فيلم المرأة الخارقة

دار في الأيام السابقة جدلٌ في العالم العربي حول منع فيلم “Wonderwoman – المرأة الخارقة” لبطلته الإسرائيلية غال غادوت من العرض،و قد استجابت ثلاثة دول عربية هي لبنان و تونس و قطر لضغوطات ناشطي/ات حركة مقاطعة إسرائيل BDS، و منعته فعلاً من العرض، في حين لم تستجب كلٌ من الإمارات و البحرين و الأردن.
أما فيما يتعلق بأسباب منع الفيلم من العرض، فأبرزها هو كون بطلته الرئيسية غال غادوت إسرائيلية و مجنّدة سابقة في جيش الاحتلال، شاركت في الحرب على لبنان في العام 2006، و صهيونية متطرّفة صلّت لقتل النساء و الأطفال أثناء الحرب على غزة (2014).
و في خضّم الجدل المطروح حول منع الفيلم من العرض،دار نقاش حاد على صفحة تختص بالنسْويّة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، و كانت الصفحة قد نشرت مقالاً مترجماً عن الانجليزية عما دار في لبنان بدايةً من ضغط ناشطي/ات حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان على وزارة الاقتصاد و التّجارة اللبنانية، التي ضغطت بدورها على وزارة الداخلية وصولاً إلى إصدار قرار بمنع عرض الفيلم.
وفي الحقيقة فإن أخطر ما يسترعيالانتباه هو انتقادات وجهها بعض النسويين/ات لقرار المنع من باب أنه يصب فيما أسموه”بالإرهاب الثقافي” و “الحجر على الحريات” من جهة،وأنه من غير المنطقي مقاطعة كل فيلم بطله ذكوري،شيعي،مسلم، أو أي شخص لا يتوافق معنا فكرياً أو دينياً من جهة أخرى.
و رغم أنني لم أعد أتفاجأ بالحجج الواهية التي يسوقها غيرُ المتابعين لحركة المقاطعة، إلا أن صدور هذه الآراء من نسويين/ات هو الحافز خلف كتابة هذه المقالة، فمما لا شك فيه أن الحركة النسوية مرّت بسلسلة تطورات جعلتها تتعدّى كونها مجرد أيديولوجيا إلى مشاركتها الفعلية في  الممارسات السياسية و الاجتماعية . فارتفع صوت النّسوية التي تنادي بتحرير الإنسان بشكل لا ينفصل عن المطالبة بتحرير المرأة ، حيث أنه من غير المنطقي المطالبة بالمساواة و التّحرر من قيود الذكورية في منطقة يعاني الإنسان فيها بشكل عام من العنف و القهر و الاضطهاد ( الكولونيالي منه بالذات.)
وكانت احدى مدارس الحركة النسوية والمعروفة باسم نسوية الجنوب أو النسوية ما-بعد الكولونيالية قد اهتمت بالربط بين الذكورية من جهة،و الاستعمار و العنصرية من جهة أخرى.وانتقدت هذه المدرسة سلوك المرأة النسوية في الشمال بأنها تصدّر مشاكل المرأة المرفهة على أنها مشاكل المرأة بصورة عامة، وأنها تسيئ لنساء الجنوب بتصويرهن ضحايا سلبيات.
و يقول سماح إدريس رئيس تحرير مجلة الآداب اللبنانية و عضو حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان في افتتاحية الآداب الصادرة بتاريخ21 يونيو 2017: ” ــــ بغضّ النظر عن أنّ غال غادوت، تحديدًا، ليست محضَ “ممثّلة” بل هي بطلةُ الفيلم الممنوع، فإنّها ليست كذلك مجرّدَ “ممثّلة” (actress) بالمعنى التقنيّ المهنيّ فحسب، بل هي كذلك بالمعنى “التمثيليّ” (representative) الأعمقِ أيضًا. طالعوا ما تكتبُه عنها صحافةُ العدوّ: إنّها رمزٌ “للجمال” الإسرائيليّ (فهي ملكةُ جمال الكيان سنة 2004)، ورمزٌ للقوّة الخارقة، ورمزٌ للإنسانيّة، وللنسويّة، وللتحرّرِ الجنسانيّ أيضًا. “
و عليه فإننا نرفض نظرة نسوية صهيونية مثل غال غادوت لنا كنسويات مضطهدات من الصهيونية أيضاً و نسعى للخلاص منها، بمعنى آخر أن النضال ضد الصهيونية مطلوب من النسويين/ات أكثر من غيرهم/ن .و من واجبنا كنسويات نعيش في العالم العربي الذي لا تزال تسيطر عليه الأنظمة غير الديمقراطية، و تتحكم فيه السلطة الذكورية الأبوية، أن نناضل في مسيرة تحرّرنا، ضد الصهيونية وضد سلوك نسويات متطرفات مثل غال غادوت، مَن هتفت لقتل نساء غزة اللاتي راح منهن 302 شهيدة و 2101 جريحة ضحايا للعنف الإجرامي الإسرائيلي.
و تجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة لا تتعارض مع الأهداف الرئيسية الثلاث التي تنادي بها حركة مقاطعة إسرائيل BDS من حرية و عدالة و مساواة، و برأيي فإن ناشط/ة حقوق الإنسان المبدأي/ة و الموضوعي/ة لا يمكنه/ا الفصل بين التزامه/ا بمقاطعة إسرائيل العنصرية إلى أن تستجيب للقانون الدولي و تتوقف عن ممارساتها العنصرية كنظام اضطهاد مركّب فريد من نوعه في زمننا هذا، وبين مطالبته/ا بجميع حقوق الفئات المضطهدة في العالم و من بينها المرأة!
و هذا لا يتعارض مع رؤية الكثير من  النسويين/ات من حول العالم ، بأن النّسوية النّقدية تهدف في يومنا هذا إلى تخطّي كل الحواجز المبنية على أساس العرق، المرتبة الاجتماعية ، الثقافة، و الدين. و هذا بالضبط ما تمارسه الصهيونية من سياسة احتلال، واستعمار استيطاني، و فصل عنصري بين كل من وُلد لأم يهودية و سواه! وبناءً عليه فإن الصهيونية تشكل نقيضاً جوهرياً للنسوية كونها، أي الصهيونية، حركة أيديولوجية إقصائية بامتياز.
و لمن يستهين بفكرة مقاطعة فيلم، عليه أن يعي أن تمرير فكرة تقبّل فيلم بطلته إسرائيلية  متطرفة، هو مقدمة خطيرةلتطويع الوعي العربي نحو قبول فكرة الصهيونية و تطبيع العلاقات مع إسرائيل على كافة الأصعدة ، إسرائيل الواعية جداً بدور الفن و الثقافة ليس فقط في تسهيل اندماجها و شرعنة وجودها كنظام أبارثهيد، بل في تقديم صورتها على أنها الوجه المضيء للفن و الجمال و الثقافة و الحرية في “غابة الشرق الأوسط الهمجي،الذكوري، الرجعي ،الديكتاتوري” أيضا .و هذا بالضبط ما تقوم به حملة الهسبراة التي أطلقتها وزارة الخارجية الإسرائيلية و تبعتها وزارة الأمن الداخلي والشؤون الاستراتيجية كخطوة لمحاربة المقاطعة .
أما من يجادل من النسويين/ات بأن في المنع تعدي على الحريات الفكرية، فهو يعرف أكثر من غيره أهمية الحشد الفكري، و أن النسوية بالذات ما هي إلا نتاج وعي جمعي. و يركز باولو فيراري في كتابه الشهير “تعليم المقهورين” على أهمية نظرية  العمل الحواري: “ففي نظرية العمل الحواري ليست هنالك مرحلة يستغني فيها العمل الثوري عن الاتصال بالجماهير ” و يقول في سياقٍ آخر : ” بينما يلجأ المتسلطون في نظرية العمل اللاحواري إلى سياسة فرّق تسد من أجل إحكام القهر فإن دور القادة في نظرية العمل الحواري يحتم عليهم أن يعملوا دون كلل لتحقيق الوحدة بين المقهورين من جهة و بينهم و بين الناس من جهة أخرى ، و ذلك من أجل أن يتمكنوا من تحقيق هدف التحرير.”
و منهنا، و كفلسطينية لاجئة في قطاع غزة المحاصر، فإنني أرى أنه لا يمكنني أن أكون نسوية، دون أن تكون مناهضة الصهيونية على رأس أولويات مبادئي في الحياة.بالضبط
مثل المبادئ التي ناضل من أجلهارموز النضال النسويفي العالم العربي ، جميلة بو حيرد و ليلى خالد و فاطمة المرنيسي, و أفريقيا, أمينة  ماما, و الهند, مثل أروندهاتي روي,  وحتى أوروبا, مثلروزا لوكسمبورج. و أمريكا,جوديثبتلر.
رفقة العميا

Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال