عندما يتمرد السياسيون، الصحافيون يقفون بثبات

الخطورة لم تعد تكمن في الهراء الذي ينشر وحده، بل في كيفية تشذيب الصحافة لمنتجها بطريقة تعيد القراء الأوفياء إلى سكتها وإثبات من جديد أن مزاعم السياسيين بشأن وسائل الإعلام لم تكن في يوم ما صادقة، فلماذا يراد لنا أن نصدقها اليوم.
عليّ الاعتراف بأنني من جيل صحافي كان غير مسموح له الخروج عما هو مرسوم له من ثوابت الدولة، كانت الصحافة آنذاك ممسوكة بيد الدولة بقوة، لذلك تبدو الخطوط واضحة وليس بمقدورنا الخروج عليها، أن نتجرأ على مس تلك الخطوط الحمراء يعني أن نجازف ونتعرض للمساءلة، كانت التجربة مخيفة في زمن إعلامي لم يكن مفتوحا، ولم يكن من السهولة بمكان اختراق جدار المنع الصلد والمخيف.
قد تكون مرت إشارة هنا ومجموعة إشارات هناك لكن ما ترتب عليها كان يصيب بقية الصحافيين بالهلع! قبضة الدولة على تلك المفاصل كانت غير رحيمة مطلقا، ومن كان يتعرض لها يدرك ما يؤول إليه الحال!
مع كل ذلك الخوف كانت توجد صحافة بمعنى ما، لكن الحال تغير اليوم ولم تعد قبضة الدولة كما كانت، وما مر به جيلي شكّل تجربة جامعة للاعتداد بالنفس واختيار طريقة الكتابة، المصهر الصحافي معلم صبور يمنح الصحافي مجهرا بعدسة التأني واكتشاف الأمور على طبيعتها، من دون لبس ومس بالآخرين واستعراض زائف وقلب الحقائق، هذا بالنسبة للصحافي المتسق مع أفكاره وذاته.
الحال تغير، والمتاح للمدونين وصحافيي اليوم لم يكن متاحا لأبناء جيلي، مثلما ينعكس ذلك على طبيعة التجربة، الفضاء المفتوح أضعف قبضة الدولة، والرأي والرأي الأخر لم يقتصرا على ما كان ينشر في وسائل الإعلام التقليدية، ثمة اجتياح مخيف وتدفق كم هائل من المعلومات مصدره الناس، الجميع يرى ويشخّص الحوادث والأمور ويعلن عن موقفه من دون تردد أو وجل، فكرة الخوف من الدولة وقبضتها تهرت تقريبا، هناك دولة رقمية كبرى أقوى بكثير من الدولة القطرية منحت المواطن الصحافي أن يكتب ويعبّر عن رأيه كما يشاء، ولا يخشى كما كنا نخشى من الدولة.
والحال لم يكن ذلك صالحا تماما، لأنه قاد إلى الإسفاف وإشاعة الضغائن والكراهية والرداءة، واستغل المتشددون ذلك لنشر أفكارهم المتطرفة، فيما تعرضت وسائل الإعلام إلى كيل من الاتهامات باعتبارها مصدرا لنشر الأكاذيب والأخبار الملفقة.
بطريقة ما كان الإعلام الموجه بيد الدولة يصنع خطابه لاختراق العقول، لذلك بقي الحكم عليه مقترنا بطبيعة المالك والممول وسلطته، وبعد التحرر من تلك القبضة صار لازما على الصحافي أن يقف بثبات عندما يتمرد السياسيون.
فكرة الخوف من الحكومات لم تكن كما كانت عليه بالأمس، والدور التاريخي للصحافة بوصفها مانعا للتغوّل والفساد أتسع بمشاركة المواطن الصحافي.
المصداقية الصحافية تعني الوقوف بوجه فساد السياسيين، عندما يتمرد السياسيون، الصحافيون لا يتراجعون، والفكرة التي أشاعها السياسيون عما يسمى “ما بعد الحقيقة” تنال من مصداقية الصحافة، مثلما يتطلب من هذه الأخيرة أن تدافع عن دورها بدقتها، التراجع عن دقة المعلومات يعني بالضرورة فسح المزيد من الكلام عن الاتهامات بالأكاذيب.
إن تكون الحقائق من الموضات القديمة، حسب روث ماركوس في صحيفة واشنطن بوست، فإن الخطوة التالية التي لا ترحم سوف تكون الحد من كل الأخبار إلى نفس المستوى من عدم الثقة وعدم التصديق، وإن لم يكن هناك ما هو صحيح، فيمكن لكل شيء أن يكون كاذبا.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يتوقف عن وصف الصحافة والصحافيين بالملفقين، وهو يقود اليوم تيارا لترسيخ فكرة أن ما تنشره وسائل الإعلام ليس أكثر من حزمة أكاذيب.
ويندفع باتجاه ترسيخ فكرة أنه كرئيس دولة كبرى لم يعد بحاجة إلى وسائل الإعلام لإيصال خطابه السياسي، على اعتبار إن مصداقية ما يعلنه لا تلتقي مع ما ينشر من أخبار مفبركة! ولديه الملايين من المتابعين على حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي تغنيه عن وسائل الإعلام.
ترامب لا يتوقف عن وصف ما ينشر بأكاذيب ملفقة وأخبار وهمية، ويتواصل مباشرة مع ملايين الناس، فما حاجته إلى وسائل الإعلام، مثل هذه الفكرة بدت شائعة وتقلل من أهمية الدور المفترض للصحافة. وهنا تكمن خطورة انتشار تلك الفكرة، إن لم يقف لها الصحافيون بثبات. ليس في وجه ترامب تحديدا، بل في ما ينتج من محتوى يفنّد فكرة الأخبار الوهمية.
الخطورة لم تعد تكمن في الهراء الذي ينشر وحده، بل في كيفية تشذيب الصحافة لمنتجها بطريقة تعيد القراء الأوفياء إلى سكتها وإثبات من جديد أن مزاعم السياسيين بشأن وسائل الإعلام لم تكن في يوم ما صادقة، فلماذا يراد لنا أن نصدقها اليوم.
الوقوف بثبات أمام تحويل الصحافة إلى مجرد نشرة كاذبة، يعني منع السياسيين ورجال الدين من الاستحواذ على المال العام وشيوع الفساد مقابل ألا يدفع هؤلاء سوى ضريبة الكلام والوعود الزائفة.
لذلك يرى سايمون شاما أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، إذا كان هناك وقت يجب فيه الاحتفاء بحرية الصحافة وتكريمها وحمايتها وتعبئة الجهود للدفاع عنها وعن العمل الصحافي الأساسي الجيد، فإن ذاك الوقت هو الوقت الحالي.
كرم نعمة - كاتب عراقي مقيم في لندن/العرب
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال