حراك الريف وديناميات التغيير بالمغرب

حركية المياه الراكدة : 
لم يعد هناك أدنى شك بأن "حراك الريف " خلق دينامية قوية وغير مسبوقة فوق الركح المغربي برمته . بما خلفه من تفاعلات جعلت المغرب يحظى بالاهتمام غير المسبوق في الإعلام الدولي والالكتروني داخليا وخارجيا .ويفصح عن الكثير من أسراره و خفاياه المتعلقة بمجال الثروة و السلطة وتدبير الحكم .
وبهذا انقشعت الغشاوة عن أعين المحكومين وارتفع منسوب الوعي داخل تلك الفئات التي تفننت علوم "التجهيل و التمييع لعقود متتالية في تضبيعها و عزلها عن الاهتمام بقضاياها المصيرية المتعلقة بالشأن العام .
واسترجعت الفئات المحبطة من خمود حركية 20 فبراير والالتفاف عليها بدستور ممنوح وحكومة محكومة حماستها لتساهم في انتشار الحراك جغرافيا وفئويا بما أوتيت من وسائل تنظيمية في الميدان .
و يمكن القول بأن حراك الريف الحالي والناتج شكليا عن طحن سماك سلب منه سمكه ، ماهو إلا امتداد طبيعي لحركة 20 فبراير 
المجيدة من حيث نوعية المطالب التي وجدت في تاريخ المنطقة وهويتها الأمازيغية وشموخ اجدادها ما يؤجج القاعدة المطلبية ويمدها بزخم هوياتي يدعم روح التماسك ويلحم ارتباطها بالجذور الضاربة في عمق التاريخ .
من هنا بزغت رمزية المقاوم الكبير عبد الكريم الخطابي وانتصبت صوره و أعلامه وسط الحشود المحتجة معبرة عن عناد احفاده واصرارهم على ملف مطلبي تشكل العزة والكرامة ركيزته الاساسية ,
ولأن عبد الكريم الخطابي أكبر من أن يقزم لشيخ قبيلة لها حدود جغرافية وهمية بإرثه النضالي الشامخ والعابر للقارات انخرط باقي المغاربة في هذا الزخم عربا وأمازيغ معبرين عن هويتهم المتعددة والموحدة بوحدة الوطن والمشروع الديموقراطي والحقوقي الذي من شأنه ضمان الانتماء لإنسانية القرن الواحد والعشرين تحت يافطة العدالة والكرامة والإنصاف وفق منظومة حقوق الانسان كما تقرها المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب وأقرها في أكثر من مناسبة . 
وهكذا ارتفعت الأصوات مثل الهدير مطالبة بما تعتبره حقوقا لمواطنة موقوفة التنفيذ صراخا وكتابة وغناء ،حشودا أو جماعات أو فرادى 
عبر المدن الكبرى أو القرى أو على قمم الجبال الشامخة أو فرادى عبر وسائط الاتصال الحديثة .
ذلك أن كل الفئات تملكت سلطة الكلام 
لتبوح عبر صبيب الانترنيت بتظلماتها ومطالبها وتطلعاتها للمعنيين بالأمر .أو بوجهات نظرها حول الشأن العام فتتدفق المعطيات والتحاليل والآراء ويغدو المجهول معروفا فيتبلور 
راي عام يتجاوز اطار المتحكم فيه باحثا عن فرصة للتعبير عن ذاته داخل المسيرات والتظاهرات الاحتجاجية المنظمة منها او العفوية 
شبابا و شيوخا ، رجالا ونساء وحتى اطفالا ,,,,داخل المغرب أو خارجه .
الانترنيت ودمقرطة التواصل :
لقد نجحت ثورة المعلوميات فعليا وعمليا في دمقرطة التواصل سواء من حيث انتشار الافكار والآرٍاء والمعلومات أو من حيث توسيع و إتاحة أكبر الفرص وأسرعها في مجال التعبير والتنظيم الفردي منه والجماهيري .وبهذا سحبت البساط من تحت أحذية المستبدين لتتركهم فقط مع افواه اعلامه الموجه تضلل به عقول متتبعيه السذج والمغلوب عن امرهم كذبا وبهتانا. يلوكون 
وعودهم العقيمة أو القاصرة تنفيذيا في أحسن الأحوال . 
من خلال مؤسساته المنخورة بصراعاتها اللامتناهية حول حصص الامتيازات المشروعة بقوانين ظالمة أو لامشروعة تحايلا وتدليسا أو بدهاليز النهب و الريع التي بدأت تعلن عن بعض جيوبها المتسربة لحقل الإعلام المواطن .
يتبادل البعض منهم الاتهامات والمسؤوليات عما حدث من تقصير 
في تنفيذ المشروعات المبرمجة ويقتنص البعض الآخر الفرصة 
لصياغة المكائد وإفشاء الأسرار و السعي للإيقاع ببعضهم البعض لدى الدوائر العليا .

الدولة برؤوس متعددة ،:من يملك القرار فعلا ؟؟؟
حيث تبدو الدولة بعدة رؤوس تبزغ كل مرة احداها من مغارات هرقل برأس أصلع وعاريا من الصدق والمصداقية معلنة اوامر او اجراءات تناقض بعضها البعض وعاجزة في نهاية المطاف عن الاقناع وتهدئة الغليان المتصاعد هنا وهناك كشظايا النار المتطايرة . 
وبتجاذبات قوية ما بين خيار المرونة والحوار الخجول أو الجبان حتى وبخيار الزجر والعنف والقسوة الخالية من الرحمة الذي يبدو حاسما في تكسيره لكل جسور الوصل والتواصل التي حاول بعض العقلاء مدها مع المحتجين بهدف الاحتواء وايجاد مخرج ما .
ذلك أن خيار الاعتقال التعسفي والاختطاف و الإفراط في استعمال العنف تجاه المحتجين والسعي لتشويه سمعتهم ووصمهم بالانفصاليين والمتمردين أو في التنكيل بالمعتقلين وإهانتهم من خلال تصويرهم عراة وتسريب فديو الزفزافي زعيم الحراك في ذلك الوضع المهين بهدف تشويه صورته وبذلك السيل الجارف من الشتائم والتهديدات والسب التي يتبناها "مدافعون عن الدولة "مشهرين سيوفا أو أسلحة أحيانا إأو تهديدات وشتائم قوية أحيانا أخرى ، ساهم بشكل ملحوظ في الرفع من منسوب الغضب حتى لدى تلك الفئات التي كانت تدافع عن المخزن بشراسة فاستيقظ ضمير بعضها وأصيبوا بالحرج وأدركوا بشاعة أجهزة 
اضحت أساليبها القروسطية تؤتي عكس اهدافها المتوخاة ,
ذلك أنه بتقديمهم للرأي العام زعيم الحراك عاريا عروا في الحقيقة عن بشاعتهم وانحطاطهم الأخلاقي والقيمي ليس إلا . 

إذ لاينكل بمسجون لا قوة ولا حيلة له إلا من هو قادر على تخطي حاجز كل القيم الإنسانية بدون منازع .
وها هم كافة المعتقلين الريفيين يعلنون إضرابا عن الطعام بموازاة 
المسيرة المليونية التي سوف تنظم يوم غد 20 يوليوز بالحسيمة 
بمشاركة وفود من عدة أقاليم ومن الجالية المغربية بالخارج 
مع الاشارة الى ان المراسل الصحفي "ربيع الأبلق "قد أعلن أضرابه عن الطعام منذ 21 يوما ,معلنين خيار الحرية أو الشهادة 
لاثالث لهما ومودعين أهلهم و المتعاطفين معهم برسائل صوتية جد مؤثرة وثقتها وسائط التواصل الاجتماعي للعبرة والتاريخ .
مثلما أعلنت المظاهرات عن شعارها المحوري : الموت أو المذلة 
ولاتجد الدولة من خيار متاح لحد الآن إلا بلاغ باهت عن منع المسيرة وعدم قانونيتها وكأن كل الأفعال التي قام بها ممثلو الدولة لحد الآن موغلة في الحكمة والانصياع لصوت العقل و القانون ..
ومابين خيار المخزن المرجح لصوت الزجر و الشطط والاستبداد 
بوسائل السلطة وصوت الاحتجاج المطالب بتوزيع الثروة واستعادة الأموال المنهوبة والمهربة للخارج و تحقيق التنمية الحقيقية لكل المناطق والفئات بما يلزمها من تعليم وتطبيب وشغل وكرامة وخدمات عالية الجودة 
والانتقال من منظومة الرعايا لمنظومة المواطنة يكون المغرب اليوم في مفترق الطرق فماذا يخبيء له الغد إذن ؟؟؟
عائشة التاج - باحثة في السسيولوجيا /الحوار المتمدن
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال