الانتخابات الجزائرية: المقاطعة ليست الحل الامثل

معضلة الانتخابات في الجزائر تتلخص في ثلاثة أوجه:
السلطة القائمة غير مستعدة لأي تنازل أو تغيير لكنها تريد بشدة صبغة الشرعية.
اﻷطراف المعارضة تريد التغيير لكنها رضيت باﻷدوار التي وزعتها السلطة – إضفاء الشرعية على العملية بالمشاركة مقابل مكاسب محدودة، و في الإطار المرسوم الذي لم تحاول تجاوزه ولا التحرر منه.
اﻷغلبية الساحقة من الشعب – المقاطعون- و هم لا يثقون لا بالسلطة و لا بالمعارضة، يتمنون التغيير لكنهم لا يفعلون شيئا لتحقيقه.
لم تستطع أطراف المشهد السياسي في الجزائر من سلطة و معارضة و ناخبين تخطي عقدة الشرعية التي نتجت عن إلغاء أول انتخابات تعددية في تاريخ البلاد.
وبصرف النظر عن الملابسات التاريخية التي أحاطت بالقرار آنذاك و باﻷحداث اﻷليمة التي تلته، يمكن القول إن السلطة عمدت إلى مجموعة من التدابير لضمان ألا يتكرر ما حدث أي فوز حزب واحد باﻷغلبية الساحقة كما حظرت جبهة الإنقاذ الإسلامية و جردت الأحزاب الإسلامية اﻷخرى من امتياز استغلال المنابر و الرموز الدينية لغرض الدعاية الحزبية و حشد الجماهير.
الإجراءات التي اتخذتها السلطة لم تؤدِ إلى الحد من نصيب المعارضين في البرلمانات المتعاقبة فحسب لكن إلى فوز الحزبين المنضوويين تحت رايتها بكل الانتخابات التي نظمتها من يومها إلى يومنا هذا وسط اتهامات لها بالتزوير الشامل من قبل المعارضين و انسحاب  المجتمع من العملية بصفة شبه كلية.
الحزب الآخر للسلطة أنشئ لتخطي الضابط الذي وضعته هي للحد من إمكانية الاستئثار بالأغلبية الساحقة.
أحزاب المعارضة على الرغم من طعنها المتكرر في نزاهة الانتخابات و مصداقية نتائجها شاركت في معظمها إما سعيا لتحقيق مكاسب آنية، أو طمعا في التمكن من بعض المواقع أو الظفر بعدد من المناصب، و ربما شاء بعضها استغلال المنصات التي تتيحها الانتخابات و نتائجها لإيصال صوتها و توجيه النقد للسلطة الحاكمة في مشهد سياسي يتسم بالرتابة و الانغلاق.
المهم، أيا ما كانت المكاسب التي حققتها المعارضة بالمشاركة في الانتخابات،
فاﻷضرار التي لحقتها جرّاءها أكبر بكثير حيث إن عموم الجزائريين صاروا ينظرون إلى هذه اﻷحزاب كجزء من عملية  أو مسرحية يديرها النظام للتغطية على فقدان الشرعية.
السلطة من جانبها تريد الظفر بصبغة الشرعية بكل وسيلة ممكنة مع الإبقاء على الوضع القائم على ما هو عليه دون تغيير يذكر، و قد استطاعت عبر ما هو متاح لها من ممكنات أن تنسج شبكة واسعة من المزايا و الإغراءات أو الإقصاء و التضييق في الحالات المستعصية، و أن توفر مناخا يمتص صدمات التغيير المفاجئة يمكنها فيه الاستغناء عن بعض المظاهر الشكلية للسلطة دون المساس بدوائر صنع القرار الفعلية.
هناك بهذا الخصوص  رأي مثير للاهتمام لبعض المتابعين للمشهد السياسي مفاده أن الانتخابات البرلمانية السابقة كانت نزيهة فعلا غير أن حسابات السلطة في خلق المفاجأة و كسر الجمود انقلبت رأسا على عقب لعدم تمكن المعارضة من الفوز نتيجة لعدم قدرتها على الحشد و للنسبة الهائلة للمقاطعين ثم لاستقرار عدد المصوتين للحزب الحاكم.
العازفون عن الانتخابات و المشهد السياسي ككل وهم الغالبية الصامتة في المجتمع..يعزون أسباب عزوفهم إلى عدم الاقتناع بنزاهة الانتخابات و بجدواها و يليه سبب آخر لا يقل أهمية وهو انعدام الثقة بالأحزاب المعارضة. فالمقاطعون كما أسلفت يقفون من السلطة و المعارضة على مسافة واحدة.
المقاطعة موقف رافض للعملية برمتها و امتناع عن مباركة ما يراه المقاطعون أقرب إلى المهزلة لأن المشاركة في نظرهم تعني منح صفة الشرعية لنظام لم ينبثق من الإرادة الشعبية.
و هي و إن كانت مبنية ربما على أسس أكثر متانة و عقلانية تبقى موقفا سلبيا لأنها تعبر أيضا  عن العجز و التسليم بالأمر الواقع دون تكبد عناء النشاط و النضال السلمي من أجل التغيير المنشود.
على الكل أن يعيد حساباته للخروج من عنق الزجاجة، المعارضة الحقيقية لا بد لها أن تراجع موقعها، مواقفها و خطاباتها جيدا و أن تسعى إلى ترميم صورتها المهزوزة بالسعي إلى توفير مناخ سياسي تصان فيه الحريات لتتمكن شتى الشرائح من التعبير بحرية عن آرائها و مواقفها دون مغبة التضييق و الملاحقة.  إن الطريق إلى تحقيق ذلك محفوف بالتضحيات التي لم تعهدها التنظيمات السياسية في الفلك الوثير الذي تدور فيه حول السلطة التي تعارضها. أما المقاطعون  فعليهم أن ينتهجوا منحى أكثر إيجابية بالتعبير و النشاط السلمي فالامتناع عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع ليس فعلا بحد ذاته .. إنه أسهل الممكنات. السعي إلى تحقيق نزاهة الاقتراع قد يحتاج إلى المشاركة بشكل أو بآخر.
فتح الباب للتغيير التدريجي هو أيضا خيار استراتيجي للنخب الحاكمة يضمن عدم حدوث انزلاقات كبرى لا أحد يريدها.. و ببعض الضغط قد يتم تبني النموذج المغربي الذي أثبت نجاحه إلى حد الآن مع تقاسم تكاليف التغيير السلس بين الأطراف المختلفة واستفادة الكل من الوضع الجديد.
عبد الهادي السايح - كاتب جزائري/راي اليوم
Reactions:

0 comments :

Enregistrer un commentaire

التعليق على هذا المقال