تبدو ككل ممتزج بلا فواصل.
والجدير بالذكر أن التجربة هنا - تجربة الإبداع - تتماثل فى كثير من جوانبها مع تجربة التذوق الحقّ. فإن كانت تجربة القارئ بحكم اختلافه - كإنسان - عن الشاعر قد لا تتطابق تجربته مع تجربة الشاعر حين يستعيدها، إلا انه بالضرورة يطمح إلى الوصول إلى تجربة تشبه تجربة الشاعر.
ولن يكون بوسع القارئ الوصول إلى هذه التجربة دفعة واحدة، فما تقدمه القصيدة ليس حدثاً مفاجئاً أو مؤقتاً، يبدأ وينتهى فجأة، بل هى تجربة تنمو، وتتطور خلال آليات التلقى وفقا لكلّ ما يتعلق بالقصيدة، والقارئ فى نفس الوقت.
فعندمـا نقرأ قصيدة فإن الطابع الزمنى لتجربتنا يكون واضحا. فعلى سبيل المثال لو أننا كنا نقرأ قصيدة "صلاح عبد الصبور"(61): (مذكرات الملك عجيب بن خصيب). فإننا نبدأ بالتهيؤ من خلال المقطع الأول - وذلك بعد أن تكون الدهشة قد تملكتنا بداية من العنوان - فنقرأ :
"لم آخذ الملك بحدّ السيف، بل ورثته
عن جدى السابع والعشرين (إن كان الزنا 
لم يتخلل فى جذورنا)
لكننى أشبهه فى صورة أبدعها رسّامه
رسّامه .. كان عشيق الملكة"
فتنمو تجربتنا مع الإيقاع الهادئ، والذى يقدم لنا فى البدء (خبراً) عن وراثته للملك. ثم يتطور اندماجنا بعد فتح القوس (إن كان الزنا .. ويصل إلى الذروة فى نهاية المقطع (رسّامه .. كان عشيق الملكة). إذْ يقدم لنا (عبد الصبور) مذكرات لملك - على غير المألوف يشوبها التشكك فى حقّه فى الملك، والتشكك فى نسبه .. وإذا استمـرت تجربتنا مع القصيدة نجد أنفسنا نتفاعل معها، وهى تمضى قُدماً فى بناٍء درامى متنامٍ، متطلعين إلى اللحظة الحاسمة التى (يسقط فيها الملك جنب سريره) بانتباه وتركيز، فتتوحد القصيدة فى كل متنام فى الذهن بعد نهايتها - فى الجزء السادس - ويهدأ توترنا ونحس بتكامل التجربة فى القصيدة.
فنمو التجربة لا يتعارض مع كليتها أو تكامل عناصر القصيـدة. وتبدأ التجربة - بالتهيؤ - إذْ لكلّ قارئ وضعه الخـاص، وصفاته المميزة "حين يُقدم على قراءة القصيدة. ولذا فانه يمرّ بعملية تكييف وتعديل تكون سريعة بحيث لا يكاد يشعر بها. وقد تكون عملية التكيف هذه بطيئة صعبة. فقد يولد فيه الوزن أو الإيقاع تحيّزا نقدياً مردة قراءاته السابقة؛ أو قد يجد أن نظرة الشاعر للأشياء تخالف نظرته هو إليها كل المخالفة مما يحتم عليه أن يصطرع مع معنى غامض قبل أن يستمتع بالقصيدة"(62). 
وقد يكون القارئ متوقعا لصياغة معينة للقصيدة، أو لأفكار معينة يمكن أن يعبر عنها الشاعر، وقد يؤدى العنوان دوراً بارزاً فى التهيؤ لتلقى القصيدة، أو يؤدى غموضه إلى حجب لحظة التهيؤ، ولذا فان القارئ يحتاج إلى تذليل العديد من الصعوبات حتى يدخل إلى عالم القصيدة. فمثلا بالنسبة لقصيدة "صلاح عبد الصبور" السابقة : (مذكرات الملك عجيب بن خصيب) قد يتساءل القارئ، هل (عجيب بن خصيب) شخصية حقيقية، أم شخصية خيالية، ولماذا - فى كل الأحوال - اختاره الشاعر. فقد يدفع العنوان البعض إلى اقتحام القصيدة، وقد يجعل البعض الآخر ينفر منها. كما أن شكل القصيدة (القصيدة القائمة على التفعيلة، بإيقاعها الهادئ، واللغة الشعريـة القائمة على المفارقة، والمشحونة بالانفعال ودراما القصيدة المتنامية … الخ) قد يكون أثيراً للبعض بينما هو للبعض الآخر غير ذى بال. كل هذا يدخل فى عملية التهيؤ التى تمهد لعملية أخرى، وهى التذوق.
عندما نقرأ قصيدة للمرة الأولى، فإنها تطبع فى الذهن بعض الانطباعات التى تكون صفة الديمومة والاستمرار، بينما تكون انطباعات أخـرى قد تولدت ثم ما لبثت أن تلاشت دون أن يكون لها أى أثر فى أذهاننا ويرجع ذلك إلى سببين: أولهما : القصيدة نفسها، شكلها، طريقة التعبير فيها، لغتها، باختصار كل ما يتعلق بها، أما السبب الثانى : فيرجع إلى القارئ الذى وفقا لتكوينه الخاص يكون مستغرقا فى جانب دون الآخر، أو يكون تركيزه بدرجة أقل مما يجب، أو يرجع ذلك إلى معرفته وثقافته وتكوينه النفسى … الخ.
ولكى نعرف كيف يتم التفاعل بين القارئ أو الشاعر من جهة، وبين القصيدة، من جهة أخرى، سواء فى حالة التلقى، أو الإبداع فإننا يجب أن نعرف العناصر المكونة لشخصية الشاعر أو القارئ، ماضيه، حاضره، ثقافته ووعيه الخ، كما يجب أن نقوم بدراسة تشريحية للقصيدة.
وإذا كان القارئ يرغب فى أن يعيش تجربة الشاعر أو ما يقترب منها، لابد أن تكون مكونات شخصيته ووعيه قريبة من تلك التى تتقومّ بها شخصية الشاعر ووعيه.
ولكـن لما كان من المستحيل التطابق بين شخصيتين، بل ان القارئ نفسه لا يكون نفسه فى كل لحظة، (فأنت لا تنزل النهر مرتين) ـ على حد تعبير "هيرقليطس" ـ لأنك أنت لن تكون أنت، والنهر لـن يكون هو نفس النهر، فإن جلّ ما يطمح إليه القارئ هو الاقتراب من تجربة الشاعر.
"والجدير بالذكر أن تجربة التذوق هى من تجارب الخيال التأملى، تتضافر فيه بشكل إيجابي كل عناصر الإحساس والفكر والانفعال. ونحن ندرك هذه التجربة على أنها خير فى ذاتها، ونقدرها لذاتها"(63). 
ولكن إذا كان الواقع العملى، ومصالحنا، وظروفنا الشخصية، كل هذا، يقف عقبة أمام ولوجنا إلى عالم التجربة الشعرية. فانه يجدر بنا أن نحاول تدعيم (تذوقنا)، أو تجربتنا، حتى لا تضيع فى خضـم التجربة العادية. فعلينا أن نجمع أطراف القصيدة معا، جميع مقاطعها، ونجعل منها كلا واحداً. وإن كان طول القصيدة أحيانا - كقصيدة الأرض الخراب The Waste Land "لإليوت" - قد يهدد تجربتنا بالفشل، فقد تبدو القصيدة على غير ما يراها القارئ الحصيف المتمرّس، فلا يستطيع - غير المتمرس - لملمة أطرافها والتعامل معها ككل. وإن هذا يوضح الأهمية البالغة للألفة بالقصيدة من خلال القراءة المتكّررة، تلك القراءة التى تساعد على تركيز الانتباه، وتنمى التعاطف مع القصيدة، وتتيح الفرصة للاستمتاع بها ككل.
إننا عندما نكرر القراءة، نحاول أن نطرح أسئلة، ونحاول الإجابة على بعض الأسئلة، وتزداد معرفتنا ببناء القصيدة، وإيقاعها، كما أننا نزداد تآلفا مع لغتها، والمعانى المتضمنة فى ثنايا القصيدة، ويمكننا أن نصل إلى الطريقة التى تم بها بناء هذا العمل المتكامل، وإلى الروابط بين المقاطع المختلفة. وهذا على عكس العمل الذى نبـدأ قراءته لأول مرة - خاصة إذا كان من نوع (الأرض الخراب) - فإن تفاعلنا يكون أقل، واندماجنا مع القصيدة يكون أعْسر.
"وهكذا فإن الاستمتاع الجمالى بعمل فنى ليس شيئا يتم كله دفعة واحدة، وإنما هو عملية نامية، متدرجة خلاقة، ولو واجهنا تحدى العمل، لكانت مكافأتنا على ذلك هى القيمة التى نشعر بها لتجربتنا عندما نتمكن من تذوقه"(64). 
وإذا كـان الاهتمام الجمالى للإنسان يمكن أن يغزو سياقا عمليا، كأن يلتفت الإنسان فجأة إلى لوحة معلقة على الجدار، فيتأملها كأنه يراها للمرة الأولى، رغم أنها توجد فى نفس المكان من زمن بعيد، فينفلت من السياق العملى إلى التأمل الجمالى، فإن الاهتمام العملى أو الفكرى يمكن أن يغزو الاهتمام الجمالى.
فقـد يقوم "شاعر" بكتابة قصيدة، من منطلق أخلاقى، ويحاول أن يقدم لنا عظة مضادة للشهوة الجنسية فينزع إلى الوصف الدقيق للعملية الجنسية بشكل فاضح، مما يحرف ذهن القارئ عن القصيدة كعمل فنى، وتتحول القصيدة - رغم أن صاحبها زعم الدعوة للفضيلة - إلى قصيدة شهوانية.
وهذا الشعر الرديء سواء كان موجّها ضد الفضيلة أو الدعـوة لها، فإنه بالنبرة الإرشادية العالية يحْرف القارئ عن التلقى الجمالى للقصيدة، سواء بإثارة الغرائز بشكل مكشوف، ومباشر، وبدون مناسبة فى القصيدة، أو اعتلاء المنبر، وإزجاء العظات بشكل فجّ.
إن القصيدة هى نتيجة تفاعل حىّ بين الشاعر وواقعه، والشاعر إذ يعيش تجربته الجمالية مستغرقا، فإنه يكون محملا بكل ما فى عصره، وواقعه وكل ما يتصل به من مؤثرات، تتفاعل معا لتنتج قصيدة، ذات صياغة فنية محكمة، وتولّد لحظة جمالية فائقة التركيز.
وإن تشويه التجربة الشعرية إنما ينتج من "الفصل الحاد بين مستويات الوجود، وخاصة السياسية والاجتماعية والعلمية، وبين التجربة الشعرية"(65). 
فقد يرى البعض أن ضآلة الإنتاج الشعرى الحقيقى هو نتيجة لطغيان التوجه الحزبى والسياسى، أو يرفض البعض الآخر تحليل الشعـر فى ارتباطه بالسياسة أو الظروف الاجتماعية مؤكدا على أن الشعر إنما هو ميتافيزيقا أو أسطورة(66). 
تقول "خالدة سعيد"(67) لقد ألحّ مبدعو الحداثة والمنظرون لها على التجربة كمقابل لإسقاط التجريد، وسلطة النموذج، وان لم يتبلور مفهوم التجربة فى بدايات الحداثة، بل طرح عبر صيغ ومفهومات كالصدق الفنى والواقعية والالتزام. وقد كان الكلام عن التجربة يسمح لها بالنظر من زاويتين :
أولا : مـن حيث الموقف المبدئي من التجربة، بما هى بداية سقوط السلطة النهائية للمرجع، لأن مرجع التجربة - إن صحت كلمة مرجع هنا - أمامها أو فيها ليس سابقا عليها، ولا منفصلا عن صيرورتها.
وثانيا : من زاوية كونها تجارب معيشـة مختلفة، ينبغى النظر فى ما تدور عليه، أى فى موضوعاتها وفى طبيعتها وملامحها، كما تكشف عنها النصوص الإبداعية، والتى تشكّل طوابعها المشتركة ملامح عصر الحداثة.
لقد كانت التجربة الشعرية التى خاضها شعراء الحداثة (والمعنى بهم هنا فى رأى خالدة سعيد، جماعة مجلة شعر) تنهض على أساس أن إعلاء التجربة الجمالية، إنما يعنى القطيعة مع التراث - أى سقوط السلطة النهائية للمرجع. لأن المعين الذى تغترف منه التجربة أمامها أو فيها وليس سابقا عليها. وكذلك لكونهـا تجارب معيشة، لذا كان الأجدر هو الكشف عن طبيعتها، أى دراستها من الداخل.
إذا كانت الحياة اليومية تشّوه التجربة الجمالية حين تقتحمها أو تغزوها، فإن عزلْة الفنان - الشاعر - ودورانه فى دائرة مفرغة، وابتعاده عن الواقع من أجل الحفاظ على التجربة الإبداعية، إنما يسلب الشاعر معينا لا ينضب من تجارب الحياة ومن معطيات الواقع كانت كفيلة بجعل عمله الفنى (الشعرى) أكثر ثراء وحيوية.
إنّ المشكلة هنا فى التجربة أنها تجربة خاصة بشاعر مبدع، ولكنها فى نفس الوقت تتغذى على ما هو عام، والحذق إنما يأتى من قدرة الشاعر على العيش والانخراط فى الواقع، بما يسمح له باكتناه التجـارب، والاغتراف من أنهار الواقع، دون أن يفقد ذاته، أو يضيع فى خضم الأمواج المتلاطمة لهذا الواقع. إنها الحفاظ على كينونته الحقيقية، مشبعة بكيمياء الواقع الحى.
فإذا كان الفصل الحاد بين الشاعر والواقع متهافتا، لكونه "يجزئ ما لا يمكن تجزئته أى وعى التجربة، بما هو وعى لاشكالتهـا، أى صيغ الوجود المتاحة والممكنة تلك التى يشفّ عنها التطور التاريخى للقضايا الكبرى"(68).. فان "تعميم التجربة الشعريـة، أى جعلها تجربة عامة تجرد من كل خصوصيتها الرهينـة بمستويات الوجود، ويؤدى هذا التجريد إلى تغييب المحتوى التاريخى للصورة، وإلى نقص مضمونها الإنساني، ووضع ظواهر مثل التجريد والابتكار والحداثة فى إطار مفهومى مضلّل. مثل مفهوم الصراع بين الأجيال، أو مفهوم الصراع بين الشيوخ والشباب، أو مفهوم الصراع بين الجديد والقديم، أو بين الأدبى والأيديولوجي"(69) مما يؤدى إلى العجز عن التعبير الدقيق عن التجربة الشعرية، كما يؤدى إلى انطلاق الشاعر "من عموميات الأفكـار فى كتابته، فيفصل بين وعيه وبين ممارسة الشعر، وينزوى وعيه فى زاوية مهملة"(70)، وتجئ أشعاره فاقدة للإحساس، وممتلئة بالألفاظ الطنانة الفارغة، وفاقدة للحيوية. وقد يغترب الشاعر نتيجة لانفصاله عن مادة تجربته وبذلك يصبح الشاعر متلقيا سلبيا منفصلا عن جذور تطور تجربته، يكتب القصيدة ويكررها دون حسّ بالقلق والمفارقة بين جدلية الإحساس والفكر والواقع، وبين ثبات النمط المكرر، فيؤدى ذلك إلى عجزه عن شحن القصيدة بدينامية الواقع، وتحولها إلى دلالة على سكونية الواقع.
إن هذا التشويـه للتجربة الشعرية، ليس وليد ذات الشاعر فحسب، بل وليد تشوّه الواقع أيضا الذى يعيشه الإنسان العربى فى عزلـة عن منجزات الحضارة الحقيقية، وكونه مجرد مستهلك، غير فاعل، وإن وعيه ليس وعيا تنامى مع مكابدة الواقع، ومحاولة تطويره، بل جاء عبر فعالية حضارة أخرى، قد تكون غربية - حضارة الآن - أو سلفية - حضارة الماضى الذى يعيشه الإنسان العربى مستمتعا بالذكريات، فى سكونية تطوّق فكره وفعله.
إن التجربة الشعرية - بما هى تجربة - إنما يتضافر فيها الخاص والعام، على مستويى الإبداع والتلقى، وإن التشويه يأتى دائما مـن تدخل ما هو غير شعرى فيما هو شعرى(71)، فى تدخل الواقـع - بصورة غير جمالية - أو الانفصال عنه، مما يفقد الشاعر المنجم الذى يمنحه عمق التجربة.

( 4) التجربة واللغة الشعرية

لقد اندرج الإنسان فى جنس الحيوان تبعا لمقتضيات التصنيف العام المتدرج فى الكائنات، غير أن الإنسان ينفصل عن المملكة الحيوانية، محددا خصوصية لنوعه متميزا بالكلام. فالكلام هو جوهر الإنسان. وعلاقة الإنسان باللغة "علاقة تقوم على الطبع والاقتضاء لا العرض والاتفاق. معنى ذلك أن الإنسان فى كينونته الجوهرية موجود متكلم فتركيبه الطبيعى مقتض للبعد اللغوى بالضرورة"(72).
ولما كانت اللغة تمثل عنصراً بارزاً فى تحديد خصوصية الإنسان، فان ارتباط الإنسان "بالكلام يأتى على وجهتين : الأولى: كونية الظاهرة التى تتمثل فى أن الحدث اللسانى ملازم للوجود البشرى مهما تباعد المكان أو تعاقب الزمان. معنى ذلك أن اللغة من حيث هى وجود مطلق لازمة الحضور مع الإنسان، وفى ذلك طابعها الكونى. أما الوجهة الثانية فهى أن تهيؤ الإنسان يشمل الاستعداد الخِلْقى - أى البيولوجى - إذ يتهيأ جسم الإنسان بالخلقة والتركيب إلى أداء ما لا تتم الظاهرة اللغوية إلا به، وهو حدث التصويت والتقطيـع وهذا التهيّؤ الطبيعى هو الذى يصطلح عليه إبن جنّى بقابلية النفوس، ويتمثل ثانيا فى الاستعداد بالفطرة والمزاج إلى اكتساب اللغة"(73). 
وإذا كانت اللغة ظاهرة إنسانية، فإنها تكّف عن أن تكون ماهية مجردة فلم يعد ممكنا البحث عن علة "وجود اللغة أو شرعية بقائها فى غير الحدث التعبيرى، فالكلام - من حيث هو الإنجاز الفعلى للغة - يعدّ الإطار الشرعى لحياة الظاهرة الإنسانية(74).
"واللغة تعرف كليا بالغاية التى تتحقق بواسطتها، وبهذا الاعتبـار ينتفى كلّ تصوّر للغة أو إدراك لها إلا فى سياق ترابط يعقـد بين طرفين يتحاوران بالكلام، ويتفاعلان فيه. وإذ تعرف اللغة بغايتها ينتقص فى حقها أن تكون هى نفسها غاية : إنما هى وسيلة أداء، هى مطيّة تركبها الرسالة الدلالية الجامعة بين شخصين على أقل التقديرات العددية"(75).
اللغة إذن ظاهرة إنسانية، وهى وسيلة اتصال، بل هى أيضا قوة التفكير، وقوة الوعى بأشياء موجودة فعلا، وإدراك أشياء وحالات لا توجد أيضا، ذلك لأن "حياتنا هى إطار للإمكانية والافتراضات التصورية التى لا يمكن للحيوانات أن تشاركنا فيها. إذْ أن الحيوانات تعيش فى بيئة، بينما يعيش الإنسان فى عالم"(76). 
إنها - أى اللغة - أداة لزيادة الوعى وتوصيله. فإذا كان وعـى الحيوانات للأشياء يكون دائما فى مكانها وحياتها الخاصة، إلا أنه بالنسبة للإنسان فإنه بوسعه أن يدرك المستقبل عن طريق الخيال، كما يدرك الماضى عن طريق الاسترجاع.
"إن اللغة كنمط رئيسي فى الاتّصال الإنساني، تبطن عدداً كبيـرا آخر من نظم التقاليد الاجتماعية، العرف الاجتماعي، الطقوس ، العقيدة، ثم الفنون التمثيلية … هذه النظم، نظم نمذجة ثانوية، وفى مجال الأدب يعدّ النص أكثر وحدة تنظيم ملموسة لأنه - على أية حال - قابل لفكّ رموزه، فقط فى حدود نظامه المنظم"(77).
كمـا أن قوة اللغة تبدو فى أنه يمكن للكلمات أن تعنى أكثر مما تشير إليه أو ترمز إليه مباشرة، لأنها قد ترمز إلى أشياء غير مباشرة، بل قد تكون المعانى فيها رمزا(78). 
وإذا كانت اللغة تؤدى وظيفتها فى علاقتها بالإنسان، فان اللغة عبارة عن كلمات، هى التى تحمل الصور والمعانى. "والكلمات أحداث طبيعية كأى أحداث أخرى مما يقع فى عالم الحسّ، فالكلمة المسموعـة هى صوت كأى صوت، والكلمة المكتوبة هى قطرة مـداد أو من غير المداد من المواد التى قد تكون الكلمة المكتوبة بها. الكلمة - مسموعة أو مرئية - حدث يحدث فى الطبيعة كأى حدث آخر"(79). وكلمات اللغة من "قبيل الرموز الاتفاقية فى دلالتها، وليست من قبيل العلاقة الطبيعية"(80). إنها أداة الإنسان إلى إنجاز العملية الإبلاغية فى صلب المجتمع مما يطوّع تحويل التعايش الجماعى إلى مؤسسة إنسانية تتحلى بكل المقومات الثقافية والحضارية(81). 
واللغة تقتضى قوانين تسيّرها وتحفظ نظامها، ولكن فى الاستعمال اليومى، وأيضا فى الأدب، لا يتوقف استعمال اللغة على معرفة قوانينها. وإن كانت المعرفة تعتبر مفيدة، سواء لمن يريد الاستعمال، أو الابتكار فى مجال اللغة.
وفى "اللغة العادية، غير الفنية، يفسّر مضمون النص عامة فى حدود شفرة مفردة. ولكن العلاقة - فى الأعمال الفنية - بين النـص والنظام تكون - بالقطع - مختلفة. فكل العناصر التى تشمـل عادة متغيرات يمكن أن تحمل بمعنى فى كل مستويات مثل هذا العمل ويمكن للعناصر الممتزجة أن تصبح جزءًا من النظام. وأن تحمل قوته الإعلامية الخاصة. وهذا بالطبع لايعنى أن كل. العناصر المتعيّرة فى النصّ الفنى هى دالة. ففى أى عمل فنى ناجح لا (نصحح) آليا، عناصر تبدو لنا غير نظامية ظاهريا. كما نفعل فى الاستعمال اللغوى العادى. (وإذا مافعلنا، فإننا بذلك يمكن أن نحطّم - بطيش - جزءًا ما من المعنى الفنى للنصّ)" (82). 
وتعد اللغة هى الأداة الأولية للتعبير التصورى، والأشياء التى نتحـدث عنها تؤثر فى الأشياء التى نتكلّم فيها، والكلمات هى حدودنا للتفكير، تماما مثل الحدود التى تقدم فيها أفكارنا(83). 
كما أن اللغة ليست مجرد مجموعة من الرموز، بل هى تنتج لنا كثيراً من العلاقات المعقدة فى معناها، إنها صورة معقدة عالية من الرمزية. إنها تبدع عالما، وبدونها لا يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه(84). 
يكتب ميشيل فوكوه : 
"كان لابد لتحليلات (بوب) أن تكون لها أهمية كبرى، ليس فقط بالنسبة لتركيبة اللغة الداخلية، إنما أيضا بالنسبة لتحديد ما يمكن أن تكون عليه اللغة فى ماهيتها. فلم تعد اللّغة نظام تمثيلات قادراً على تصنيف تمثيلات أخرى، وإعادة تأليفها، بل تدل فى جذورها الأكثر ثباتا على أعمال، وحالات ورغبات، فهى لا تعبر بالأصل عما يُرى بل بالأحرى عما نفْعل أو عما نتلقى؛ وإن أشارت فى النهاية إلى الأشياء كما يشار إليها بالإصبع، فذلك فقط لكون هذه الأشياء نتيجة أو موضوع أو وسيلة هذا الفعل، فالأسماء لا تصنف جدول التمثيل المعقد، بقدر ما هى تصنف صيرورة فعل وتحددها وتجمّدها … واللغة كالعمل تعبر عن إرادة جامحة"(85). 
وإذا كانت الكلمات هى مادة اللغة، فإنًّ ترتيب هذه الكلمات يختلف من لغة لأخرى. فهناك اللغات الحرة التى لا يخضع فيها نظام الترتيب لقواعد لازمة بل تحدد هذا النظام قوانين الأسلوب والمفاضلة بين أسلوب وأسلوب، كما فى اللغة الإغريقية واللاتينية. وهناك اللغات المستقرة التى تتبع نظاما معينا فى ترتيب الكلمات لتأليف الكلام. ولا يستطيع المتكلم فى هذه اللغات أن ينتقل بالكلمة من مكانها المعين فى الجملة كما فى اللغة الفرنسية والإنجليزية. أما اللغة العريبة فقد جاء ترتيب الكلمات كالآتى :
1 ـ ما عينه الواضح وحكم به على سبيل الوجوب.
2 ـ ما قضى به على سبيل الأصالة وباعتبار ما هو أولى.
3 ـ ما جعل أمره دائراً على مراعاة ما يناسب المقام وتعيينه بحسب التراكيب المخصوصة(86). 
إذا كانت اللغة ظاهرة إنسانية، وهى بمثابة جوهر الإنسان، وتحقـق الاتصال بين أفراد الجنس البشرى، كما تحمل أكثر من ذلك فـى كونها تحمل قوة كامنة، تجعل فى إمكانها أن تعنى أكثر ممـا تشير؛ فإن اللغة كأداة إنسانية ـ مع تقدم الجنس البشرى، صارتْ تعنى أكثر من مجرد التعبير عن حاجات الإنسان الضرورية، صارت - على حد تعبير "فوكوه" - كالعمل، قوة جامحة.
إذا كانت اللغة كذلك، فما الذى يجعل اللغة لغة شعرية؟ أو ما هو الفارق - أو الشيء المضاف إليها - الذى يجعلها تختلف عن اللغة العادية؟
يكتب "بارتون جونسون" :
"فى اللغة غير الفنية تكون العلاقة بين بناء اللغة ومضمون الرسالة غير وثيقة بوضوح، إذ أن نفس المعلومة يمكن أن تلقى بطرق عديدة، والنمط الخاص من التشكيل اللغوى لا يحمل كمية ماديـة من المضمون، وفيما عدا بعض الغموض غير المقصود، فإن المخاطب يعنى فقط (بمضمون الرسالة) بينما يكون استيعابه للحامل آليا، إن الرسالة والشفرة شديدتا الاستقلال عن بعضهما البعض"(87). 
اللغة هنا حامل محايد، والمخاطب معنى بمضمون الرسالة - لا شكلها - بينما فى النص الفنى (الشعرى) فان اللغة تكون "أكثر من مجرد حامل محايد للمعنى، إنها جزء من المعنى، فمعلومات العمل الفنى إذن يمكن أن تنقل فقط عبر ذلك الترتيب الخاص للغة، وهذا التعدد النظامى فى النص المتفرد المحطم لآليات الإدراك هو الذى ينتج المضمون الإعلامى العالى، غير العادى للنثر الفنى"(88). 
إن اللغة الفنية فى (النثر الفنى) أو الشعر - تختلف اختلافا بينا عن اللغة فى الحياة اليومية. إن الشاعر - على حد تعبير "إرنست فيشر"؛ "تؤذيه الكلمة التى تنتقل من يد إلى يد كأنها قطعة النقد الصغيرة، إلا أنها تسقط فجأة على الأرض محدثة رنينا، فهى لم تعد قطعة عملة، بل مجرد قطعة معدن، ورنينها يثير فى النفس انفعالات دفنت منذ أمد طويل تحت أعباء اللغة المتداولة فى حياة كل يوم"(89). 
فالكلمة لدى الشاعر، تختلف عن الكلمة المستخدمة فى الحياة اليومية، لا بحروفها وشكلها الطبيعى، بل طبيعة تداولها. فهى لا يكون "لها معناها الموضوعى وحده بل يكون لها أيضا معنى أعمق، معنى سحرى. إن انفعال الإنسان البدائي الذى يعيد صنع الأشياء بمجرد ذكر اسمها، وبذلك يسيطر عليها، مازال باقيا فى الشعر. وكثيـر من الكلمات التى تستخدم فى القصائد تبدو كما لو كانت نابعة مباشرة من (النبع)، وتحدث أثرها كأنما هى تقال لأول مرة فى هذا المكان وهذه اللحظة، فى هذا السياق المحدّد، بهذا المعنى المحدد"(90). 
فالشاعر يعيد للكلمة بهاءها القديم، وسحرها البدائي، إنه إنما يسيطر على الشيء إذْ يستخدم الكلمة، مثل البدائي الذى يحسّ أنه سيطر على الأسد عندما يرسم الأسد. إن كلمات الشعر تبدو كما لو كانت قادمة من النبع مباشرة لم تتأثر بكثرة التداول، والألفة.
"الكلمة فى القصيدة، هى كلمة غضة، نظيفة، لم تمسّ، وكأنما تبلورت فيها على التوّ قطعة من الحقيقة الخفية"(91). والشاعر يحسّ كما لو أنه يخلق لغة جديدة تماما، لغة تملك القدرة على التعبير المباشر، أو أحسّ بالرغبة فى العودة إلى المنبع، إلى أعماق لغة قديمة لم يبْلها الاستعمال، لها قوة سحرية"(92).
لغة الشعر هى إذنْ لغة مختارة، تعبر عن عمق التجربة، وهى لغة راقية، تعبر عن تجربة ذاتية، فالشعر فردى، وإن كان يتجـه إلى المجموع فإنما يتجه من خلال تفاعل الذات معه. والشعر يستنفد فى الكلمات كل طاقاتها التصويرية والإيمائية والموسيقية فى نقله الخبرة الجديدة للقارئ، ومؤثرات الشعر تنبع من أعماق الشاعر. فالشعر لا يقرر، ولا يصف واقعاً، بل يعبّر عن انفعال عاطفى، يتوجه به الشاعر من الذات - ذاته - إلى ذوات أُخر.
التجربة تجعل النص الشعرى اختراقاً للّغة، طرحا للأسئلة، وإعادة صياغة الأسئلة الكبرى. أى تجعله فى بؤرة الوعى. فلم "تعد اللغة كصوت مرجع الإشارات الوحيد، ذلك أن الاختراقات لم تقتصـر على أشكال التعبير، وإعادة رسم خارطة الأنواع التى بلغـت جسد الإشارات اللغوية واخترقت حدود الأبجدية. هكذا دخلت النص أشكال إشارية مختلفة واحتلّت موقعاً علائقيا دالاً كالإشارات الرياضية والحروف المنفردة وغيرها. وهى وإن احتفظت بما ترمز إليه فى حقولها الخاصة، فإن دلالتها غير المياشـرة تبقى أكثر أهمية لأن حضورها توكيد على الصفة الكتابية للنصّ، وعلى اعتباره حيزاً للتلاقيات واستقطابا لأى دال بما يقتضيه النص الكلى"(93). 
فاللغة الشعرية إذن هى انحراف عن مسار اللغة فى التعبير المباشر، فالكلام "عندما ينحرف انحرافاً معيناً عن التعبير المباشر، أى عـن أقل طرق التعبير حساسية، وعندما يؤدى بنا هذا الانحراف إلى الانتبـاه بشكل ما إلى دنيا من العلاقات متميزة عن الواقع العملى الخالص، فإننا نرى إمكانية توسيع هذه الرقعة الفذّة، ونشعر أننـا وضعنا يدنا على معدن كريم نابض بالحياة، قد يكون قادراً علـى النمو والتطور .. وهو إذا تطوّر فعلا واستخدم ينشأ منه الشعرُ من حيث تأثيره الفنى"(94). 
لقد كان "فاليرى" هنا يؤكد على تميز اللغة الشعرية - أو اللغة التى يمكن أن ينشأ عنها الشعر - عن اللغة العادية، بهذا الانحراف عن التعبير عن الواقع العملى الخالص
والأدب هو اعتراض ضدّ فقه اللغة (وهما مع ذلك توءمان) - على حـد تعبير (ميشيل فوكوه) (95). فالأدب - وبالضرورة الشعر - يحيل اللغة من الصرف والنحو إلى سلطة التكلم المجرد حيث يلتقى كينونة الكلمات المتسلطة والوحشية (غير المدجنة). فمن الثورة الرومانتيكية على الخطاب المقيد بطقوسه، إلى اكتشاف عجز سلطان الكلمة عند مالارمية Mallarme يظهر دور الأدب كما كان فى القرن التاسع عشر، بالنسبة للوضع الحديث للغة.
فلقد صار الأدب يتميز عن خطاب الأفكار، ويبتعد عن كل القيم التى كانت قادرة على ترويجه فى العصر الكلاسيكى (الذوق، اللذة، الطبيعى، الحقيقى) ويولد فى فضائه الخاص كلّ ما يمكن أن يحقق نفيا لعبيا - Ludique - أى نزوعاّ إلى استقلالية ذاتية تتبع معاييرهـا وإيماءاتها الخاصة، بمعزل عن بقية فروع المعرفة - لتلك القيم، وهى : (المشين، القبيح، المستحيل) وينقض كل تحديد (للفنون الأدبية) يعتبرها قوالب مطابقة لنظام تمثيلات، ليصبح مجرد (تجلًّ للغة) لا قانون لها سوى التأكيد على وجودها الوعر بمقابل أنواع الخطابات الأخرى(96). 
إن اللغة الشعرية انفصلت تماما عن أنواع الخطاب الأخرى، وذلك بتأكيد اللغة على شكلها، وكينونتها. ففى اللحظة التى تصبح فيها "اللغة، باعتبارها كلاما ذائعا، موضوع معرفة. ها هى تظهر من جديد بشكل مخالف تماما : كلمة مودعة بصمت وحذر على بياض ورقة، حيث لا صوت لها ولا مخاطب، حيث لا شئ تقوله إلا ذاتها، ولا شئ تفعله سوى أن تتلألأ فى سطوع كينونتها"(97). 
والكلمة - فى الشعر - لها تاريخ، وتاريخ الكلمة، هو ما حدث من تطور وتلّون لها تبعا لاستعمالها فى عصور متعددة، وما جرى لها من انفصال عن المعنى المعجمى، إنه توهجها عبر استعمالات متمايزة، وغير عادية. والشاعر الفذّ هو الذى يعيد تاريخ الكلمة، مضيفا إليها من إحساسه ومن استعماله، الذى يجعلها تبدو للوهلة الأولى، كما لو كانت تكتشف لأول مرة، إنه بذلك يمتلك الكلمة، ويخدمها، لا يستخدمها. انه يشحنها بالانفعال، الانفعال الجديد، الذى يجعلها غير قابلة للتداول العادى فى الواقع العملى، ويمنحها قدرة على المراوغة، واتّساعا فى مجال التأويل، وانفتاحا وتوهجا عند التلقى.
لقد نشأ الشعر كشكل متميز بأعلى حدود التميز من اللغة العادية. و"العمل الشعرى هو مكثِّف قوى لتقويمات اجتماعية غير معبر عنها. كل كلمة منه مشحونة بها"(98).
وقد انفصل الشعر عن اللغة العادية عن طريق انحرافه وهدمه للأنماط التعبيرية العادية، وإعادة بنائه لها وتصحيحها. "ولكى يقوم الشعر بوظيفته من الضرورى أن يفقد معناه فى نفس اللحظة التى يعثر فيها عليه من جديد فى وعى القارئ وضميره. هذه الحركة المتذبذبة التى تتأرجح بين فقدان المعنى المألوف وتركيـب المعنى الجديد ثم تعود لفقدانه وهكذا تمثل المحور الأساسى للصورة الشعرية الحديثة، وتمثل بالتالى شعرية الشعر وخاصيته المتميزة"(99). 
فلغة الشعر هى انحراف أو انزياح عن اللغة العادية - أو اللغـة اليومية - لغة النثر. إنها تعتمـد نظاماً يباين النظام المألوف فى اللغة العادية. ويقوم هذا النظام على عمليات غير متوقعة، تجمعهـا وحدة عضوية تختلف عن اللغة العادية التى يمكن أن تكون عشوائية، أو لغة النثر التى يمكن أن تكون وحدتها منطقية. الشعر هو خروج على النظام المعتاد فى اللغة النثرية، هو انفتاح على عالم بكر، متوهج تتألق فيه الكلمة بضوء غير ما نألفه ونعيشه.
إن عدم التمييز بين ما تتقوم به اللغة الشعرية فى تميزها وانحرافهـا عن اللغة العادية ينبع فى كثير من الأحيان من النظر إلى لغة الشعر "بوصفها الأبجدية نفسها بكل حدودها من معان وروابط ووسائل بناء تشكل ثوابت فى الثقافة الموروثة"(100). 
ولكل شاعر اهتمامه الخاص والمتميز بالكلمات، فبعض الشعـراء يهتمون بصوت الكلمات دون معانيها أو جوانبها الصورية، بينما ينصرف البعض الآخر إلى التركيب الصورى للكلمات بوصفه معادلا موضوعيا للعواطف والمشاعر - كما هو الحال عند الشاعر "ت.س اليوت". "فاللغة الشعرية ترجع إلى ذلك الزمن الذى كانت فيه شيئا آخر غير مجرد الكلام وما هذا الإنحراف الذى اهتم به "فاليرى" أو التغرب الذى يعشقه السورياليون، أو تداخل وظائف الوعى الذى يشير إليه "بورا" إلا ظاهرة انصراف الشاعر إلى تلك اللغة. بحيث كان الدفاع عن الشعر وعن فهمه ينطلق من شئ أكثر عمومية وشمولاً لدى غالبية الشعراء"(101). 
إن الكلمة فى الشعر تحمل دلالة مختلفة عن دلالتها وفق النظام النحوى والمعجمى. وقد لا يكون المعنى المعجمى إلا أحد هذه الدلالات للكلمة الشعرية. فالكلمة فى القصيدة تتخذ معناها ودلالتها من السياق، والموضوع، وترتيبها ضمن الإيقاعات الصوتية فى الجملة، ومن سياق اجتماعى إنسانى يفرض نوعاً من التأويل فى هذه اللحظة أو تلك للكلمة. ولقد أكد على هذا القول أيضا (موكاروفسكى)(102) إذْ رأى أنّ اللغة الشعرية لها معجمها الخاص، ولها مصطلحها، كما أن لها بعض الصيغ النحوية التى يمكن أن تسمى بالضرائر الشعـرية Poetisms. وعلى هـذا فاللغة الشعرية ليست نوعاً من اللغة المعيارية، وان كان هذا لا يعنى إنكار الارتباط الوثيق بينهما الذى يتمثل فى حقيقة أن اللغة المعيارية هى الخلفية التى ينعكس عليها التحريف الجمالى المتعمد للمكونات اللغوية للعمل، أو - بعبارة أخرى - الانتهاك المتعمد لقانون المعيارية.
إن العلاقة بين اللغة المعيارية واللغة الشعرية، هنا، علاقة سلبية، وتحطيم "قانون اللغة المعيارية أمر لازم للشعر، وبدونه لن يكون هناك شعر … فلغة الشعر شكل مختلف من اللغة، ذو وظيفة مختلفة عن شكل اللغة المعيارية ووظيفتها .. والقوانين التى تحكم التوصيل العادى للفكر لا ينبغى أن تفرض على الشاعر على الإطـلاق"(103). فالشاعر يتجاوز حدود الأشكال المقبولة للغة ويُحدث أشكالا شخصية من التعبير الحدسى وفق قانونه الحدسى الخاص.
والجدير بالذكر أن العلاقة بين اللغة المعيارية واللغة الشعرية تتغير من زمن لآخر، بل تتغير أيضا فى إطار الحقبة الزمنية الواحدة. وهذه العلاقة تختلف من شاعر لآخر.
وإذا كانت اللغة العملية تجد تبريرها من خارجها فى نقل الفكر أو فى الاتّصال المباشر بين البشر، وإنهـا وسيلة وليست غاية. بينما "تجد اللغة الشعرية بالمقابل تبريرها (وبالتالى قيمتها) فى ذاتها، إنها لذاتها غاية ذاتها، ولم تعد وسيلة، إنها إذن مستقلة، أو أيضا ذاتية الغائية"(104). 
وقد رأى "شكلوفسكى" أن اللغة الشعرية تتميز عن اللغة النثرية بالطابع المحسوس لتركيبها. ويمكن الإحساس بالمظهر الصوتى أو المظهر (التلفّظى)، أو أيضا المظهر الدلالى للفظ، وأحيانا ليست بنية الكلمات هى المحسوسة، وإنما تركيبها، انتظامها"(105). 
وإذا كان "خليبنكوف" قد رأى أن الشعر تشكيل للكلمة ذات (القيمة المستقلة) فإن (تودوروف) يرى أن هذا القول - بأن الشعر لغة مستقلة أو ذاتية الغاية - يرجع إلى إعطائه تعريفا وظيفيا، بما يقوم به أكثر من تعريفه بما هو عليه"(106). 
للكلمة تأثير انفعالي، وإن هذا التأثير يصبح واضحا أكثر "لدينا لو تذكرنا حقيقة أن بعض الأصوات كالأصوات المتحركة، تثير لدينا انطباعا، تصوراً لشيء ما شجى، ومهيب"(107). 
"فاللغة الشعرية تتجه فى الحد الأقصى، نحو الكلمة الصوتية، وبتعبير أدق، بما أن الهدف المقابل حاضر، نحو الكلمة الرخيمة، نحو القول ما بعد العقلى"(108). فإن الصوت، العودة إلى المنبع، يكون له التأثير الكبير فى خلق الانفعال.
"للغة غير العقلانية وجودها. هذا الوجود ليس فقط فى شكلها النقى، أى بوصفها أحاديث (لا معنى لها)، بل وبشكل رئيسى بوصفها كيانا فى داخلنا"(109). 
ويتساءل شكلوفسكى : هل ستكتب باللغة غير العقلانية فى وقت من الأوقات مؤلفات أدبية حقا؟ وهل سيكون هذا فى وقت من الأوقات نوعا أدبيا خاصا معترفا به من الجميع؟ من يعرف؟ حينئذ سيكون هذا إمتداداً لتباين أشكال الفن. ويمكن أن نقرر شيئاً واحداً، هو أن كثيراً من ظواهر الأدب كان له مصير كهذا. فكثير منها ظهر أولا فى إبداعات الجماليين. وعلى هذا النحو ظهرت القافية بوضوح فى شوامخ (بوجوتوستس) (110). 
يقول شيلنج Chelling :
"إن العمل الشعرى ليس ممكنا إلا عبر فصل الخطاب الذى يعبر العمل الفنى به عن نفسه، عن كلية اللغة، إلا أن هذا الفصل من جهة، وهذا الطابع المطلق من جهة ثانية، ليسا ممكنين إذا لم يكن للخطـاب ذاته حركته الخاصة المستقلة، وبالتالى زمنه، كما هو حـال أجسام العالم؛ وهكذا ينفصل الخطاب عن كل ما عداه، ويخضع لانتظام داخلى. ومن وجهة النظر الخارجية يتحرك الخطاب بحرية وبطريقة مستقلة وفى داخله فقط يكون منظما وخاضعا للانتظام"(111). 
لابـد للخطاب الشعرى إذن أن ينفصل عن (كلية اللغة) وهذا لا يأتى إلا إذا كانت له - أى للخطاب ـ حركته الخاصة المستقلة. وبذلك يؤسس نظامه الداخلى الذى هو ذاته وكينونته. فالتعارض بين اللغة الشعرية واللغة اليومية لم يعد تعارضاً بين ذاتية الغائية، ومغايرة الغائية، بل هو تعارض بين الخاص والعام.
ويصل شكلوفسكى(112) إلى هذا حين يقول بأن غاية الفن هى إعطاء إحساس بالشيء كرؤيا، وليس كتعرف. وأن نهج الفن هو نهج التعبير وهو نهج الشكل الصعب الذى يزيد من صعوبة ومدة الإدراك ، لأن غاية صيرورة الإدراك فى الفن قائمة فى هذه الصيرورة ذاتها التى ينبغى إطالتها. فالفن هو طريقة إحساس بصيرورة الشيء، ولا يهم الفنّ ما قد صار.
للكلمة جذورها السحرية التى وضعتها بديلا للشيء المقصود، فهى لا ترمز للشيء وإنما تحتوى أهم خصائصه، فهى صوته وإيقاعه وحجمه ولونه وهى أيضا جماع حركته النفسية. ولذا كانت الكلمة تعنى الشيء نفسه حتى لدى الكثير من الجماعات البدائية فالقبـائل الافريقية لا تعتبر الإسم مجرد لفظ يدلّ على الشئ وإنما هو ترجمة لحقيقة الشخص. فإذا غير اسم الطفل وسمّى باسم جديد كما يجرى فى حفلات الختان إيذانا بدخول الطفل مرحلة المراهقة والإطلاع على الأسرار فمعنى ذلك أنه خلق خلقاً جديد. فى عرفهم(113). 
فالكلمة لم تكن عند نشأتها رمزاً، بل شيئا يختزل الحركة والإيماءة والصرخة وكل فعاليات الكائن العضوى والقول برمزية الكلمة يتجاهل أصولها التاريخية وصلتها بالواقع النفسى. فالكلمة ليست "علاقة شرطية، أو آداب سلوك بل هى جملة التفكير (الفعّـال) تضاف إليه المعلومات التى تم التوصل إليها"(114). وإن "القـوة التعبيرية للكلمة المنغرده لا تتأتى من معناها وحده، بل من طبيعة شكلها الصوتى أيضا"(115). وهذا هو ما يخلع على الكلمة شاعريتها ويفصلها عن الكلمة فى اللغة العادية.
إن الشاعـر إذ يحاول البحث عن لغة خاصة، منفصلة عن الموروث - فى اللغة العادية بصفة عامة، واللغة الشعرية بصفة خاصة - متجاوبة مع واقعه المعيش، سيجد نفسه أشبه بالإنسان الأول وهو يبتدع لغته، وتقاليده، ويسمّى الأشياء. وإن كان سيبقى شئ من اللغة الموروثة لدى الشاعر، ولكن اللغة الشعرية ستتغير، وستبدو اللغة مخلوقا جديدا على يديه، لها إيقاعاتها، وألوانها.
ولكن هل الشاعر يستعمل الكلمة كغاية فى ذاتها، أم أنه يربطها بواقعها التاريخى ويجعلها معبرة عن الزمان والمكان، ويسبغ عليها من خياله وإحساسه، ما يجعلها متفردة بين الألفاظ - وان كانت فى الحقيقة هى كلمة يمكن أن يكون لها مدلول معجمي محدد، لكنه، بشاعريته، وبقدرته الفذة على النفاذ إليها، يخترق المدلول المعجمى، ويحولها إلى كيان مستقل، إلى كلمة تبدو كما لو كانت تظهر للوجود لأول مرة.
واللغة الشعرية "لا تخلق شاعريتها بل تستعيرها من العالم الذى تصفه"(116). وإذا كان "هناك نمطان من اللغة فلأن هناك نمطين من التجربة، وكلا منهما مكتمل فى ذاته"(117). 
إن التجربة الشعرية تطبع اللغة الشعرية بطابعها، فهى - أى التجربـة الشعرية - إفضاء بذات النفس، بالحقيقة كما هى، ولذا فهى تجسد لغتها، وتطبع الكلمات بطابع مميز يحمل جوهر التجربة.
وإذا كان "رولان بارت"(118) قد رأى أن الشعر = النثر + أ + ب + جـ وأن النثر = الشعر - (أ + ب + جـ) وذلك من خلال المعادلة التى توصل إليها (م. جوردان) M. Jourdain. متوصلا إلى أن الشعر مغاير للنثر، ولكن هذا الفرق ليس فى الجوهر وإنما فى الكم.
فهو فرق - على حد قوله - "لا يمس وحدة اللغة التى هى عقـدة كلاسيكية بل، هو انعطاف لتقنية لفظية تتمثل فى التعبير وفقاً لقواعد أكثر جمالا، أى أكثر اجتماعية من قواعد الحديث"(119). 
وقد رأى - أى "بارت" - أن الشعر الحديث يعارض الشعر الكلاسيكى عن طريق اختلاف يشمل مجموع البنية اللغوية ولا يترك نقطة مشتركة بين هذين الشعرين سوى النية السوسيولوجية الكاملة وراء كتابة الشعر(120). 
والشعـر الحديث، فى لغته الشعرية، التى تتعارض مع نمط تلك اللغة التى كانت للشعر الكلاسيكى، وكذلك مع لغة النثر، إنما تقوم على تحطيم الطبيعة الوظيفية التلقائية للغة، وهو لا يحتفظ من العلائق سوى بحركتها وبموسيقاها، وليس بحقيقتها. واللفظ ينفجر فوق خط من العلائق المفرّغة، والنحو يفرغ من غائيته، فيصبح الشعر انعطافا فى اللغة. ففى الشعر الحديث العلائق مجرد توسع للفظ، فاللفظ هو السكن. إنه منغرس كالجذر فى نظم وظائف مفهومـة لكنها غائبة. اللفظ يغذى الفراغ ويملؤه، كأنه كشف مفاجئ لحقيقة ما. إن ما يقال بأن هذه الحقيقة ذات طابع شعرى، معناه أن اللفظ الشعرى لا يمكن أبدا أن يكون مزيفا لأنه كلّى. إنه يشع بحرية لا متناهية ويتأهب لأن يمد أشعته نحو ألف علاقة غير مؤكدة إلا أنها ممكنة. فاللفظ الشعرى هنا فعل بدون ماض مباشر، وفعل بدون ضواح لا يقترح علينا إلا الظل السميك لردود الفعل ذات الجـذور مع كل ما يرتبط به. إن اللفظ لا يوجد مسبقا، ومن ثم فان مستهلك الشعر، بعد أن حُرم من دليل العلائق الانتقائية، ينتهى إلى اللفظ وجهاً لوجه. ويتلقاه كأنه كمية مطلقة مصحوبة بجميع إمكاناتها(121). 
فكل قول شعرى هو شئ غير متوقع، دعاء لقيثارة تتطاير منها جميع إمكانات اللغة. ويصير القول الشعرى كلاما مفزعا ولا إنسانيـا. إن اللغة الشعرية هنا تتأسس داخل نص ملئ بالثقوب وملئ بالأضواء، ملئ بالغياب وبالإشارات الدسمة وبدون أن يكون له تنبؤ أو استمرار فى النوايا. وبذلك يصبح معارضا للوظيفة الاجتماعية للغة(122). 
لقد كانت اللغة الكلاسيكية تفترض استهلاكا جماعيا، والشعر الكلاسيكى ينتقل بين أشخاص يربطهم رابط قوى، طبقة اجتماعية، وقد كانت "اللغة الكلاسيكية ناقلة للغبطة لأنها لغة اجتماعية مباشرة"(123). بينما يحطم الشعر الحديث (واللغة الشعرية الجديدة) علائق اللغة، ويعيد الكلام إلى النبع الأصلى للألفاظ. وهذا استلزم انقلاباً فى معرفة الطبيعة.
ويرى "بارت" أنه "ليس هناك نزعة إنسانية شعرية فى الحداثة : فهذا الكلام المنتصب ملئ بالرعب، أى أنه يجعل الإنسان على صلة ليس بالآخرين، وإنما مع صور الطبيعة الموغلة فى اللاإنسانية، مثل : السماء، الجحيم، المقدّس، الطفولة، الجنون، المادة الخالصة … الخ.
فى هذا المستوى بالذات، يصعب أن نتكلم عن كتابة شعرية لأن الأمر يتعلق بلغة يحطّم عنقها الذاتى كل أهمية أخلاقية. فالإشارة الشفوية تستهدف هنا تغيير الطبيعة، إنها خلق، إنها ليست موقفا واعيا، بل فعل قسر"(124). 
إن هذه اللّغة هى لغة الشعراء الذين يأخذون الشعر على عاتقهـم، لا كتمرين روحى أو كحالة نفسية، أو تسجيل لموقف، وإنما باعتباره الروعة والطراوة للغة محلوم بها(125). 
لقد تباينت (الشعرية) فى الحداثة عما كانت عليه فى الشعر الكلاسيكـى، فبعد أن كانت - فى الكلاسيكية - ترتكز على العلاقات بين الألفاظ، وقد كانت لغة اجتماعية، صارت فى الحداثة بعيـدة عن النزعة الإنسانية، ويوجد القارئ والشاعر وجها لوجه مع اللفظ، اللفظ الذى لا يحمل تراثاً، أو تخوماً. إنه لفظ يخلق فى التو، ولا يوجد مسبقا. وصار الشاعر لا يقوم بتسجيل موقف أو يعبر عن أزمة روحية أو حالة نفسية، بل يهتم بالشعر لذاته، باعتباره الروعة والطراوة للغة محلوم بها.
وهكذا كانت اللغة الشعرية لغة مباينة للغة الحياة اليومية أو لغة الواقع العملى، وكذلك غير لغة النثر. إنها اللغة الأولى، حيث جاءت وتجئ من المنبع، إنها الكلمات بكل بكارتها، وبكل ما تحمل من طاقة ضوئية، وتصويرية، لا كرموز بل كأحداث، ووجود مستقل مفعم بالحيوية. إنها لغة مشحونة تحمل طاقة غير اعتيادية.
والتجربـة الشعرية، بكل ما تحمل من خصوصية، تقوم - عن طريق الشاعر - الكائن الأول الذى يستخدم الكلمات - بمنح اللغه الشعرية الدم الجديد، والإيقاع والنغم، والإيماء الذى يفيض من التجربة عبر ذات الشاعر.
شعرية لغة الحياة اليومية
إذا كانت اللغة الشعرية ـ كما أوضحنا سابقاً ـ هى بمثابة انحراف عن لغة التعبير المباشر، وهى ـ أى اللغة الشعرية ـ انزياح عن اللغة ـ العادية أو اللغة اليومية، لغة النثر، فبماذا نفسر هذا الغزو من لغة الحياة اليومية للشعر ـ خاصة فى القصيدة الحرة؟.
لقد اعتبر العديد من النقاد أن استعمال لغة الحياة اليومية يمثل قصورًا فى القصيدة، وانحرافاً عن اللغة الشعرية الحقيقية، وكانت المعارك العنيفة تدار بين أنصار الجديد، وأنصار القديم، وقد استخدم فيها السلفيون أشد الأسلحة فتكا، وأكثرها قدرة على الإجهاز على الخضم.
وإذا كانت لغة الحياة اليومية تقوم على تجاوز البلاغة القديمة، والإنحراف عن المسار التقليدى لها، ومن "الحقائق الأولية أن لغة الحياة اليومية هى لغة كأى لغة، فيها الجميل الرقيق، وفيها الخشن، الذى يبـدو فظاً غليظا، والناس العاديون فى حياتهم اليومية يستطيعون استخدام لغة رقيقة، ويستطيعون استخدام لغة خشنه، فقيمة اللغة وجمالها يعودان دائما إلى طريقة استخدامها. فهى أداة تتلون وتتشكل بطابع الإنسان الذى يستخدمها، ونحن فى حياتنا العادية كثيراً ما نميّز بين الناس على أساس اللّغة"(126). غير أن استخـدام لغة الحياة اليومية إنما يكون مقصوداً به معنى محدد، ونقل انفعالات لا تنقلها اللغة الأدبية الرصينة، وإفساح المجال للتعبير عن أمـور لا تتسع لها تلك اللغة، وكذلك الاقتراب من بعض المفاهيم الشعبية. 
لقد صار الشاعر يستخدم لغة الحياة اليومية وتراكيبها، وكذلك لغة الإعلام ـ الصحافة والإذاعة ـ فى قصائده، مستعيناً بها فى توصيل المعنى وتصوير المشاعر والانفعالات التى تعتمل داخله.
وقد جاء الاتجاه إلى الإفادة من معجم العامية ونظم تراكيبها انعكاساً لطبيعة الموضوعات التى عالجها هذا الشعر. فقد برزت فيه قضايا الإنسان المعاصر ومشكلاته وتفصيلات حياته اليومية، بما فيها من إحساس بالغربة والضياع والتعقيد والاضطراب الفكرى والروحى. ولم يكن مناسباً أن يعبر عن تلك الموضوعات بلغة خطابية على طريقة الواقعية الكلاسيكية، ولا بلغة ذاتية محافظة على طريقة الرومانتيكية ورموزها(127).
يقول أحمد عبد المعطى حجازى : 
"يقولون أن الشعر لغة خاصة، وهذا حق، لكنه بهذه المثابة لغة الجميع. بل هو لغة كونية لأنه لغة الروح المطلق. إننا ننشئ لغة خاصة لنصل إلى المعنى المشترك، ليس المعنى السوقى المبتذل كما صوره الجاحظ، وانما المعنى الخفى المنسى"(128).
إن اللغة تتغير، وتتطور بتطور الحياة الاجتماعية، فتصبح بعض الكلمات والتعبيرات مهجورة وسقيمة، وتدخل تعبيرات وكلمات جديدة، تعيد إلى اللغة شبابها وحيويتها.
وإذا كانت اللغة، ولغة الشعر بالتحديد، وثيقة الصلة بالعصر، والظروف الاجتماعية، فإنه أيضا من أهم الحقائق الأولية التى تعيشها الآن هو أن عصرنا "هو عصر الإنسان العادى، وليس عصر الملوك والأبطال الذين يخرجون على الطبيعة ويصنعون أشياء خارقة وغير عادية. وهذه حقيقة تنطبق علينا وعلى غيرنا من سكاّن هذا العالم. وفى الماضى بالطبع كان من العسير أن تكون حياة الرجل العادى مادة للشعر. فالحياة العادية كان معناها فى معظم الأحوال، الحياة التى لاشعر فيها"(129) أما الآن، فإن حياة الإنسان العـادى، مع تعقد الحياة، وتطور الحياة الإنسانية، صارت هى الغالبة على الواقع، وبالتالى صار الإنسان العادى - أو بمعنى أصح الإنسان المعاصر - بكل ما تحمل كلمة معاصرة من معان - هو الذى يتلقـى الشعر، ويبدعه فى نفس الوقت، وبالتالى صار ضروريا أن تتغير لغة الشعر لتصبح تعبيراً عن انفعالات هذا الإنسان المعاصر. وعن مجمل حياته وأحلامه ..
والجدير بالذكر أن الشعر، أو السياق الشعرى، هو الذى يمنح لغة الشعر خصوصيتها، أما المفردة، بحدّ ذاتها فهى موجودة تحمل معناها المألوف، والذى يجب على الشاعر أن يجعلها تحمل ما هو غير مألوف، أن تتجاوز المعنى المعجمى، سواء كانت كلمة فصيحة أو غير فصيحة.
والقصيدة الحرة، وشعراؤها دائماً، عندما اقتحموا مجال اللغة اليومية كانوا يمشون على هدى خطى "ت. س. اليوت T.S. Eliot" الشاعر الذى سوف نراه وقد وسم الشعر الحرّ بميسمه فى العديد من المجالات.
فقد ظهرت فى أشعاره، كلمات جديدة لم تكن تستخدم فى الشعر من قبل مثل : يحكّ ظهره، البالوعات، المستنقعات، يلعق بلسانه…. وغيرها فى (أغنية حب ج. الفريد يروفروك)
"الدخان الأصفر الذى يحك ظهره على زجاج النوافذ
الدخان الأصفر على زجاج النوافذ أيضاً
يلعق بلسانه فى أرجاء الليل
تسكع فوق المستنقعات الراكدة، فى البالوعات…."(130)
أو عندما يتحدث "برفروك" إلى نفسه فى نفس القصيدة قائلاً : 
"لأستدير وأهبط الدرج عائداً
بصلعة وسط رأسى
(سيقولون : إن شعره يتساقط بسرعه) 
معطغى الذى ألبسه فى الصباح، وياقتى المشرئبة إلى ذقنى
ورباط عنقى المتواضع الأنيق والمثبت بدبوس بسيط
سيقولون : ما أنحف ذراعيه وقدميه"(131)
إذْ نجد (صلعة، ياقة مشرئبة، رباط عنق، دبوس، ما أنحف ذراعيه). كما تتردد بعد ذلك فى نفس القصيدة كلمات مثل الشاى، والجونلات(132).
ولكن لـمْ تبلغ اللغة اليومية ذروتها إلا فى (الأرض الخراب) The Waste Land. فيبدأ الحديث عن أطقم الأسنان، والصيدلى، والإجهاض، وأقراص الدواء لتصل إلى ذروتها فى مشهد السكرتيرة التى عادت إلى منزلها وقت تناول الشاى، وهى تزيل بقايا الطعام، وقد أفرغت العلب المحفوظة، وقد تكومت على الأريكة جواربها وأخفافها وملابسها الداخلية والمشدات، ويصل إليها الشاب المعتلّ الذى يعمل نائباً (لكاتب فى (بنسيون)… إلى نهاية المشهد(133).
يقول صلاح عبد الصبور: 
"حين توقفت عند الشاعر "ت.س .أليوت" فى مطلع الشباب، لم تستوقفنى أفكاره أول الأمر بقدر ما استوقفتنى جسارته اللغوية، فقد كنا نحن ناشئة الشعراء نحرص على أن تكون لغتنا منتقاة ومنضدة، تخلو من أى كلمة فيها شبهة العامية أو الاستعمال الدارج"(134)
وهكذا اهتدى الشعراء "إلى إليوت، وأخذوا عنه هذه الجسارة اللغوية.
ولقد كانت المعضلة الأساسية التى تواجه "اليوت" هى معضلة التعبير عما لا يمكن التعبير عنه. إن ما يقلقه ويؤرقه هو الخوف والفشل الذى سقط فيه (هاملت) - على حد تعبيره - فيبتدع (المعادل الموضوعى) ويستخدم لغة الحياة اليومية بعد أن يضعها ضمن سياق يشحنها انفعاليا، أو يجعلها معادلاً للانفعال الذى يريد التعبير عنه. وقد نجح (اليوت) فى تحويل مسار القصيدة، وجعل اللغة اليومية أداة طيعة، ووسيلة إيجابية فى بناء لغة شعرية جديدة.
يقول "أحمد عبد المعطى حجازى" : 
"لقد ثرنا على اللغة الشعرية التقليدية لأنها تحولت إلى عملة ممسوخة زائفة لا تحمل أى معنى. وحين نادينا بالعودة إلى لغة الحياة اليـومية، لم يكن قصدنا أن ننظم بلغة أكثر شيوعاً أو قرباً من عامة الناس كما يخيل للبعض، إنما كان القصد أن نقلب مستويات اللغة كما يفعل الفلاح بمحراثه حين يقلب التربة قبل البذار. وفى اللغة خروج و خروج، هناك خروج المضطر العاجز قليل الحيلة، وهذا هو الخطأ والركاكة، وهناك خروج المتمكن الموهوب المتصرف، وهذا هو الخلق والإضافة"(135) 
يقول صلاح عبد الصبور فى قصيدة (الحزن) ـ ضمن ديوان الناس فى بلادى : 
يا صاحبى إنى حزين
طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهى الصباح
وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح
وغمست فى ماء القناعة خبز أيامى الكفاف
ورجعت بعد الظهر فى جيبى قروش
فشربت شاياً فى الطريق
ورتقت نعلى
ولعبت بالنرد الموزّع بين كفى والصديق
قل ساعة أو ساعتين
قل عشرة أو عشرتين
وضحكت من أسطورة حمقا يرددها الصديق
ودموع شحاذ صفيق(136)
فى هذه القصيدة تترد لأول مرة كلمات مثل قروش، شاى، رتقت نعلى، لعبت النرد، عشرة أو عشرتين…وهى كلمات لم تكن تستخدم من قبل فى الشعر.
وهنا نلاحظ أن "صلاح عبد الصبور"، مدين، فى مشكلة اللغة الشعرية، لـ "ت. س. اليوت". فمن خلال قصائده تعلم ما يسميه بالجسارة اللغوية، "فأخذ يتحرر من اللغة التقليدية إلى لغة الحياة اليومية، حيث راح يكسبها دلالات حية تعبر بجلاء عن المشهد الذى يتعرض له"(137)
وتعد قصيدة (شنق زهران) لصلاح عبد الصبور أيضاً من القصائد التى دخلت إليها لغة الحياة اليومية. لتكتسب مذاقاً جديداً فى سياق القصيدة : 
"كان يا ما كان أن زُفّت لزهران جميلهْ
كان يا ما كان أن أنجب زهران غلاماً… وغلاماً
كان يا ما كان أن مرّت لياليه الطويله
ونمتْ فى قلب زهران شجيره
ساقها سوداء من طين الحياه
فرعها أحمر كالنّار التى تحرق حقلاً
عندما مرّ بظهر السوق يوما
ذات يوم"(138).
فنلاحظ هنا إستخدامه لـ (كان يا ما كان) التى تستخدم فى القص الشعبى.
ويقول (نجيب سرور) فى بروتوكولات حكماء ريش : 
هذا عصر يهتك فيه الفأر
عرض الفيل!
فإذا أنكر
فالبينة على من أنكر
وعليه يمين الله
وهناك شهود الإثبات.
وشهود النفى
والنفى اليوم هو الإثبات
والإثبات النفى
والإجماع انعقد على التزوير
فى الأعراض ..
كتب الصمت على الأفيال
من اجيال
عاش الفأر الزير
عاش الفأر
إن الفيل أقرّ
فلتمرح فى الأرض الفئران
هذا عام الفيل(139)
ويقول فى موضع آخر : 
(يا بو الريش ان شالله تعيش) (140)
وأيضاً: 
يا أيها المومس من رهط يهوذا
يا ذات الشعر (الآلاجرسون)
يا كمية لحم عبّئ فى السروال الضيق"(141)
ولقد ترددت كثيراً الكلمات الدارجة، والأمثلة الشعبية فى شعر "نجيب سرور" فمثلاً نجد هنا كلمات وتعبيرات مثل : 
(البينة على من أنكر ، وعليه يمين الله، يا بو الريش ان شالله تعيش، المومس ـ الآلاجرسون ـ السروال…. الخ)
وهى لم تكن تأتى فى شعر أنصار المدرسة الرومانتيكيةأو الكلاسيكية. وقد ترددت مثل هذه العبارات، وغيرها مما تندرج تحت اللغة اليومية عند "كمال عمار"، و"أحمد عيد المعطى حجازى"، و"أمل دنقل"، و"مجاهد عبد المنعم مجاهد"،وغيرهم.
يقول "كمال عمار" : 
"ماذا يهم أن نقول أو نعيد
فلننس كل ما حدث
ولنفترق كأصدقاء"(142)
وكذلك قوله : 
"لست الذى بدأ
كتمتُ ما فى الصدرْ
مددت حبل الصبرْ
وقلت : ليلة وتنتهى بأى حال"(143)
أو يقول فى (غريب فى بيروت) ـ ضمن ديوان (صياد الوهم) 
"ميدان البرج
والباص القادم من عند (الحمام)
مغسولاً بالنسمات الصيفية
يمشى يتعثر فى أمواج زحامْ
وتلال كلامْ
وشجار دام لبضع دقائق ثم انفض
ويمين يجرى دمه فوق الأرض
كرما لعيونك ياليرات
لا بأس على ميدان البرج"(144)
فنلاحظ هنا ـ فى المقاطع التى اخترناها ـ كلمات وتعبيرات مثل : (ماذا يهم أن نقول أونعيد، ليلة وتنتهى بأى حال، الباص، الحمام، كِرْماً لعيونك ياليرات).
وهى كلمات أو تعبيرات من اللغة العادية، ووضعت فى سياق شعرى.
يقول "مجاهد عبد المنعم مجاهد" فى قصيدته "عندما تحب فتاة مصرية". من ديوانه (أغنيات مصرية).
"أمّاه .. لقد كنتُ هناك
قرب الجسْر ..
أتمشى فى ذهب العصر
قد كنت أفكر يا أمّى :
فأنا من منذ ليال قمرية
وشوشت الودعا
وفتحت الرملا
ولقد قالت لى الغجرية :
سيجئ إلىّ من الشرق
شاب أسمر
وعليه وسامه
وسيأخذنى كالجنّيه
ولسوف يقضى أيّامه
فى حنّيه
ولسوف يعدل أيامى
.. قد قالت لى الغجرية
يا أمّى شيئاً سحريا
وأنا يا امى قرب الجسر
أتمشى فى ذهب العصر
…………….
…………….
إن جاء غدا .. بالله غدا
قولى مبروك
أفلا يكفى أن يحمل يا أمى قلبا
قلبا ذهبيا يا أمى"(145).
وهنا نجد أن الشاعر قد تطّرق إلى موضوع شعبى، ولذا فإنه رأى أن يصوغ قصيدته فى لغة منزوعة من الواقع اليومى. فنجده يستخدم العصر (لا الأصيل) لتكون أقرب إلى روح الفتاة المصرية التى تؤمن بالخرافات، وتعيش حياة بسيطة كذلك يأتى كلمات مثل: (وشـوشت الودعا) و (فتحت الرملا) الغجرية .. كالجنية.. فى حنية (وليس فى حنان) .. قولى مبروك ..وغيرها فى القصيدة لتكون مناسبة لموضع القصيدة والمناخ الذى يشيعه الموضوع. وهى فى مواضعها تلك تعدّ أكثر شاعرية مما لو اتخذ كلمات مرادفة لها، ولكن معجمية.
وكذلك عبر الكثير من الشعراء ـ الذين لم نذكرهم ـ من خلال استعمال اللغة العادية عن مضامين شعرية، استطاعوا بما أوتوا من قدرة على شحن العبارات العادية، أو وضعها فى سياق مناسب أن يقدموا لغة جديدة. وإن كان الأمر لم ينج من بعض المبالغات من الشعراء، الذين استخدموا اللغة العادية دون أن يحسنوا استخدامها.
وهكذا فإن اللغة الشعرية، تستخدم كلمات الحديث العادى أو النثرى، وليست بجاجة إلى كلمات منتقاة منضدة، ذلك أن الكلمات تكون شعرية أو غير شعرية وفقاً للسياق الذى توضع فيه، والغرض الذى من اجله استخدمت هذه الكلمات أو تلك وغيرها من أسباب ذكرناها فيما سبق.
لم يكن موقف الشاعر من اللغة ناتجاً عن عجز فى استخدام البلاغة القديمة، وإلا كان شعره ضعيفا وركيكاً، وإنما كان محاولة لتأسيس بلاغة جديدة لصيقة بالواقع والحياة اليومية، خاصة بعد أن صار الشعر أكثر تعبيراً عن الحياة، ودخلت المشكلات التى كانت مألوفة، وعادية إلى مجاله)، وصارت العلاقة بين الشاعر وجمهوره تختلف عن ذلك الموقف القديم، الذى كان فيه الشاعر يخاطب الملوك والأبطال، أو يكتب بلغة سرّية خاصة، أو يعبر عن خلجات نفسه بشكل ذاتى مغلق .. لقد صار الشاعر واحداً من الناس العاديين، فاقتربت لغته منهم، كما أصبح الشاعر يعبر عن الحياة بكل ما فيها من مألوف، وعادى ومبتذل، ولا يحسّ بأنه ينزل بالشعر من أبراجه العاجية.. بل صار هو والشعر يمشيان على قدمين على الأرض بين الناس، ويجولان الأسواق، ويشرب الشاعر من مشاربهم ويعيش حياتهم، فقد تغيّرت الحياة وتغير الشاعر، وبالتالى تغيّرت وتطوّرت لغته.
 د. رمضان الصباغ - استاذ علم الجمال بكلية الآداب جامعة سوهاج
الهوامش 
(1) الأسعد، محمد : بحث عن الحداثة - نقد الوعى النقدى فى تجربة الشعر العربى المعاصر - مؤسسة الأبحاث العربية - ط1- 1986 - ص 61
(2) هويسمان، دنيس : علم الجمال - ترجة ظافر الحسن - منشورات عويدات - (بيروت - باريس) - ط الرابعة - 1983 - ص 69
(3) قاسم، عدنان حسين : التصوير الشعرى - المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان - ط1 - 1980 - طرابلس - ص 18
(4) برتيلمى، جان : بحث فى علم الجمال - ترجمة أنور عبد العزيز - مراجعة نظمى لوقا - دار نهضة مصر - القاهرة - د.ت. - ص ص 100، 101
(5) هاملتـون، ر. : الشعر والتأمل، ترجمة محمد مصطفى بدوى، مراجعة سهير القلماوى - المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والنشر - القاهرة - د.ت. - ص 11
(6) مكليـش، أرشيبالد : الشعر والتجربة - ترجمة سلمى الخضراء الجيوسى - مراجعة توفيق صايغ - الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة - ابريل - 1966 - ص 9
(7) راجع المصدر السابق - ص ص 9، 10
(8) نفس المصدر - ص 10
(9) نفس المصدر - ص ص 10، 11
(10) قاسم، عدنان حسين : مصدر سابق - ص 19
(11) Poe, E . A . : The Poetic Principle in Complete Tales and Poems, P . P . 893 - 894. 
عن هـلال، محمد غنيمى : النقد الأدبى الحديث - دار العودة - بيروت 1986 - ص 383
(12) Pope, E.A. : Trois Manifestes, trad, par, R. Lalou, Paris. 1946. P. 58
عن المصدر السابق - ص 383 
(13) Spender, Stephen : The Making of a Poem, London, 1955, PP. 46 - 52
عن المصدر السابق - ص 384
(14) Bradley, A.C. : Oxford Lectures on Poetry, P. 5
عن : هاملتون، ر : مصدر سابق - ص 133
(15) راجع هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 133
(16) نفس المصدر - ص ص 135، 136
(17) سـويف، مصطفى : الأسس النفسية للابداع الفنى - فى الشعر خاصة - دار المعارف بمصر - القاهرة - 1959 - ص 270
(18) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 139
(19) المصدر السابق - ص ص 138- 141
(20) نفس المصدر - ص ص 146 ، 147. 
(21) الربيعـى، محمود : فى نقد الشعر - دار المعارف بمصر - ط4 - القاهرة 1977 - ص 95
(22) راجع نفس المصدر - ص 95
(23) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 150
(24) المصدر السابق - ص ص 159، 160
(25) الجـابرى، مسلم : فعل الشعر - مجلة الأقلام العراقية - ع 12 السنة 12 أيلول (سبتمبر) 1977 - وزارة الاعلام والثقافة - بغداد - 1977 - ص 26
(26) برتيلمى، جان : مصدر سابق - ص 102
(27) راجع المصدر السابق - ص 106
(28) الجابرى، مسلم : مصدر سابق - ص 26
(29) هاملتون، ر . : مصدر سابق - ص 26.
(30) Longman, L . D .: The Concept of Physical Distance (Jarusnal of Aesthetics and Art Criticism), VI (1974) P. 32. 
عن ستولينتز، جيروم : النقد الفنى - ترجمة فؤاد زكريا - الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط2 - القاهرة - 1981 - ص 44
(31) راجع نفس المصدر - ص 44
(32) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 106
(33) نفس المصدر - ص 107.
(34) نفس المصدر - ص 107
(35) Hospers. J : Problems of Aesthetics, in Enc. Of Philosophy, Free press, New york, P. 37
(36) هاملتون : مصدر سابق - ص 108
(37) ريتشـاردز، أ.أ. : العلم والشعر - ترجمة مصطفى بدوى، مراجعة سهير القلماوى - الأنجلو المصرية - القاهرة - د.ت - ص ص 32، 33
(38) نفس المصدر - ص 49
(39) نفس المصدر - ص ص 49 - 50.
(40) ستولنيتز، ج : مصدر سابق - ص 46
(41) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 108
يكتـب (أرنولد هاوزر) فى معرض مناقشته لآراء التحليل النفسى حول الفن واللاشعور والمرض والحلم :
"تتم عملية ابداع الأثر الفنى إلى حدّ بعيد للغاية فى ضوء الوعى التام وتحت الرقابة الدائمة للفنان الذى يشرع فى عمله غالبا بموضوع قد اختاره اختيارا عامداً ويظل على الجملة واعيا بما يحدث له فى معرض تطويره وتنميته، ولا يستلزم دراسة هذه العملية، بوصفها عملية عقلية شعورية عرضية منهج التحليل النفسى بل إنها لا تسمح بتطبيقه. فهى ليست موضوعا لعلم نفس الأعماق. ومع ذلك فإن كل شىء يصدق عليه القول بأنه ومضة فكر أو خاطر طـارىء، أو ذلك الذى يدعوه الفرنسيون بلفظ Trouvaille ويطلق عليه الألمان لفظ Ein Fall والذى يحسّ الفنان نفسه بأنه أقرب الى أن يكون لقية أو هبة منه إلى نتاج جهـده المشعور به واختيـاره العمدى، يتعذر تفسيره بالإحالة إلى علم النفس الذى يقتصر على دراسة الظواهر العقلية المشعور بها. وهذا الجانب وحده دون غيره من عملية الإبداع الفنى هو الذى يبرر منهج التحليل النفـسى ويعود عليه بالجزاء الحسن وانه لينبثق على هيئة نشاط تلقائي لا إرادي وغيـر عمدى من مصادر كامنة فى العقل تعتبر مجهولة بعيدة الغور بالنسبة للفنان ذاته، هذه المصادر التى يُبرز وجودها غير الملحوظ مُدرك (فرويـد) حول اللاشعور. وان دلالة التحليل النفسى بوصفه نظرية فى الفن إنما يتوقف على أهمية المادة الواردة من هذه المصادر".
راجـع : هاوزر، أرنولد : فلسفة تاريخ الفن - ترجمة رمزى جرجس عبده - مراجعة زكى نجيب محمود - الهيئة العامة للكتب والأجهزة العلمية بوزارة التعليم العالى - القاهرة - د.ت - ص 97
(42) هاوزر، أرنولد : فلسفة تاريخ الفن - مصدر سابق - ص 98
(43) نفس المصدر - ص ص 99، 100
(44) تفس المصدر - ص 100.
(45) نفس المصدر - ص ص 101 ، 102.
(46) نفس المصدر - ص ص 108 ، 109.
(47) هاملتون - مصدر سابق - ص 110
(48) نفس المصدر - ص 111
(49) حجـازى، أحمد عبد المعطى : قصيدة "كان لى قلب" - ضمن ديوان أحمد عبد المعطى حجازى - دار العودة - ط2 - بيروت 1982 - ص 106
(50) Hospers : op. Cit. P. 38
(51) ستولينتز، ج : مصدر سابق - ص 53
(52) Ducasse, C. : The philosophy of Art, Dover Publication, New York, 1966, P. 148
(53) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص ص 114، 115
(54) نفس المصدر - ص 115
(55) راجع المصدر السابق - ص 116 
وأيضا ستولينتز، ج : مصدر سابق - ص ص 61، 62
(56) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 41
(57) نفس المصدر - ص 43
(58) See: Bergson, H.: Time and Free Will, Tr. By F. L. Pogson From Essair Sur Less Données Immediates de La Concience) P. 164.
عن المصدر السابق - ص 45.
(59) راجع نفس المصدر - ص ص 53، 54
(60) ستولينتز، ج : مصدر سابق - ص 96
(61) عبد الصبور، صلاح : الأعمال الكاملة (الدواوين الشعرية) - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1993 - ص ص 419 - 425 - فى الفصل الخامس عن هذا الكتاب دراسة مفصّلة للقصيدة.
(62) هاملتون، ر. : مصدر سابق - ص 16
(63) نفس المصدر - ص 17
(64) ستولينيتز، ج : مصدر سابق - ص 110
(65) الأسعد، محمد : بحثاً عن الحداثة - مصدر سابق - ص 86
(66) المصدر السابق - نفس الصفحة، وأيضا الهوامش 25، 26، 27 - ص ص 100، 101 من نفس الكتاب.
(67) سعيد، خالدة : الحداثة أو عقدة جلجامش - مجلة مواقف ع 51، 52 - خريف وصيف 1984 - بيروت - ص 31
(68) الأسعد، محمد : بحثاً عن الحداثة - مصدر سابق - ص 87
(69) المصدر السابق - ص 87
(70) المصدر السابق - ص 87
(71) أن المعضلة التى تظل باقية أبدا هى، ما هو الشعرى؟ وما هو غير الشعـرى؟ فالإجابة على هذا تفتح أبوابا لن توصد أبدا، وسوف تتباين الآراء تباينا كبيرا حول ما هو شعرى وما هو غير شعورى وذلك بتباين المدارس والانتماءات المعرفية والأيديولوجية، والرؤى، وتباين الأشخاص .. الخ ولـذا فإننـا نترك القارئ يستنتج وجهة نظرنا - فى هذا الشأن - من خلال هذا الكتاب - كما يمكن مراجعة الفصل الأول، لمعرفة بعض الآراء فى هذا الشأن.
(72) الفـارابى، أبو النصر : كتاب الحروف تحقيق محسن مهدى - دار الشرق - بيروت 1970 - ص 77
عـن : المسدى، عبد السلام : التفكير اللسانى فى الحضارة العربية - الدار العربية للكتاب - (طرابلس - تونس) - 1981 - ص ص 47، 48
(73) التوحيدى، أبو حيان : الإمتاع والمؤانسة - تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين نشر المكتبة العصرية - بيروت - صيدا - 1953 - ح1 - ص 12
أيضا : التوحيدى، أبو حيان & وابن مسكويه، أبو على : الهوامل والشوامل، نشر أحمد أمين والسيد أحمد صفر - القاهرة - 1951 - ص 7 "وابن جنى" أبو الفتح عثمان: الخصائص - تحقيق محمد على النجار - دار الهدى للطباعة والنشر - ط2 - بيروت (عن طبعة دار الكتب المصرية - 1952) - 3ج - د . ت. عن (المسدى، عبد السلام : التفكير اللسانى فى الحضارة العربية - مصدر سابق - ص ص 48، 49)
(74) المسدى، عبد السلام : اللسانيات وأسسها المعرفية - الدار التونسية للنشر - المؤسسة الوطنية للكتاب (تونس - الجزائر) - د.ت - ص 36
(75) المصدر السابق - ص 36
(76) حكيم، راضى : اللغة وحدودها - مجلة الأقلام - ع 5 مايو 1984 - وزارة الثقافة والاعلام - بغداد - 1984 - ص 30
(77) جونسون، بارتون : دراسة يورى لوتمان البنيوية للشعر - ضمن مداخل الشعر - ترجمة أمينة رشيد، سيد البحراوى - الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة - مايو 1996 - ص 79
(78) حكيم، راضى : مصدر سابق - ص 30
(79) محمـود، زكى نجيب : المنطق الوضعى - مكتبة الأنجلو المصرية - ط5 - القاهرة 1973 - ص 13
(80) نفس المصدر - ص 18
(81) المسدى، عبد السلام : اللسانيات وأسسها المعرفية - مصدر سابق - ص31
(82) جونسون، بارتون : مصدر سابق - ص 80
(83) Langer, S. K. : Philophical Sketches, 1962, P. 88
عن : حكيم، راضى : مصدر السابق - ص 30
(84) عن المصدر السابق - ص 30
(85) فوكوه، ميشيل : الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدى وآخرين - مركز الإنماء القومى - بيروت - 1990 - ص 242
(86) السـايح، أحمد عبد الرحيم : مقال (اللغة الإنسانية) مجلة اللسان العربى - المجلد التاسع - الجزء الأول - يناير 1972
عن : الأسعد، محمد : مقالة فى اللغة الشعرية - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - ط1 - بيروت - 1980 - ص 15
(87) جونسون، بارتون : مصدر سابق - ص 81
(88) نفس المصدر - ص ص 81، 82
(89) فيشر، إرنست : ضرورة الفن - ترجمة أسعد حليم - الهيئة المصرية للكتاب - القاهرة 1971 - ص 220
(90) نفس المصدر - ص 220
(91) نفس المصدر - ص 220
(92) نفس المصدر - ص 221
(93) سعيد، خالدة : مصدر سابق - ص 45
(94) الرؤيا الإبداعية، مجموعة مقالات جمعها هانل بلوك وهرمان سالنجر، ترجمة أسعد حليم - الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالى - القاهرة 1966 -عن : الأسعد، محمد : مقالة اللغة الشعرية - ص 17
(95) فوكوه، ميشيل : الكلمات والأشياء - مصدر سابق - ص 250
(96) المصدر السابق - ص 250 وأيضا راجع الهامش (2) نفس الصفحة
(97) نفس المصدر - ص 50
(98) باختين، ميخائيل : القول فى الحياة والقول فى الشعر - مساهمة فى علم شعر اجتماعى - ضمن (مداخل الشعر) - مصدر سابق - ص 46
(99) Cohen, Jean : Structure du Langae Poetique - Paris, 1966 Trad Madid 1973, P. 164
عن : فضل، صلاح : نظرية البنائية فى النقد الأدبى - مكتبة الأنجلو المصرية - د.ت. - ص 381
(100) الأسعد، محمد : مقالة فى اللغة الشعرية - مصدر سابق - ص 24
(101) نفس المصدر - ص 27
(102) موكاروفسكى، يـان : اللغة المعيارية واللغة الشعرية - ترجمة ألفت كمال الروبى - مجلة فصول - المجلد الخامس - ع1 - (اكتوبر - نوفمبر - ديسمـبر) - 1984 - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1984 - ص 41
(103) نفس المصدر - ص ص 43، 45
(104) راجـع : تودوروف، تزفيتان : نقد النقد - ترجمة سامى سويدان - مراجعة ليليان سويدان - دار الشئون الثقافية العامة - ط2 - بغداد 1986 - ص 24
(105) عن نفس المصدر - ص 24
(106) نفس المصدر - ص 25
(107) شكلوفسكـى، ف : عن الشعر واللغة غير العقلانية - ترجمة مكارم الغمر - فصول - المجلد 10، العددان 3، 4 - يناير 1992 - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1992 - ص 91
(108) راجع : تودوروف، ت : مصدر سابق - ص 26 - والرأى هنا لجاكويسون
(109) شكلوفسكى، ف : مصدر سابق - ص 94
(110) نفس المصدر - ص 96
(111) راجع : Schelling : Philosophe der Kunst
(فلسفة الفن) - ص ص 235، 236
عن : تودوروف، ت : مصدر سابق - ص 29
(112) راجع : تودوروف، ت : مصدر سابق - ص 29
(113) الأسعد، محمد : مقالة فى اللغة الشعرية - مصدر سابق - ص 39
وأيضا : ديشان ، هوبير : الديانات فى أفريقيا السوداء - ترجمة أحمد حمدى محمود - دار الكتاب المصرى - 1996.
(114) تشيتشرين، أ.ف : الأفكار والأسلوب - ترجمة حياة شرارة - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد - د.ت. - ص ص 43، 45
(115) نفس المصدر - ص 45.
(116) كوين، جون : مصدر سابق - ص 101
(117) نفس المصدر - ص 101
(118) بارت، رولان : درجة الصفر للكتابة - ترجمة محمد برادة - دار الطليعة للطباعة والنشر - ط1 - بيروت - أكتوبر 1981 - ص 58
(119) نفس المصدر - ص 58
(120) نفس المصدر - ص 59
(121) راجع نفس المصدر - ص ص 58 - 63
(122) راجع نفس المصدر - ص 63
(123) نفس المصدر - ص 64
(124) نفس المصدر - ص 65
(125) نفس المصدر - ص 65
(126) النقـاش ، رجاء : ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء - دار سعاد الصباح - ط1 - القاهرة - الكويت) - 1992 - ص 66.
(127) العبـد، محمد، سمات أسلوبية فى شعر صلاح عبد الصبور ، فصول ـ المجلد السابع، العددان الأول والثانى ـ اكتوبر / مارس 1987 ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 1987 ـ ص99.
(128) حجازى، أحمد عبد المعطى : الخروج من الأسطورة ـ الهلال ـ ديسمبر 1985 ـ دار الهلال ـ القاهرة ـ 1985 ـ ص73.
(129) النقاش ، رجاء : مصدر سابق - ص 67.
(130) Eliot, T.S : The Complete poems and plays, 1919 1950 - Harcount, Brace& World, Inc, N.Y. 1971, P.4
(131) Ibid : P.4
(132) Ibid : P.6
(133) راجع قصيدة الأرض الخراب ـ جـ3 ـ (عظة النار) (The Fire Serom) عن: Ibid. P.P. 40. عن : I bid P.P.40، وقد جاءت ترجمة هذا الجزء فى كتابنا : فى التفسير الأخلاقى والاجتماعى للفن ـ دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع ـ الاسكندرية ـ 1988 ، ص ص 216 ـ 18).
(134) عبد الصبور، صلاح : الأعمال الكاملة - حياتى فى الشعر ـ مصدر سابق ـ ص129
(135) حجازى، أحمد عبد المعطى : الخروج من الأسطورة ـ مصدر سابق ـ ص ص 73،74
(136) عبد الصبور، صلاح : الأعمال الكاملة حياتى فى الشعر ـ الدواوين ـ مصدر سابق ـ ص229
(137) ( المهنا، عبد الله أحمد : الحداثة وبعض العناصر المحدثة للقصيدة العربية المعاصرة ـ عالم الفكر ـ الكويت (اكتوبر ـ توفمبر ـ ديسمبر 1981) ص21.
(138) عبد الصبور، صلاح : حياتى فى الشعر - الدواوين - ديوان الناس فى بلادى - مصدر سابق ـ ص197.
(139) سرور ، نجيب : بروتوكولات حكماء ريش ـ مكتبة مدبولى ـ القاهرة 1977ص ص43 ، 44.
(140) نفس المصدر ـ ص57.
(141) نفس المصدر ـ ص30
(142) عمار، كمال : أنهار الملح ـ دار الكاتب العربى للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ 1968 ـ ص50.
(143) فى نفس المصدر ـ ص114
(144) عمـار، كمال : صياد الوهم ـ الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ـ القاهرة ـ 1971 ـ ص22.
(145) مجاهد، مجاهد عبد المنعم: أغنيات مصرية - دار ممفيس للطباء - القاهرة - د. ت - ص ص 21 ، 24. 

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال